سفارات وقنصليّات تونس عبر العالم تستقبل الملحقين الأمنيّين ، فهل عاد "البوليس السياسي" ؟
سفارات وقنصليّات تونس عبر العالم تستقبل الملحقين الأمنيّين ، فهل عاد "البوليس السياسي" ؟ نصـرالـديـن الســويلمي أحببنا أم كرهنا، أكان الأمر مصيبة أم فاجعة أم عرضا طارئا ، على الجالية التونسيّة عبر العالم أن تستوعب أنّه أصبح في حكم المعلوم واليقين والثابت قطعا أنّ ما يسمى بالمسؤولين الأمنيّين وفي رواية البوليس السياسي وفي رواية أخرى عناصر المخابرات قد وصلوا إلى السفارات والقنصليّات التونسيّة عبر العالم، ولم يعد الخبر مجرد تخمينات ولا تسريبات ولا حتى حقائق مغيّبة، وحتى يبتعد الجميع عن الاستنتاجات
- 26 يونيو 2013
- مصدر الوثيقة:
- الحوار نت
سفارات وقنصليّات تونس عبر العالم تستقبل الملحقين الأمنيّين ، فهل عاد "البوليس السياسي" ؟
نصـرالـديـن الســويلمي
أحببنا أم كرهنا، أكان الأمر مصيبة أم فاجعة أم عرضا طارئا ، على الجالية التونسيّة عبر العالم أن تستوعب أنّه أصبح في حكم المعلوم واليقين والثابت قطعا أنّ ما يسمى بالمسؤولين الأمنيّين وفي رواية البوليس السياسي وفي رواية أخرى عناصر المخابرات قد وصلوا إلى السفارات والقنصليّات التونسيّة عبر العالم، ولم يعد الخبر مجرد تخمينات ولا تسريبات ولا حتى حقائق مغيّبة، وحتى يبتعد الجميع عن الاستنتاجات الجانبيّة وتذهب السكرة وتحضر الفكرة ونشرع في التعامل مع الواقع الجديد بكل تداعياته، ليكن في علم الــ 10% من شعب تونس المتواجد خارج البلاد والمعني الأول بهذا الملف أنّه في هذه الأحيان وفي نفس المكاتب التي غادرها بوليس بن علي تحت وطأة الاحتجاجات التي قادتها الجالية التونسيّة يعكف الكثير من الأمنيّين الذين توافدوا على العديد من عواصم العالم قادمين من البناية الرمادية بشارع الحبيب بورقيبة قاصدين بعثات تونس الدبلوماسيّة يعكفون على ترتيب مكاتبهم وتأثيث الرفوف التي ستشرع في استقبال الملفّات، أيّة ملفّات؟ هذا ما تتضارب حوله الآراء، فالسلطات الرسميّة تتحدّث عن إيفاد أمنيّين للقيام على بعض المهام النبيلة التي تحتاجها المصلحة العليا للبلاد وترسل الجهات الرسميّة حزمة من التطمينات "الشفاهية" تفيد بعدم التعرّض إلى الجالية وفعاليّاتها وتحرّكاتها وملفّاتها وبياناتها، وتؤكد السلطات أنّها لن تسمح أبدا بعودة حليمة إلى عادتها القديمة، لكن الذين اكتووا بنار البوليس السياسي ووجدوا أمامهم في المطارات والموانيء عند عودتهم إلى أرض الوطن سجلا لا يغادر صغيرة ولا كبيرة لا بل ويزيد ويضخّم ويشنّع ويورّط ويلفّق فكان أن حُوّلوا إلى غرف خاصّة أين تستحل الحرمات وتنتهك الأعراض ويتعرّض الرجال إلى ما تتعرض له الإناث، وتتعرّض الحرائر إلى ما تشيب له الولدان، هؤلاء لديهم رأي مغاير لرأي السلطات المُطَمْئِن ويعتقدون أنّه من السذاجة والسخرية أن تأتي إلى سفّاح تقلّب لعقود في الجريمة وتطلب منه بلطف أن يعود إلى عمله ويكفّ عن جرائمه دون ردعه ولا حتى إعادة تأهيله.
تحدثت الجهات الرسميّة عن مصلحة البلاد العليا التي تحتاج لمثل هذه العناصر الأمنيّة للتواصل والتنسيق في العديد من الملفّات مع سلطات الدول الأخرى، وهذا التبرير يتطلّب إيفاد عناصر متمرّسة مختصّة محترفة تستطيع أن تقدّم الإضافة وتنفع البلاد عبر الملفّات الثنائيّة في المجالات الأمنيّة وما يدور في فلكها، لكن عندما ترسل الداخليّة عناصر من الشرطة العاديّة ومن الحرس ومن الإداريين الذين ليس لهم أيّ علاقة بمثل هذه المجالات الدقيقة، فهذا يعني أنّ الوزارة أصبحت رهينة لدى النقابات الأمنيّة أو "الداخليّة الموازية"، هذه النقابات المستعصية التي تسعى إلى تسويق نفسها عبر قطاعات واسعة من رجال الأمن وتتحايل من أجل امتصاص شرعيّة الوزار ة والاستحواذ على مسؤوليّاتها، ولا يخفى على أحد أنّ النقابات المعنيّة تملك علاقات واسعة ومتشعّبة مع أباطرة المال الفاسد والعديد من الشخصيّات السياسيّة التابعة لمنظومة بن علي ناهيك عن التوأمة التي تجمعها ببعض وسائل الإعلام التي وضعت نفسها جهارا على ذمّة الثورة المضادّة .
أمام تقهقر الداخليّة وانكماش القصبة واستفحال الحذر المرضي لدى المسؤولين السياسيّين لم تنجح النقابات الأمنيّة في إعادة البوليس السياسي "وفي الرواية الرسميّة المسؤولين الأمنيّين" إلى البعثات الدبلوماسيّة فحسب وإنّما نجحت في مضاعفة أعدادهم، فالبعثة التي كان بها عون أصبحا اثنين والسفارة التي كانت تحتوي على اثنين استقبلت ضعفهم، ثم وحتى تتفنّن هذه النقابات في استثمار هذا المشروع وتدعيم رصيدها داخل المؤسّسة الأمنيّة تمكّنت ولأول مرّة من فرض العنصر النسائي لتدعيم طقم البوليس السياسي المتواجد في البعثات الدبلوماسيّة أو حسب الرواية الرسميّة المسؤولين الأمنيّين.
بعض المصادر تحدّثت على أنّ جميع الدول لديها مُلحقين أو مسؤولين أمنيّين في سفاراتها، وإن كانت العديد من الدول تعتمد هذه التقاليد وتعتبرها جدر أمنيّة متقدّمة فإنّ التعميم لا يصح لأنّ العديد من الدول الأخرى ليس لديها مثل هذه الملاحق التي تعتبر ضررها المعنوي أكثر بكثير من عائدات خدماتها، وحتى لا ندخل في مجالات تفصيليّة وحشد المعلومات واستحضار الظروف والملابسات للإثبات أو التفنيد ، نسلم بأنّ مصلحة البلاد تقتضي ذلك بل نذهب إلى أنّه من الضروريّات، لكن لا أحد من الوطنيّين المحبّين لبلادهم يختلف في أنّ جهاز الداخليّة الذي سلّطه حزب الدستور والتجمّع على الشعب التونسي لأكثر من نصف قرن والذي عرف بالقمع والبطش والتعذيب والاغتصاب والتلفيق بل والقتل يمكن أن يتمّ تأهيله بين عشيّة وضحاها.
ثم من قال للسيّد علي العريض والسيّد المنصف المرزوقي والقاضي لطفي بن جدّو أنّه بإمكانهم مراقبة ومتابعة هذه الوفود الأمنيّة التي حطّت رحالها في مختلف سفاراتنا وقنصليّاتنا عبر العالم، ومن يضمن استقرار الخارطة السياسيّة لصالح المناضلين وقوى الثورة والأيادي النظيفة وماذا لو تمكّنت الدولة العميقة مدعومة بشلالات المال ومنصّات الإعلام من السيطرة على منابع القرار وإعطاء الضوء الأخضر لحليمة حتى تعود إلى عادتها القديمة، وماذا لو عادت التقارير ونشطت الجوسسة ووُضعت الجالية تحت المجهر من جديد، وكيف بأبناء تونس في المهجر إذا خرجوا يحتجّون على مسؤول تجمعّي أعادته الدولة العميقة إلى الواجهة فأطلق عليهم ابتسامة تقطر دما وبادرهم "البوليس السياسي رجعاتو الترويكا ما رجعناشو نحن".
وإن كانت الجالية التونسيّة لا تملك التفاصيل الإداريّة وليست على دراية بتقنيات المسألة الأمنيّة والمتطلّبات الفنيّة لمصلحة البلاد العليا فإنّها تعلم علم اليقين أن تسيير بعثات أمنيّة قادمة من رحم إدارة خطيرة مشحونة برغبات التمرّد الجامحة إدارة تأن تحت تجاذبات النفوذ المالي والإعلامي والسياسي يعدّ بمثابة المغامرة البالغة الخطورة، ثم تستقيم الخطورة في ذروتها إذا أخذنا في الحسبان انضمام هذه العناصر إلى منظومة دبلوماسيّة تتأرجح، بالكاد تتلمس طريقها نحو التخلّص من تركة الماضي ، أضف إلى كل ذلك ما يترقّب تونس من جولة حاسمة وفاصلة هي الأخيرة بالنسبة للثورة المضادّة ستلعب فيها كل أوراقها وتحشد ما أمكنها وتنزل بثقلها في معركة عنوانها الكبير "عود على بدء أو نهاية إلى الأبد".
وإن سلمنا بالمبدأ فلن نجانب الصواب إذا قلنا بأنّ توقيت إرسال الأمنيّين إلى مقرّات البعثات الدبلوماسيّة أكثر من سيء بل شنيع، ولا شيء أمرّ على أبناء الجالية خاصّة أولئك الذين نُكل بهم وبأهاليهم من أن يروا هذه المكاتب السيئة السمعة المنتصبة في القنصليّات والسفارات تعود إليها الحياة بعد أن أخلتها الثورة، خاصّة إذا سلّمنا بأنّ التأهيل له سبله ومناهجه وأنّ الوطنيّة لا تنبت هكذا بقرار وإنّما هي سلوك وثقافة تنمو بشروطها.