الاتفاقات الناجحة هي التي لا ترضي أي طرف
حوار مع علي العريض — جريدة «الموقف» — 4 ماي 2007
حظيت وثيقة 18 أكتوبر حول المرأة بنقاش واسع شمل محتواها وخلفيات أصحابها ومرجعيتها. وتوسع الجدل مؤخرا خاصة داخل التيار الإسلامي. واستزادة في استيضاح مواقف هذا التيار فيما طرح مؤخرا على منابر النقاش سواء في تونس أو خارجها كان لنا هذا الحوار مع القيادي والناطق الرسمي السابق لحركة «النهضة» المهندس علي العريض.
الموقف: كثر الحديث في المدة الأخيرة عن المصالحة وتوسع إلى محاولة تحديد من يعرقلها، فماذا ترى؟
علي العريض: لا توجد مصالحة مع النهضويين ولا مع غيرهم حتى نتحدث عمن يعرقلها. لقد طالبنا وطالبت أحزاب عديدة بحوار واسع ومصالحة شاملة على أرضية الحريات وحقوق الإنسان، ولكن التعامل مازال أمنيا لا سياسيا.
الموقف: يتساءل البعض لماذا دخلت هيئة 18 أكتوبر في مناقشة مسائل نظرية معلوم سلفا أنها خلافية؟
علي العريض: كما تعلمون فإن الهيئة تشكلت منذ أكتوبر 2005، وحددت أهداف نضالها في ثلاث نقاط هي إطلاق المساجين والعفو التشريعي العام وحرية الإعلام وحرية التنظيم، وأضافت مهمة رابعة هي إدارة حوار جاد ومسؤول بين كل الأطراف حول جملة من المسائل بغية تبديد شبهات وتخفيف ضغوط وتقوية عمل الهيئة ومزيد فتح الآفاق أمامه وصولا إلى صياغة عهد ديمقراطي يرتقي بهذه التجربة على قدر رصيد عملها واتساع أرضيتها ونمو الثقة بين مكوناتها ووضوح بعضها لبعض.
وأعلنت أغلب محاور النقاش في أكثر من بيان منذ أواخر 2005، ومنها موضوع حقوق المرأة والمساواة بينها وبين الرجل في الحقوق والواجبات. وخلال 2006 وزيادة على التحركات الميدانية والإعلامية الداخلية والخارجية التي تعلقت بالأهداف الثلاثة نظمت الهيئة محاضرات وندوات حول موضوع المساواة وتقدمت بعض أطرافها بورقات في الغرض كانت آخرها ندوات الأعمال وقع تغطيتها إعلاميا ونشرت في عدد من وسائل الإعلام ومن بينها جريدة «الموقف». وتوجت تلك المداولات كما هو مقرر ببيان مشترك في 8 مارس.
الموقف: ألم يكن أولى بهيئة 18 أكتوبر أن تبقى موحدة حول المطالب الثلاثة وأن لا تدخل في جدال حول المسائل الخلافية؟
علي العريض: قد يبدو للوهلة الأولى أن هيئة بهذا التنوع كان أولى بها أن تبقى متحدة حول المهام الثلاثة الأولى وتحذر الدخول في نقاشات فكرية قد تهدد وحدتها. ولم يكن هذا الأمر غائبا عنا. فالهيئة مدركة لاختلاف مشاربها الفكرية، لكنها في الوقت نفسه، وكما ذكرت سابقا، واعية بعدة ضغوط تفرض عليها الوضوح في بعض المسائل الجوهرية، مثل الحفاظ على حقوق المرأة ودعمها، ومثل الالتزام بالديمقراطية وحقوق الإنسان حتى يسهل العمل المشترك ويستمر.
وتتصدى الهيئة بذلك للضغوط والتشكيك، فالوضوح المطلوب حاجة موضوعية وذاتية لتطوير عملها وتقوية أرضيتها، وهو هدف ووسيلة أيضا، وإذا استحال الاتفاق على عهد ديمقراطي نأمل أن يستمر اتحادها على المطالب الثلاثة.
الموقف: ألم يكن أجدى البدء بالقضايا العامة مثل الهوية أو نظام الحكم قبل التطرق لموضوع المرأة؟
علي العريض: الهيئة تجمع سياسي له ظروفه وأولوياته وليس مركزا للدراسات والبحوث والأجندات السياسية. تختلف أحيانا عن صرامة المنهجية العلمية، لأن السياسة تعالج واقعا حسب مكوناته وإكراهاته، وقد تطرحت الهيئة الخيارات ومالت إلى هذا الموضوع، وهي التزمت وملتزمة على قدر طاقتها بالنضال من أجل تلك المطالب الثلاثة رغم كل العراقيل، والحوار خدم ويخدم تلك الأهداف.
الموقف: لكن «الوثيقة» حول المرأة أثارت ردود فعل رافضة أو منتقدة لمرجعيتها من أكثر من طرف؟
علي العريض: يقال عادة إن الاتفاقية المشتركة الناجحة هي تلك التي لا ترضي أي طرف من أطرافها، بمعنى أنها لا تعبر عن كل طرف كما يريد، فتلك وظيفة أدبياته وبياناته. إن جوهر ما في هذا البيان المشترك هو أنه سجل جملة من المكاسب التي تحققت للمرأة التونسية في مجال الأحوال الشخصية ومجال التعليم والشغل، إلخ. وسجل الهوة الموجودة بين القانون والواقع، وأكد ارتهان كثير من الحقوق بإجراء إصلاحات سياسية حقيقية، والتزم بالعمل على مزيد تعميق المكاسب وتنميتها باستمرار تحقيقا للمساواة بين المواطنين رجالا ونساء في الحقوق والواجبات.
وحدد كل ذلك في نقاط واضحة بعدما تبين من الورقات والندوات أن الاتفاق كان غالبا في مستوى النقاط العملية الخاصة بمجتمعنا، وذلك على الرغم من تعدد المرجعيات والتقييمات، وليس بالضرورة تناقضها.
الموقف: هل يعني هذا الكلام أن الوثيقة لم تكن إلا محاولة للصياغة المشترك بين مكونات 18 أكتوبر إذن
علي العريض: نحن نخوض تجربتنا بكل ما يعترضها من صعوبات ذاتية وموضوعية، وتقديري أن الإصرار على حل الصراع العقائدي بين منظومات مختلفة، أو حتى داخل المنظومة الواحدة، طريق غير سالكة ولا مطلوبة، وإنما التوجه يكون للبحث عما يوفر التعايش بينها بدل الاحتراب، وهذا دور السياسة. فمهمتها تحييد الخلافات التي يستحيل حلها ويمنع إلغاؤها، كما يقول برهان غليون: «فهي تستطيع وحدها بما تقدمه من فرص للتفاهم على قضايا وبرامج عملية تحييد الصراعات المذهبية الطبيعية».
وما حاولناه هو أن نلتقي على نقاط عملية كما هو الغالب على البيان. هل كان بالإمكان أفضل في هذا الظرف؟ ربما. ولي ثقة فيمن لهم القدرة على التبصر بكل تجربة للنهل من مكاسبها وتطويرها. أما طرح مهام تعجيزية أو ضبط خطوط مستقيمة يجب اتباعها أو إشعال الصراعات الحزبية والعقائدية والتشكيك فلا تفيد غير تأبيد هذا الواقع ودعم المستفيدين من استمراره.
الموقف: البعض احتج على ما بدا في الوثيقة أنه تمجيد لمجلة الأحوال الشخصية وبالتالي لبورقيبة، وبدا هذا الاحتجاج أوضح داخل التيار الإسلامي؟
علي العريض: تحرير المرأة وتفعيل دورها يختلط فيه الشرعي بالعرفي في أذهان الناس في كل الحضارات. فرغم كل الدفع التحرري الذي حواه القرآن الكريم والسنة الشريفة، فإن أحكام القبيلة والعرف انتصرت على روح التحرر الذي أطلقه القرآن الكريم والرسول صلى الله عليه وسلم بتشريك المرأة في الشورى والبيعة والخروج إلى الجهاد وتأكيده احترامها وما سنه الله تعالى في الزواج والميراث وسائر الحقوق.
وإني لتساءل: أي وضع كانت ستكون عليه المرأة، من حيث نمو شخصيتها ومكانتها ودورها، لو استمر سهم التحرير والتفعيل في اتجاهه السوي؟
المرأة كانت دائما شأنا خاصا بالرجل «حرمه وحريمه»، ولأنها كذلك كان التدخل في هذا الموضوع عسيرا وبطيئا، لا سيما والرجال هم المفاتيح، ولذلك تغلب الخضوع والإذعان بل زاد التنافس في الحجب وستر الحياة الخاصة للرجال، والمرأة معتبرة جزءا منها. وزيد في توسيع دائرة المحرمات تجاهها صوتها ووجهها إلخ.
كثر الحياد عن قواعد الدين ومقاصده جهلا أو تحايلا، فتحولت قوامة الرجال إلى مركب استعلاء أو امتياز وإذلال ولم يراعوا رضا المرأة في الزواج ولا حتى سنها أحيانا، واستعمل حق تعدد الزوجات ورقة لامتهان الزوجة أو تهديدها به لترضح، وأسيء استعمال الطلاق بيد الزوج دون رقابة قضائية، فاضطربت الأسرة وصارت رهينة غضبة أو مزاج، وحرمت المرأة من نصيبها في الميراث ومازالت إلى اليوم محرومة منه في كثير من مدننا وبوادينا، لأن المجتمع يوجد دائما من الضغوط والثقافة لصالح الطرف الأقوى ما يجعل المرأة تتخلى عن نصيبها قناعة واتقاء لردود فعله وعجزا.
إن ما أدرجه القانون لصالحها في الميراث يبقى مقبولا شرعا، لكن شتان بين القول والفعل. فالنظرية هنا غالبا ليست سوى مظلة لراحة الضمير التي تدحضها الممارسة في كل آن، كما قال عبد الوهاب بوحديبة.
لكل هذه الأسباب كان ضبط قوانين الأسرة والرفع من مكانة المرأة أحد أهداف التيار الإصلاحي في تونس كما في غيرها من البلدان العربية. هذا هو الإطار الذي ولدت فيه مجلة الأحوال الشخصية.
الموقف: ولكنها أثارت في الأوساط الإسلامية انتقادات موجهة إليها وإلى واضعها بورقيبة؟
علي العريض: نعم وقد لا تنتهي تلك الانتقادات، لأن كل تغيير في هذا المجال يثير ردود أفعال تختلط فيها الثقافة والغيرة على الدين والمواقف المكتسبة من الرجال عبر التاريخ، فما بالك إذا جاء التغيير بإشراف وفرض من الوزير الأكبر بورقيبة المعروف بتعلقه بالغرب والنيل من التراث العربي الإسلامي وربط المجلة به وحده خلافا للحقيقة.
فالمجلة اعتمدت بدرجة أولى على لائحة الشيخ الفاضل بن عاشور، أول مفتي لتونس المستقلة، لصياغة مجلة جديدة، فاعتمدت على لائحة الشيخ جعيط ونهلت من مجلات أخرى مصرية وسودانية وحتى إيرانية ومن القانون الفرنسي وغيره من المصادر.
فالمجلة إنتاج تونسي لنخبة من العلماء ورواد النهضة والساسة في سياق أهداف التيار الإصلاحي وتكريس الاستقلال وتجاوز ما يشبه حالة التشتت القضائي السائدة آنذاك، لا سيما مع هيمنة صلاحيات المحاكم الفرنسية واعتبارا حتى للضغوط الفرنسية لضمان حقوق الفرنسيين «الفرنسيين التونسيين» بعد رحيلها.
فهل من الموضوعية العلمية ومن الوفاء لجهود أسلافنا من أبناء الخضراء بكل اتجاهاتهم ولمصالح مجتمعنا اليوم النظر باستخفاف أو الرفض الجملي لما أسسوا ولما بنوا في ضوء واقعهم وتوازناته وتوازناتهم؟ إننا مع الوصل لا مع القطيعة والفصل. لقد أسسوا وبنوا لنصون ونعدل وننمي.
الموقف: هل تريد أن تقول إن المجلة تندرج حسب رأيكم في إطار الاجتهاد الإسلامي؟
علي العريض: يجب أن أوضح أولا أنني لست في موقع القضاء ولا الإفتاء، وثانيا أن الإخوة في حركة النهضة أعدوا منذ بداية الثمانينات جملة من الدراسات ونظموا عددا من الندوات حول هذه المجلة وخلصوا إلى أنها بصفة عامة لا تعد خارجة عن نسق اجتهادي داخل المدارس الفقهية عدا جزئيات وبعضها فيه نظر.
وأما ثالثا فإننا مع كل حقوق المرأة ومكاسبها ودعمها، ورابعا فإن أولوية بلادنا اليوم هي الإصلاح الديمقراطي، ففي ظله تتوفر ظروف التقييمات الموضوعية الوفية للحقيقة وحدها، المتخلصة من الخوف ومن الحزبية والتشنج.
أما إذا عم منطق الإخراج من الملة السياسية ومنطق الإخراج من الملة الدينية فليس لنا أن نبشر بمستقبل أفضل. وهذا ما يزيد في الاحتقان واليأس بدل أن يفتح باب الأمل، والحاجة إلى اتخاذ إجراءات توقف الاحتقان واليأس وتفتح باب الأمل، وأولها إنهاء محنة المساجين وعائلاتهم وتحرير الإعلام والتنظم وإيقاف المضايقات المسلطة على الأشخاص والجمعيات والأحزاب.