بعد كشف تنظيم الجماعة الاسلامية يوم 5ديسمبر 1980، وبعد تنظيم مؤتمرها الثاني في مدينة سوسة يومي 9 و10 أفريل 1981، وبعد الإعلان عن الحركة بصفة علنية تحت اسم حركة الاتجاه الإسلامي في 6 جوان 1981، وبعد تقديم طلب للحصول على تاشيرة حزب علني في اليوم نفسه .... ألقى النظام البورقيبي في 18 جويلية (يوليو) 1981 القبض على 107 من قيادات الحركة التنفيذية والشورية وقيادت المناطق، ليقدموا في شهر سبتمبر للمحاكمة بتهم الانتماء إلى جمعية غير مرخص لها والنيل من كرامة رئيس الجمهورية ونشر أنباء كاذبة و توزيع منشورات معادية للنظام ...
صدرت الأحكام في 4 سبتمبر بعد مرافعة دامت 24 ساعة متتالية بحضور 78 محاميا من بينهم كبار المحامين مثل محمد شقرون ومحمد بن للونة و عبد الرحمان الهيلة وبلقاسم خميس وعبد الرحمان الهاني...وحكم على راشد الغنوشي وصالح كركر بالسجن 11 عاما وب10 سنوات سجنا لعبد الفتاح مورو وواجه البقية أحكاما مختلفة...
اجتمع باقي قيادات الحركة الذين حفظهم الله من المجرفة و انتخبوا مجلسا للشورى وقيادة تنفيذية وركزوا مكاتب التنظيم ... كان مجلس الشورى يضم 21 عضوا أصغرهم المشرف على العمل الطلابي هيثم وأوسطهم عمرا عبدالمجيد النجار والمنصف بن سالم وعبده صاحب هذا المقال وأكبرهم سنا الشيخ مبروك الزرن ...
تعرفت على الشيخ مبروك الزرن عن قرب ووجدت فيه صفات أبي في الشدة و الحكمة .... ولد مبروك الزرن يوم 10 ديسمبر 1932 واستشهد يوم 6 ماي 1997 ..... وهو من كبار الشيوخ الذين التحقوا بالحركة بعد محمد صالح النيفر وعبد القادر سلامة .... وكان حافظا للقرآن الكريم وذي خلق وأخلاق عالية وأبا للمجلس...
قاد مجلس الشورى المرحلة بوفاء وإخلاص لله، وتصدر العمل السياسي وفضح ممارسات الاستبداد، مما جعل النظام البورقيبي يتمادى في المحاكمات التي قدرت بـ 25 محاكمة على مستوى الجمهورية بين سنوات 1981 و1984....
انتهت مهمة مجلس الشورى بعد الإفراج عن قيادات الحركة في 3 اوت (أغسطس) 1984، وعقد المؤتمر الثالث في سليمان أيام 25 و26 أوت 1984 في مدجنة بسليمان ... و شهد عام 1985 تحسنا في علاقة الحركة بالحكومة التي لم تتصدى بقوة الأمن لتأسيس الاتحاد العام التونسي للطلبة ...
وفي جويلية (يوليو) 1986 تم الكشف عن كل أدبيات وأرشيف وهياكل حركة الاتجاه الاسلامي من طرف البوليس السياسي وهو الكشف الأكبر والأضخم والأخطر في تاريخ الحركة..
قبلها، في 8 جوان 1986، أقيل محمد مزالي من رئاسة الوزراء، وعوض برشيد صفر، ودق النظام البورقيبي طبول الحرب، وانتدبت وزارة الداخلية العشرات من خريجي الحقوق والآداب من فصيل الوطد لقراءة الوثائق وتبويبها وجدولة أسماء مناضليها استمر 9 اشهر، فالأرشيف المكتشف كبير تم نقله في خمس شاحنات ...
نظمت حركة الاتجاه الاسلامي مؤتمرها الرابع في المنزه في ديسمبر 1986، وفي مارس 1987 بدأت الاعتقالات التي أودت بإلقاء القبض على 000 8 من أعضاء الحركة، وقتل أكثر من 10 من أعضائها تحت التعذيب، وتوجت بمحاكمات أمن الدولة في 27 اوت 1987 لـ 90 شخصا كان من بينهم الشيخ مبروك الزرن ..... وانتهت باحكام قاسية حكم فيها بالمؤبد على راشد الغنوشي و بالإعدام على علي العريض وصالح كركر....
أوقف مبروك الزرن أيام المحرقة البورقيبية سنة 1987 في دهاليز الداخلية بالزنزانة رقم 7... وبدات عمليات السلخ والجلد والضرب والتعذيب والتعليق لكل سكان الزنزانات الذين توقف الزمن عندهم وانقرضت الشمس والسماء الدنيا عن نظرهم، فلم يعد لهم توقيت لصلوات النهار ولا ميقات لصلوات الليل .... وبدأ حلق اللحى في ساحة دهليز الداخلية ... كانت البداية بكهل من تطاوين أخرج جرا وعاد بعد لحظات محلوق اللحية...
وقف الجلاد امام باب الزنزانة، بعد فتحه، أشار بإصبعه إلى مبروك الزرن بالخروج، وأغلق الباب ... انطلق الضرب بالكرباج وعلا الصياح في ساحة الدهليز وضرب الجرس طلبا للمدد من باقي طوابق الداخلية ... يريدون حلق لحية الشيخ مبروك التى التصقت في وجهه قبل الاستقلال و بالضبط سنة 1953 .... برك عليه جلادو الداخلية و جيء بحبل فكتفوه ...اشبعوه لكما وركلا وضربا ...وكانت أكف الساكنين في المكان ترتفع بالدعاء الى الله وعلى المجرمين في باقي الزنانين .... مرت اكثر من ساعة ثم عم الهدوء المكان ...
وأخيرا عاد مبروك غاضبا متوترا محلوق اللحية منهوك القوى لقد حصدوا لحيته و اثخنوه بالجراح ... بعد صمت قليل قال الشيخ المبروك : أنا لم أستسلم ...قاومتهم... وتنازلت بمقابل... لقد ردوا لي ساعتي اليدوية وسنعرف من هنا فصاعدا أوقات صلاتنا ...اللحية في القلب أقوى من اللحية في الوجه.
نقل الشيخ الى السجن المدني 9 افريل، وقضت محكمة أمن الدولة في حقه بحكم خمسة عشر سنة سجنا مع الأشغال الشاقة وعشرة سنوات مراقبة إدارية ....
شهور معدودة بعد الانقلاب على بورقيبة يوم 7 نوفمبر 1987 وتمتع الشيخ مبروك الزرن بالعفو العام ومغادرة السجن .... ليعود الى التنظيم و بناء المشروع ... وهو لا يدري أن المحرقة القادمة سيكون فيها شهيدا بإذن الله ....
انقلب زين العابدين بن علي يوم 7 نوفمبر 1987 على الرئيس الحبيب بورقيبة، واعدا بعهد ديمقراطي جديد وتعددية سياسية واسعة، فأفرج عن قواعد الحركة في دفعات كان آخرها يوم 3 جانفي 1988 . وفي يوم 14 ماي 1988 أفرج عن راشد الغنوشي وبقية القيادات المحاكمة في محكمة أمن الدولة ومنهم مبروك الزرن ....
بداية من سنة 1990 قرر النظام من جهة واحدة الاصطدام مع الحركة فوقع إيقاف جريدة الفجر في ديسمبر 1990، وسحبت رخصة الاتحاد العام التونسي للطلبة في مارس 1991...و شرع نظام الاستبداد في حملة إعلامية مخابراتية جمعت الكذب من أطرافه مدعية تخطيط حركة النهضة لإسقاط طائرة بن علي بصاروخ ستينغر جلب من أفغانستان...
نصب نظام بن علي الاستبدادي في أوت 1992 المحكمة العسكرية لـ 256 عضوا قياديا في الحركة، وتحولت مقرات الامن والحرس الوطني إلى مسالخ تعذيب للإسلاميين، وبلغ مجموع الشهداء من الحركة تحت التعذيب حوالي 60 شهيدا بإذن الله، و فتحت المحاكم لتصدر أحكاما مصدرها توصيات البوليس السياسي ...
ألقي القبض على الشيخ مبروك الزرن وأوقف ببوشوشة وعذب وسحل وعلق ولم يراعي النظام المجرم كبر سنه ولا مرضه بالسكري ....عرف أهله مكان إقامته فجلبوا له دواءه وعلبة سكر حتى يقدم له حراس المشرحة قطعة سكر كلما نزل السكري في الدم. بعد ثلاث أيام شعر الشيخ بالإرهاق والتعب فطلب السكر فاخبروه بنفاذ الكمية، وتأكد من استعمالهم لسكره في قهوتهم .... فكان يعيرهم بسرقة سكره كلما فتحوا باب الزنزانة ....
كان الشيخ الذي هده المرض والشيخوخة يتكأ على عكازه في المشي، فخيرهم بين أن يحملوه على ظهورهم للتحقيق أو يتركوا له عكازه في الزنزانة ... فتركوا له عكازه يستعين بها على المشي الى المرحاض، ويستعين بها على الجلوس اثناء قضاء حاجته، وكان الباب لا يفتح إلا بحضور فريق كامل خشية استعمال العكاز من أحد المعتقلين الاسلاميين .....
قدم الشيخ مبروك الزرن للمحاكمة وكان نصيبه من قرار البوليس السياسي سنة 1991 الحكم عليه بسنة وشهر وأطلق سراحه بانتهاء المدة يوم 28 ديسمبر 1992 ...
لم ينحني الشيخ مبروك الزرن ورفض الاقامة الجبرية والمجيء يوميا لمركز الشرطة، فدوهم منزله مرارا من طرف البوليس السياسي وأمن الدولة ... اتعبوه و أتعبهم ... اقلقوه واقلقهم ...عذبوه وعذبهم ... فأعيد اعتقاله ثانية ليسجن شهر واحد، وأطلق سراحه في 03 جانفي 1994 ...
خرج من السجن فواصل الشيخ مشروع النهضة متحديا البوليس والصبابة والقوادة ....واعتقل للمرة الثالثة وحوكم في خمس قضايا فاقت فيها الاحكام عشرون عاما ....ونقل إلى السجن المدني 9 افريل ..... وتنقل ككل الإسلاميين بين أطراف السجون تعذيبا له ولأهله ..
شاهد الشيخ مبروك الزرن في السجن معاناة الإسلاميين وكمية العذاب التي يتعرضون لها وجبال الأنين التي يحملونها في صدورهم .... وغاضه ما سمعه من صراع وعراك بالخارج في وقت تقتات فيه بعض عائلات المساجين من خبز المزابل .... صلى صلاة الاستخارة وتقدم لإدارة السجن بمبادرة لإنهاء الأزمة بين السلطة والحركة ...رحبت امن الدولة به وطلب منه تنديدا متلفزا ينشر في التلفزة التونسية ومعلومات إضافية عن الخلايا الناشطة بالداخل .... صاح في وجوهمم وضرب بعكازه على الطاولة وتأكد أن القوم ما أرادوا صلحا ولكن أرادوا تمزيق الصف وجمع معلومات بوليسية ليس إلا.... وعاد لاخوته يحثهم على الصبر وتقوى الله ويعدهم بنصر آت لا ريب فيه ...
قاسى الشيخ مبروك الزرن الظلم والعذاب واشتد مرضه فنقل إلى مستشفى شارل نيكول ... كانت أقدامه مشدودة إلى السرير بالسلاسل ...طالب أن تفك عنه القيود أثناء أداء الصلاة...فجوبه بالرفض والتزام تطبيق القانون ... كان يحرسه 4 أعوان من السجن و2 من أمن الدولة.... وكانت تزوره زوجته ولم يلبى طلبها إلا بعد ان تحول المكان الى ساحة صياح وعويل ...كان الشيخ يصلي المغرب والعشاء والفجر بصوت عال مرتفع ثم يلقي درسا للعسس عن الظلم والظلاّم ومصيرهم ...
قاسى الشيخ الظلم والمرض والالم الحاد وقطعت رجله وتحول الألم إلى رجله الثانية وكان قدرا عليه التخدير لتخفيف الألم وإلا علا صياحه ...كان صياحه وأنينه يدمي القلوب وتبكي له الصخور .... وكان يطالب الأعوان بحمله للحمام للوضوء .. فملوا ذالك وسمحت إدارة السجن بأن تقيم معه في غرفة المستشفى ابنته في النهار وزوجته بالليل...
أمضى رئيس القسم بمستشفى شارل نيكول تقريرا يقضي بضرورة تسريح الشيخ فورا فأيامه قد باتت معدودة... لكنه جوبه بالرفض ...
وفي صبيحة يوم 5 ماي 1997 طلعت روح الشيخ مبروك الزرن إلى ربها تشكو ظلم النظام وهي تدافع عن حرية التدين والتنظم وإزالة الإستبداد والظلم، والتبشير بعصر الحرية ...
رحم الله شهيد الاستبداد الشيخ الجليل وحافظ القرآن مبروك الزرن و رزق اهله وأصحابه جميل الصبر والسلوان ....