متميّزون مع وقف التأجيل..
الطاهر العبيدي* من المفارقات التي قد تطرح أسئلة قلقة، أن معظم المتميزين والمبدعين في مجالات وميادين مختلفة على مرّ العصور، وتقريبا في كل الأمصار والأقطار، والذين تركوا بصماتهم في سجلات الحضارة الإنسانية، عانوا الغبن والتجاهل والحصار أثناء حياتهم، ومع ذلك يصمدون رغم مناخات اللامبالاة التي تصفعهم من طرف أقوامهم ومجتمعاتهم المنتسبين إليها، ورغم احتياج البعض منهم ومعاناتهم سواء المادية أو غربتهم في عصورهم، فإنهم يواصلون المرور والتحدي وكأن في داخلهم شحنات من الإيمان واليقين أنهم قد ينصفون يوما ما، أ
- 9 سبتمبر 2009
- مصدر الوثيقة:
- الحوار نت
الطاهر العبيدي*
من المفارقات التي قد تطرح أسئلة قلقة، أن معظم المتميزين والمبدعين في مجالات وميادين مختلفة على مرّ العصور، وتقريبا في كل الأمصار والأقطار، والذين تركوا بصماتهم في سجلات الحضارة الإنسانية، عانوا الغبن والتجاهل والحصار أثناء حياتهم، ومع ذلك يصمدون رغم مناخات اللامبالاة التي تصفعهم من طرف أقوامهم ومجتمعاتهم المنتسبين إليها، ورغم احتياج البعض منهم ومعاناتهم سواء المادية أو غربتهم في عصورهم، فإنهم يواصلون المرور والتحدي وكأن في داخلهم شحنات من الإيمان واليقين أنهم قد ينصفون يوما ما، أو أن التاريخ قد يعانقهم يوما حين تنقشع الغيوم عن الأبصار، وتكون عزائمهم أصلب من الواقع أو العصر الذين عاشوا فيه، وكأنهم متأكدين من صدقية إبداعاتهم، ما يجعلهم لا يعيرون اهتماما للأرضية التي يتحركون عليها، ويستمرّون في الانجاز والفعل، ذلك لأن المبدع المتميّز يستند في ابتكاراته على وعي متقدم ونظرة استشرافية، تجعل منه ذاك الانسان المستيقظ ضدّ واقع السبات، والمنتفض على حاضره المعاش، والمتحصّن بالمستقبل الواعد، دون الرسوب في نفس المكان والزمان، ومن المؤسف أن العديد من الكفاءات والعقول الإنسانية المتميزة لم تلاق في حياتها الرعاية والاهتمام، ومنها من عاش حياة الاضطهاد والغبن والخصاصة والاحتياج والمطاردة، وعانى من التضييق والحبس والتعذيب والنفي والازدراء والإهمال والفقر والحاجة، إلا أن الكثير منهم اكتشفتهم أجيالا أخرى لتعيد لهم الرصيد المعنوي الذين لم يحضوا به وهم أحياء، وهذا المصير لم يكن خاصّا بمجتمعات أخرى دون غيرها، أو بلدان دون غيرها، بل نقرأ عن هذه الظواهر تقريبا في العديد من الأقطار وعبر كل العصور، ومن المآسي أن الإنسانية عادة ما تتفطن لانجازات هؤلاء بعد موتهم وأحيانا بعد قرون، فتتهافت عليهم حفلات التكريم والتخليد والاستذكار، تصل في بعض الأحيان إلى الاعتذار وإعادة الاعتبار، كما وقع على سبيل المثال مع المحاربة الفرنسية " جان دارك " التي وقع حرقها بالتواطىء مع البعض من أهل بلدها، لتكتشف بعد عشرات السنوات، فتصبح رمزا للثورة الفرنسية وعلامة إنسانية مميزة في الكفاح الوطني، وكذلك العالم " جاللي " مكتشف كروية الأرض الذي كفرته الكنيسة، وابن رشد، وابن حنبل، "ومارتن لوثر"، و"فيكتور هيقو"،
" وأبو القاسم الشابي"، و"قي موكي "... وهذه بعض الشواهد على معاناة هؤلاء المتميزون في مجالات وميادين واختصاصات مختلفة، والذين لم تنصفهم مجتمعاتهم وأنصفهم التاريخ بعد مئات السنوات، وظلوا أحياء فوانيس تضيء ليالي الإنسانية، فكم عاشت مع هؤلاء وغيرهم من المتميزين إمبراطوريات مال وجاه، غير أن التاريخ كنسهم مع سبائك ذهبهم، ولم يذكر سوى هؤلاء الذين كانوا في مجتمعاتهم مبدعين مع وقف التأجيل...
موسوعة التميز والحضارة انتباه وجسارة
في اعتقادنا أن موسوعة التميز والحضارة انتبهت إلى هذه النقطة، واختارت أن تفتش عن المبدعين والمتميزين وتسجيل آثارهم وهم أحياء، لا أن تنبش على قبورهم لاستخراج إنتاجهم وهم تحت التراب، لمحاولة تكريمهم والاعتراف بانجازاتهم وبما قدموه كي يعايشوا هذا التكريم الرمزي وهم على قيد الحياة، وهي حركة تدل فيما تدل على وعي متقدم، وانتباه وتفرّد في اصطياد المتفوقين في مجالات متعددّة للتعريف بهم، ونزع اللثام عن إضافاتهم، ليستفيدوا من هذا التكريم قبل أن يغادروا هذا الوجود، وهي فكرة تحمل في طيّاتها بصمات المعرفة الاستباقية، للاكتشاف والبحث والتنقيب عن الطاقات الكونية التي تستفيد منها الإنسانية، وقد اقترنت لفظة التميز بالحضارة ذلك لأن التميز هو ملك للحضارة الإنسانية، وبالتالي فإن اختيار اسم هذه الموسوعة يستبطن الإشعاع الإنساني، ويختزل الحدود الجغرافية، ويعطي انطباعا بأن الحضارة لا يمكن أن تكون ذات جغرافيا إقليمية، بل هي عنوانا من عناوين الإشعاع الإنساني، بعيدا عن التقوقع والمربّعات الضيفة، كما أن التميز ليس خاصيّة لمجتمعات دون غيرها، أو حكرا على جنس أو لون دون آخر، ممّا يجعل التلاحم بين التميّز والحضارة التقاء بين الفعل والإنسان العابر للقارات، والإنسان العابر للجغرافيا والزمان...
موسوعة التميز والحضارة فعل من أجل التقارب
لئن كانت هذه المؤسسة المعتمدة في انجازها على العديد من الطاقات المعرفية، واختيار الكفاءات المتخصّصة في ميادين متعدّدة من أجل الجدوى والفاعلية، ومن أجل رسم سجل تاريخي قد يفيد الأجيال القادمة، أو يسهل عليها عملية البحث والتركيب والتحميض، إلى جانب أن هذه الموسوعة تفطنت إلى أهمية التخاطب الحضاري من خلال تجليات أخرى، تجسّدها الوقائع، معتمدة أن اكتشافات " ابن سينا "،
" وباستور"، " والخوازمي " " وارخميدس "، و"علي جابر " وغيرهم من الكثيرين من المخترعين والمضيفين علماء - مفكرين - مبدعين... اكتشافاتهم هي ملك للإنسانية جمعاء، استفادت منها البشرية دون تمييز أو حضر، أو منع، أو تغييب.. وبالتالي فإنشاء هذه المؤسسة هي نوع من تأسيس لوعي آخر، بعيدا عن التقاتل الحضاري والتناطح الثقافي، وبالتالي فإن هذه الموسوعة تسعى أن تكون جسر عبور لكل المتفوقين المتميزين دون تأشيرة عبور، سوى امتلاكهم لتصاريح تترجم واقعيا انجازاتهم وكفاءاتهم النوعية،
وقد تبدو انطلاق هذه الفكرة فكرة واعية بعصرها ومحيطها، قد تؤسس للانطلاق تجاه التعايش الحضاري بين الثقافات، والمساهمة في تخفيض درجة حرارة الاشتباك التي تسعى بعض أصابع الظل إلى تحريكها في الخفاء في اتجاه التنافر بدل التقارب، وإغراقها في أخاديد التشاحن بدل التحاور..
موسوعة التميّز والحضارة التحدي ضد الانكماش
من خلال المشاهد المتحركة عبر الاختيار والتكريم، تتراءى هذه الموسوعة نافذة مفتوحة على استنطاق الواقع الكالح، وانتصارا على عولمة ثقافة البطون، والانحياز إلى المعرفة والابتكار، من هنا فإن هذه النواة القيمية من حيث سموّ الهدف الإنساني، لا يمكن أن تكون كوّة مفتوحة في فضاء منكمش، بل من المفيد الانطلاق إلى الفضاء الإنساني الرحب، من خلال الولوج إلى مجتمعات أخرى لا تشبهنا لغة ولا معتقدات ولا ثقافة، من أجل ربط جسور التواصل الثقافي وتجسيد المعاني الحضارية، وتوثيق الوعي الإنساني، وتحريك الأذهان الصاحية المؤمنة بالممكن المتاح بين الأمم والشعوب والمشترك الإنساني بين الحضارات، الذي قد يساهم في التعريف بالإنسان الأممي، وتجسيد مبدأ العطاء الإنساني التي تشترك البشرية في انجازه والتعريف به، وبذلك تخفت براكين الصراع وتصمت لغة البنادق، وتختفي حوارات الخوذات والمدافع، لتنتعش قيم التعايش الحضاري والتكامل الثقافي، وتشرق شمس الإنسانية بعيدا عن مظاهر الطبقية والاستنقاص والدونية، والشعوذة السياسية...
* صحفي وكاتب تونسي مقيم بباريس