حملة تشويه واعتقالات وتعذيب:
انطلقت حملة الاعتقالات في 18 جويلية (يوليو) 1981، وانعقدت أول جلسات المحاكمة في 27 أوت (أغسطس)، بعد استنطاق وإيقاف تحفظي تجاوز الأسبوعين، وممارسة التعذيب الوحشي على البعض، ووسط إخلالات إجرائية كثيرة.
أصدرت المحكمة أحكامها الابتدائية في 4 سبتمبر وبعد شهر صدرت الأحكام الاستئنافية.
وقد بدأت الحملة على الحركة بتصريحات معادية من الوزير الأول المرحوم محمد مزالي منذ أواخر جوان (يونيو)، وتصاعدت بعد الاعتقالات على أعمدة صحافة الحزب الحاكم وفي الإذاعة والتلفزيون، التي كانت تغطي الاجتماعات الحزبية والحكومية التي عقدت للغرض، والتي قادها وزير الداخلية إدريس قيقة.
وأذكر أنني ذهبت مع الوالدة لزيارة عائلة تعرفها في إحدى القرى المجاورة، وكان رجال البيت منخرطين في حزب الدستور، وربما يتولون فيه مناصب قيادية، فوجدت في البيت الذي قضينا فيه القيلولة مجموعة من الأوراق، فتصفحتها، فإذا هي نشرية داخلية لحزب الدستور، وجدت في افتتاحيتها مقالا كتبه الوزير الأول محمد مزالي، وكان مخصصا لتشويه الحركة والتنديد بها، وقد علق في ذهني قوله: " هؤلاء الأزارقة الذين ابتلينا بهم"، ومعلوم أن الأزارقة إحدى فرق الخوارج.
كان الإعلام عموما في قبضة الحاكم، كانت الحملة شديدة في الراديو والتلفزيون وفي صحافة الحزب والصحف التي كانت ظلا لها.
وقد كانت جريدة الصباح اليومية، تتصرف وفق تقاليد قديمة لها من حيث التعامل مع المحاكمات السياسية، حيث أنها وإن كانت تغطي حملات الحزب والدولة، إلا أنها تجتهد في تقديم وجهة نظر ولو جزئية للطرف المُحَاكَم، وتبتعد قدر الإمكان عن مجاراة صحافة الحزب في الوصم والتشويه. وأذكر أنه في حين استعملت جريدة العمل اليومية وصف "الخوانجية" و "المتطرفين" و" المتسترين بالدين" و" الخمينيين"، كانت الصباح تستعمل اسم الحركة "الاتجاه الإسلامي"، وخاصة في نقل وقائع المحاكمة. إلا أنها عند إصدار أحكام الاستئناف، وكان قد سبقها لقاء بورقيبة مع مديري الصحف، التحقت بصحافة الحزب ووصف الحركة بـ "الخوانجية".
الصحافة الحرة المستقلة تفسد على النظام خطته في الاستفراد بالحركة:
وكان النظام قد عاقب جريدة الرأي الأسبوعية بستة أشهر إيقاف عن الصدور منذ 25 مارس، ولم ترجع للإصدار إلا في يوم 25 سبتمبر، وقد قامت بدور مشهود وإيجابي في تغطية القضية، ومتابعة مجرياتها، وتقديم وجهات نظر الأحزاب والمنظمات الحقوقية، ووجهة نظر الاتجاه الإسلامي.
ولم تتخلف مجلة المغرب العربي التي واكبت الحدث منذ انطلاقته، أي منذ الندوة الصحفية للإعلان عن الحركة. وما تميزت به المغرب العربي، هو أنها كانت مساحة لتقديم وجهات النظر المختلفة، وراعت تقديم وجهة نظر النخبة التونسية خاصة، بالنظر إلى أن قراءها هم من النخبة، بحكم أنها تصدر في ذلك الوقت باللغة الفرنسية. وهذا ما جعلها تستعمل أحيانا بعض المصطلحات مثل "المتطرفين"، التي هي أقرب للوصم منها للتوصيف الموضوعي أو المحايد.
أما خارج تونس فقد لعبت مجلة المجتمع الكويتية الأسبوعية، دورا مهما في تغطية الحملة على الاتجاه الإسلامي، وإليها يرجع الفضل في تقديم الحركة للعالم الإسلامي، من خلال الحوار الشهير الذي أجرته مع الشيخ راشد الغنوشي قبيل اعتقاله بشهر تقريبا. ذلك الحوار الذي عمق الأفكار التي كان عبر عنها في الندوة الصحفية للإعلان عن الحركة.
وكمجلة إسلامية، اهتمت بتغطية الحملة من الزاوية الإسلامية الاخوانية، سواء في فهم الواقع التونسي، أو في تفسير حملة النظام على الحركة، ولكنها في نفس الوقت، ساهمت في تقديم الحركة لنفسها من خلال عرض أفكارها ورؤاها، التي كانت تعتبر جديدة على ساحة العمل الإسلامي الإخواني والإسلامي عموما.
لقد نزلت الأحكام ثقيلة على الحركة، سواء من خلال حجم العقوبة، أو من حيث إفراغ ساحة الحركة والبلاد من رموز الحركة الكبار سواء مركزيا أو جهويا،
وساهم الحزب الحاكم وأجهزة الدولة القمعية في إشاعة مناخ من الخوف والرعب، خاصة مع ملاحقات الفارين،
وازداد المناخ قتامة بإصدار المنشور 108 الذي يحضر اللباس "الإسلامي" الذي سماه "الزي الطائفي"، الذي تم تطبيقه بصرامة في المعاهد الثانوية.
وأذكر أن القيّم العام لمعهد قبلي الذي أدرس فيه، تلقاني ذات صباح من أواخر سبتمبر ليقول لي بشيء من الأسى، أنه قد صدر منشور يحظر ارتداء "الحجاب"، وأنه ليس له حيلة إلا تطبيقه، محاولا بذلك تبرير ما سيقوم به مكرها.
صمود الحركة رغم شراسة المعركة:
تلقى أعضاء الحركة الحملة وأنصارها الحملة والأحكام بألم كبير، ولكن أيضا بثقة كبيرة في الله، فهم مشبعون بقيم الجهاد والابتلاء والصبر التي كانت الزاد الذي تلقوه في حلقاتهم التربوية ودروسهم المسجدية ومكتباتهم المؤثثة بأدبيات الإخوان المسلمين التي كانت تركز على تلك المعاني من خلال سردية المواجهة الشرسة مع نظام عبد الناصر.
وقد انعكس ذلك على رد فعل الحركة، الذي تجاوز لحظة الصدمة، لينطلق في مواصلة النضال، برغم انطلاق ما صار يعرف مع بن علي بخطة تجفيف المنابع. حيث تم التصدي بقوة للدروس والأنشطة المسجدية، كما تم الدخول في خطة غلق المبيتات في الثانويات، وإنشاء المدارس الثانوية في المعتمديات، حتى تتقلص الحاجة للمبيتات التي كانت توفر مناخا جيدا للدعوة والنشاط التنظيمي والسياسي.
ولئن لعبت تلك الخطط دورا فعليا في التضييق على العمل السياسي والإسلامي، إلا أن الأجيال التي واكبت ما قبل التضييق، كانت قد أفلتت من قبضة النظام، وهي التي غذت الحركة بذلك الجيل النضالي الذي قاد الملاحم السياسية فيما بعد.
لم توقف الحملة الحركة عن التقدم، ولم يفلح سجن العشرات من قيادة الحركة وفرار آخرين خارج البلد في إحداث فراغ قيادي، فقد كان خزان الحركة النفسي والبشري قادرا على ملء الفراغات ومواجهة التحديات، لا بل إن ما حصل كان حافزا للحركة على طرح مشروع الأولويات في أقل من سنة، ذلك المشروع الذي شكل إشراقة وعي في التعامل مع المحن، ومحاولة متقدمة في دنيا الإسلاميين لجعل المحن منحا بإرادة واعية ورؤى مستقبلية، رغم أنه للأسف لم يجد المناخ المناسب كي يُنجَز كما خطط له.
ورغم الحملة وضراوتها وضربها في العمق للقيادة الطلابية، إلا أن الإتجاه الإسلامي في الحركة الطلابية استطاع أن يجعل من سنة 1982 سنة الانتصار الساحق على فلول اليسار الإقصائي الاستئصالي في الجامعة وخاصة تيار الوطد، فكانت مجزرة منوبة خاتمة النهاية لهم في الجامعة بممارسة العنف الثوري الذي تبنوه في التعامل مع الاتجاه الإسلامي، لتشهد الجامعة بعد ذلك أزهى مراحل حريتها السياسية، حيث كانت منصة اجتماعات وتجمعات الاتجاه الإسلامي هي المنصة التي توفر لكافة الأطراف السياسية تقديم مواقفها بحرية، بما فيها تلك الاتجاهات التي تعتلي المنصة لتسب وليس لتناقش الاتجاه الإسلامي.
التوثيق لحفظ الذاكرة واستلهام العبر
ولتوثيق التغطية الصحفية للحملة أعددنا الملف المرفق (88 صفحة) الذي يحتوي على التغطية الصحفية للجرائد والمجلات التالية:
- جريدتا الصباح والعمل.
- جريدة الرأي
- مجلة المغرب العربي
- مجلة المجتمع الكويتية
والملف يتجاوز التغطية الحدثية للحملة، ويكشف عن المناخ السياسي والإعلامي السائد في ذلك الوقت، وأيضا الرؤى والأفكار السياسية، وتموقع الفاعلين السياسيين على الساحة، ودرجة النضج السياسي في تونس في ذلك الوقت، الذي لا يقارن بما انحدر إليه اليوم للأسف.
كما يكشف الملف مواقف حركة النهضة، وبواكير فكرها وخطابها السياسي الذي شهد انعطافته الكبرى مع الندوة الصحفية للإعلان عن الحركة وحوار مجلة المجتمع مع الشيخ راشد الغنوشي وتواصل مع بيانات الحركة الرسمية في المناسبات المختلفة.