يعتبر هذا النص البيان الأول الذي صدر عن الجماعة الإسلامية بتونس ( النهضة الآن) موقعا باسم فصيِلها الطلابي : الإتجاه الإسلامي في الحركة الطلابية. صدر هذا البيان متضمنا موقف الحركة من أحداث 26 جانفي ( يناير ) 1978 مباشرة بعد الأحداث في نشرية الإتحاد الإسلامي العالمي للمنظمات الطلابية التي تصدر في الكويت.
ولقد كانت مجلة المعرفة قد علقت على الأحداث بطريقة فيها تحميل للمسؤولية بوجه من الوجوه للنقابيين بخصوص أعمال الشغب. وقد كان لتدخل الفصيل الطلابي ورفضه لتعليق المجلة دور في صياغة هذا البيان "التصحيحي" الذي لم يكن ممكنا نشره في مجلة المعرفة فضلا عن غيرها من الصحف التونسية.
تم تعليق البيان في الكليات التي للاسلاميين فيها تواجد كاف لحمايته من "الهياكل النقابية المؤقتة" التي كانت تسيطر عليها التيارات الماركسية والتي كانت تفرض حصارا على الساحة الطلابية ومنعا لأي اتجاه كان أن يعبر عن رأيه وخاصة الإسلاميين. لم يجد البيان طريقه للنشر في الصحافة التونسية، التي يسيطر عليها الحزب الحاكم، وقد كانت جريدة الرأي المعارضة فقد ظهرت قبيل الأحداث بقليل. لذلك فقد سعت الجماعة لنشر البيان خارج تونس في نشرية الاخبار، لسان حال "الاتحاد الاسلامي العالمي للمنظمات الطلابية" التي تصدر في الكويت، ويديرها المرحوم مصطفى محمد الطحان رئيس الاتحاد.
يذكر الشيخ راشد الغنوشي في أربعينية المرحوم عبد الرؤوف بولعابي، أن البيان تمت صياغته في بيته في سوق البلاط في المدينة العتيقة. وهي إشارة إلى أن البيان في حقيقته بيان الجماعة وليس فصيلها الطلابي، وتم نشره باسم الفصيل الطلابي تجنبا للمساءلة القانونية على الأغلب.
يعتبر البيان تصحيحا للموقف من الاحداث الذي صدر في مجلة المعرفة، الذي كان باجتهاد محرريها وليس موقفا رسميا للجماعة. وهو الموقف الذي تمت مهاجمته من طرف التيارات اليسارية، مما جعل الفصيل الطلابي يضغط على قيادة الجماعة من أجل إصدار بيان يصحح الموقف غير الرسمي للجمعة الذي صدر في مجلة المعرفة، خاصة وأن الفصيل الطلابي كان قد دخل بقوة منذ مفتتح السنة الجامعية 77-78 في خطة الإعلان عن نفسه واقتحام ساحة العمل السياسي والنقابي، رافعا شعار: نريد الحرية في الجامعة كما نريدها في البلاد". وكانت بداية تنفيذ الخطة من خلال اول تحرك منظم لفرض الحق في التعبير في كلية العلوم في 26 ديسمبر 1977، وأدى الى مواجهات دامية بين الإسلاميين والفصائل اليسارية خاصة في كلية العلوم بتونس وكلية العلوم بصفاقس حديثة التكوين.
يكشف البيان عن مستوى الوعي السياسي للجماعة انذاك، بدءا من لغته والمصطلحات المستعملة فيه، الى المؤثرات الفكرية والسياسية، وطبيعة العلاقة مع الآخر، وخاصة النظام والتيارات الماركسية التي يعكسها مضمونه. كما يؤشر أيضا الى بداية تحول في تصنيف المنافسين والخصوم والقاعدة التي يرتكز عليها، حيث نرى العامل السياسي يدخل الى جانب العامل العقائدي الذي كان مهيمنا حتى ذلك الحين.
ينتصر البيان للاتحاد العام التونسي للشغل انتصارا واضحا، ويلمز من قناة للتيارات الماركسية التي قد تكون وراء احداث وتحركات فوضوية، لا تقبلها الجماعة تمت تحت ستار الاتحاد.
يدين البيان النظام والحزب الحاكم ادانة كاملة، ويحمل سياسته منذ الاستقلال كل ما آلت اليه الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والتربوية والثقافية.
يدين بشكل لافت الاستنجاد بالجيش ويوده إليه إصبع الإدانة بإقدامه على إطلاق الرصاص على المتظاهرين وقد بلغ عدد الضحيا بحسب البيان 400 شهيد، ويدعو لعودته الى ثكناته، ويحذر من استمرار تدخله في الحياة السياسية. وربما عكس هذا الموقف توجس الاسلاميين من "الأنظمة العسكرية" التي كانت أكثر الأنظمة عدائية تجاه الحركة الاسلامية.
ويختم البيان بالدعوة للحوار بين كل الاطراف بدون اقصاء وهي الدعوة التي ظلت ثابتا في الخطاب السياسي للحركة منذ ذلك الوقت لم تزدها الأيام إلا رسوخا.
يحتاج البيان قراءة موسعة وأكثر عمقا قد نعود لها في مناسبة أخرى، وهو بيان يمثل اول استجابة لتحدي الصدمة التي سببتها الاحداث في وعي الجماعة، وانفتحت به على تطور متسارع في بنيتها الفكرية زادته الاحداث المتتالية على الصعيد الوطني والعالمي تطورا وتعمقا.
تنويه: كنت نشرت في وقت سابق هذا البيان منقولا عن أحد مواقع الحركة ولكن تبين لي بوجود الوثيقة المصاحبة أنه وقع التصرف تصرفا يسيرا إثر نقل البيان في مضمونه. لذلك حذفت ذلك النص من المدونة وأثبت هنا الوثيقة كما في الأصل.