مباراة مصر والجزائر.. مشهد سوريالي عربي يكشف عبثية وانحدارا وانقساما
يقف الزعيم النازي وسط قادته الذين اجتمعوا حوله ليخبروه بتوقعهم الهزيمة في نهاية الحرب العالمية الثانية. هذا هو المشهد الأصلي من الفيلم الشهير الذي يتناول حياة الزعيم النازي. أمّا بعد الحرب الإعلامية المستعرة بسبب مباراة مصر والجزائرن فأصبح كما يلي: قائد عسكري ألماني يملأه الرعب يوجه حديثه إلى الفوهرر أثناء اجتماع مجلس الحرب: لم يخسر المنتخب المصري أي معركة منذ م
- 11 نوفمبر 2009
- مصدر الوثيقة:
- الحوار نت
يقف الزعيم النازي وسط قادته الذين اجتمعوا حوله ليخبروه بتوقعهم الهزيمة في نهاية الحرب العالمية الثانية. هذا هو المشهد الأصلي من الفيلم الشهير الذي يتناول حياة الزعيم النازي. أمّا بعد الحرب الإعلامية المستعرة بسبب مباراة مصر والجزائرن فأصبح كما يلي:
قائد عسكري ألماني يملأه الرعب يوجه حديثه إلى الفوهرر أثناء اجتماع مجلس الحرب: لم يخسر المنتخب المصري أي معركة منذ موقعة البليدة، وهم يحسبون الآن عدد ما سيحرزونه من أهداف في مرمانا ليصعدوا عبرنا للمونديال.
هتلر يحاول أن يبدو متماسكا: لا تقلقوا إنّهم يعانون من إصابات كثيرة، ومش هيقدروا يغلبونا.
القائد العسكري بصوت متحشرج: أخشى يا سيدي الفوهرر أنّهم جميعا عادوا من إصاباتهم. كما أنّ المهاجم محمد زيدان قد يشارك أيضا.
الفوهرر يبدو غير مصدق، بينما ترتعش يداه وهو يخلع نظارتيه، قبل أن ينفجر غاضبا بأسلوبه الهستيري الشهير: كله إلاّ زيدان. لا يمكن أن يلعب. ده عامل شغل خطير في ألمانيا، وبيلعب كويس مع أبو تريكة، ده جاب جونين في البرازيل يا عم الحاج.
ويستمر الفوهرر بلهجته المصرية الساخرة في بث الرعب في نفوس المشجعين الجزائريين، ردا على فيديو جزائري انتشر على اليوتيوب، من فيلم "قلب شجاع" جعل من المنتخب المصري (جيش الأعداء) الذي يجب سحقه. "الجزائريون يكرهون المصريين، ويحقدون على كل ما هو مصري، هذا ما أظهرته المباراة" يقول إعلامي مصري، وينتشر على اليوتيوب ليستدعي تعليقات نابية من الجانبين تنحدر إلى مستوى صادم. "المنتخب المصري ليس سوى مجموعة من القتلة" تقول صحيفة جزائرية. "المشجعون المصريون سيتآمرون بالتسلل بين المشجعين الجزائريين، ليقوموا بأعمال عنف تؤدي لمعاقبة الفريق الجزائري" تتوقع صحيفة أخرى.
اتحاد الكرة المصري يستأجر شركة أمنية خاصة لحفظ الأمن في المباراة "لماذا لا نطلب قوة تدخل سريع من حلف الأطلسي مدعومة بسربين من طائرات الأباتشي واللهو الخفي أوالشبح سابقا"، ويعلن خشيته من طوبة ضالة تنطلق كصاروخ باليستي من مشجع مصري لتستقر في رأس الحكم أو قفا لاعب جزائري، وتكون بمثابة (كرسي في الكلوب) عشان (تضلمها) وبعدين تبدأ المواجهة الحقيقية في المدرجات، ليتحول ستاد الرعب (القاهرة سابقا) إلى (مقبرة للغزاة) كما كتبت قناة فضائية مصرية بالخط العريض و(نوريهم) كما يتوعد إعلان يذاع في القناة الفضائية الرسمية. قداسة البابا شنودة (بجلالة قدره) يقرر تقديم موعد الاحتفال السنوي المهيب للكنيسة بذكرى جلوسه على الكرسي البابوي ليكون مساء الجمعة بدلا من السبت (لانه يخشى من عدم حضور أحد يوم السبت المحجوز بالكامل لموقعة القاهرة كما يسميها أنصار محاربي الصحراء..حصلنا الرعب) وسيصلي خلال قداس يقام صباح السبت ليفوز منتخب الفراعنة. أعضاء الحكومة ومؤسسات الدولة المصرية يتضامنون مع الشعب في يوم للعصيان المدني الشامل يوم السبت، الذي ستخلو فيه شوارع القاهرة من حتى من (سريخ ابن يومين)، ولو تكرر هكذا عصيان في يوم آخر لأسباب سياسية لسقط النظام خلال ساعات.
إعلام مصر التي رفعها أبطال تحرير الجزائر، تحرق في شوارع الجزائر بعد نصف قرن، وأغان تاريخية يذيعها التلفزيون المصري لتحريض الجماهير استعدادا للموقعة (رغم أنّها كتبت اصلا للاحتفال بالانتصار على إسرائيل في حرب أكتوبر التي شارك فيه الجيش الجزائري إلى جانب إخوانه المصريين). لا يمكن أن تكون هذه مجرد مباراة كرة قدم. إنّها حرب إعلامية نفسية عنصرية - سياسية تستخدم كل :أسلحة الدمار الشامل" التي توفرها كل وسائل الإعلام والاتصالات الحديثة، ولا بد أنّ لها أبعادا أكثر تعقيدا.
محللون نفسيون اعتبروا أنّها تعبر عن حالة من الإحباط العميق والضيق واليأس بين الشباب في البلدين، إلى جانب حالة من الفراغ السياسي. إذ لا يوجد مشروع قومي، سياسيا كان أم اقتصاديا، يستوعب كل هذه الطاقات والرغبات المكبوتة في إثبات الذات أمام الآخرين.
وآخرون رأوا أنّها انعكاس طبيعي لخصائص الشخصية الوطنية في الجانبين، فالجزائري المتهم بحدته وعنفه وقسوته عندما يتعلق الأمر بـ"النيف" أي الكرامة، يعبر بطريقته عن "عقدة الشقيقة الكبرى" التي تستأثر بالتاريخ والحاضر والفن والسياسة والثقافة، وتريد أن تضم الرياضة اليها.
أمّا المصري المتهم بالمبالغة والفهلوة والانغلاق على الذات فيستغرب أن يحاول أحد منازعته مكانته أصلا، ويوظف قدرته المعروفة على السخرية و"التريقة" في مواجهة التحدي، مستفيدا من ماكينة إعلامية ضخمة، لكنها منقسمة على نفسها ومشغولة بحرب أهلية بعض معاركها دون المستوى، وقد يتصدر (أبطالها) طابور المتهمين في حال فشل المنتخب المصري في التأهل.
أمّا المراقبون السياسون فهالتهم مشاعر الارتياح التي تجمع بين النظامين الحاكمين في مصر والجزائر تجاه هذه الهستيريا الإعلامية التي أعفتهم من جدال سياسي محرج حول التوريث والفساد والبطالة وقوارب الموت، وغيرها من الكوارث التي لم تعد تجد مكانا في وسائل الإعلام بسبب المباراة.
أما "اليوفوريا" أو الفرح الزائد تجاه هذه الحرب بين الأشقّاء فيمكن العثور عليها بسهولة في وسائل الإعلام الإسرائيلية التي دخلت على الخط، فنشرت تصريحات كاذبة لكابتن المنتخب المصري يسيء فيها للجزائر (شعللها شعللها)، وعندما كذبها لم تنشر التكذيب طبعا. إلى جانب مقالات إسرائيلية (تخر شماتة) تسخر من مدى هشاشة ما يسمى بالتضامن العربي، إلى آخره من الشعارات "القومجية العبثية الديناصورية إيّاها". ولا يكتمل المشهد دون التنويه بأصوات قليلة عاقلة (في البرية) من الجانبين ضاعت وسط كل هذا العبث.