الوثيقة التاريخية التي بين أيدينا، هي عبارة عن ملف صدر في جريدة الرأي في العدد رقم 3 بتاريخ 12 جانفي (يناير) 1978 حول أحداث العنف التي جدت بالمركب الجامعي في الأسبوع الأخير من سنة 1977، وتعقيب على الملف نُشر في العدد 5 بتاريخ 26 جانفي (يناير) 1978. وفي الملف حواران أجرتهما الرأي مع ممثل الهياكل النقابية المؤقتة (الوطد) وممثل الإتجاه الإسلامي ( الذي سماه مجري الحوار "موقف من يسمون بالإخوان المسلمون"). وهو حوار يكشف لأول مرة طبيعة الصراع بين الطرفين وحيثياته، ويعكس المنطلقات التي ينطلق منها الطرفين، كما يكشف عن ولادة السرديات التي أسست للمخيال الجماعي لليسار حول الإسلاميين.
إنها وثيقة مهمة عكست من زاوية أخرى ولادة التيار الديمقراطي الليبرالي الذي احتضن الطرفين، وحاول تحويل الصراع بينهما من صراع عنيف إلى صراع أفكار يقبل بالآخر ويرفض الإقصاء، وهي المسيرة التي خاضتها تجربة الرأي باقتدار نحسدهم عليه اليوم، في زمن الانتكاسة وعودة خطاب التخوين والضيق بالآخر وعدم الصبر على الإختلاف.
لا شك أن الحوارين يحتاجان إلى تحليل موسع ربما نعود إليه مرة أخرى. وسأكتفي الآن بهذا المدخل العام لتأطير الموضوع خاصة من زاوية التحولات الفكرية والسياسية للجماعة الإسلامية سلف النهضة الحالية.
تحولات داخل الجماعة الإسلامية (النهضة):
تمثل سنة 1977 سنة المنعرج في التوجه السياسي والفكري لحركة النهضة، ورغم أن سنة 1976 قد شهدت إرساء الخيار التنظيمي في التربية والتكوين والعلاقة مع الحركات الإسلامية، إلا أن التوجه الفكري والسياسي لم يصحبه بنفس الاتجاه. يعود ذلك إلى انطلاق بوادر النقد للمدرسة الإخوانية من طرف احميدة النيفر أساسا ثم تبعه في ذلك صلاح الدين الجورشي ثم الأقربون في منطقة العاصمة، كما يعود ذلك أيضا إلى تنامي الحضور الطلابي الإسلامي، وانتقال الجناح الطلابي إلى منطقة تنظيمية مستقلة عن المناطق الترابية ولا سيما منطقة العاصمة. وقد أدى تنامي الاحتكاك مع التيار اليساري على مستوى الصراع الفكري والسياسي النقابي، ورد الفعل على الممارسات العنيفة التي كان اليسار يمارسها ضد الإسلاميين إلى دخول الجناح الطلابي في توجه جديد طال الخلفيات الفكرية والسياسية والبناء التنظيمي والتربوي ووسائل العمل الميداني. وقد لاقى كل ذلك دعما من قيادة الجماعة حيث كان عامل الجامعة ( مشرف الجامعة) عضوا في المكتب التنفيذي للجماعة.
وكما كان تنامي حضور الإسلاميين في الجامعة مستفزا للقوى التي كانت تحكم قبضتها على الجامعة، كان تنامي حضور الحركة على المستوى الشعبي وخاصة في المساجد والمعاهد مستفزا للحزب الحاكم الذي لم يتعود وجود منافس ميداني له، فأطلق الحزب حملة إعلامية ضد الجماعة، وارتفعت وتيرة المضايقات الأمنية لرموزها، وبدأت الإيقافات تأخذ طابعا متناميا من حيث الكم ومن حيث الاستفزاز المعنوي.
في هذا المناخ تمت إجازة خطة عمل الجماعة الثانية بعد خطة العمل الأولى التي تم إجازتها سنة 1975. وقد عكست خطة عمل الحركة لسنة 1977 التحولات المشار إليها سابقا، وأهمها كان التحول في القاعدة التي على أساسها يتم تصنيف الخصوم، حيث كان التصنيف من قبل يعتمد الأساس العقائدي، يلخصها ذلك النشيد الذي كان يترنم به في احتفالات المناسبات الدينية والإجتماعية وفي المخيمات والملتقيات:
لسنا عبيدا لأحد ### إلا لمولانا الصمد
إلى أن يقول:
المسلمون كلهم ### إخواننا إخواننا
والكافرون كلهم ### أعداؤنا أعداؤنا
انتقل التصنيف في خطة 1977 إلى اعتبار العامل السياسي هو الأساس، واعتبار الموقف من الحرية فكرا وممارسة هو الذي يحتل المرتبة الأولى في التعامل مع الخصوم. ومن هنا احتل الموقف من النظام المرتبة الأولى باعتباره "عدوا" للحرية، كما احتل اليسار الماركسي الذي استولى على الهياكل النقابية المؤقتة وفرض وصايته على الجامعة المرتبة الأولى باعتباره هو أيضا "عدو" الحرية.
ذلك التحول ارتبط بتقدير أن الجماعة كانت تعيش غربة في مجتمعها، بتأثير الفكر الذي تربت عليه. وكان هذا التقدير دافعا لأن تغير الجماعة خطتها نحو الانفتاح على مجتمعها، لأن ذلك هو سبيل معرفته ولأنه لا قدرة لك على منافسة خصمك بدون التعرف العميق عليه.
يذكر عبد العزيز التميمي وقد كان عضوا بمجلس الجامعة ممثلا لكلية الحقوق في السنة الجامعية 1977/ 1978، أن عامل الجامعة أحمد جاب الله قد ألح عليهم أن يكون جهدهم منصبا لمعرفة فكر خصومهم (اليسار بصفة عامة وخاصة الوطد) معرفة تفوق معرفتهم هم له، بل وأكد لهم في أحد المرات أنه يعرف أن ذلك قد يجعل بعضنا يسقط في أيديهم، ولكن لا مفر من دفع تلك الضريبة، كما لعب أحمد الأحول نائب عامل الجامعة دورا كبيرا في هذا المضمار.
لعب ذلك الانفتاح دورا كبيرا في تشبع الجناح السياسي النقابي في الطلبة الإسلاميين بأفكار اليسار ونظرياتهم الفلسفية، وفي التعرف الدقيق على فرقهم وشيعهم في العالم وفي تونس ومرجعيات كل جناح وفصيل، ونظرياتهم في العمل، ورؤاهم السياسية، وخبرتهم في التخطيط والتنظيم، وفي التكتيك والاستراتيجية. وتمكنوا من الحصول على وثائقهم السرية، واستفادوا كثيرا من الذين تحولوا من الماركسية للإسلام.
وقد وجد الجناح الطلابي دعما من قيادة الحركة وخاصة من الشيخ راشد والشيخ عبد الفتاح، وعزز برموزهم شيئا فشيئا القيادة المركزية للحركة، وعوض بهم شيئا فشيئا الفراغ الذي تركه خروج احميدة ومجموعته، ليس فقط كأفراد وإنما أيضا كأفكار وتطلعا للتغيير الفكري والسياسي تحت سقف الجماعة، وهو الخيار الذي كان ينتهجه الشيخ راشد. بل إن التحول التنظيمي الإداري والهيكلي قد ولد مع ذلك الجيل الثاني من القيادات الطلابية، حيث كان قبل ذلك محدودا وبسيطا في جميع مناحيه.
اليسار الطلابي وولادة الوطد:
على الجبهة المقابلة شهدت سنتا 1976 و 1977 نشأة تيار الوطنيين الديمقراطيين، على وقع التصدعات العالمية في التيار الماركسي اللينيني، التي توسعت مع التحول الذي شهدته الصين باختيارها نهج "التفاوض" مع "الإمبريالية" عوضا عن "القطيعة". وقد تزعم أنور خوجا هذا التيار على مستوى العالم وقطع علاقته بالصين، وأعلن نفسه وحزبه وألبانيا بلد الخط الماركسي اللينيني الصحيح. وهكذا ولد الوطد في أحضان الخط الخوجي الألباني، واستقى منه كل رؤيته، وسار على خطه في كل ما سار فيه، ومن ذلك فكر القطيعة مع الآخر معنويا كان أم ماديا، وهو ما تجلى في تجربة أنور خوجا وحزبه في البانيا، القطيعة مع الدين، القطيعة مع من يختلف معه في الداخل والخارج، وتقديم الوطنية على الديمقراطية تشريعا لتصفية الآخر واستئصاله من الوجود. ومن يقرأ أدبيات أنور خوجا وحزبه يجد ذلك ماثلا في كل أفكاره وسياساته وخياراته التي انعكست على دورات "التصفية" داخل الحزب التي لم تبق من رفاقه الذي أنشأوا معه الحزب أحدا. وظني أن تطرف الوطد هو الذي سهل اختراقه مبكرا من طرف أجهزة الدولة، واستعماله في حربها ضد الإسلاميين وحركة النهضة أساسا.
من هنا يمكن أن نفهم ذلك الموقف الموغل في التطرف والعداء للوطد من النهضة، فالجناح الطلابي هو الذي أفسد عليه سيادته على الجامعة بعد أن توقع أنه قد أقصى أعداءه من الماركسيين، كما أقصى الدساترة، فإذا به يجد الإتجاه الإسلامي يتنامى ويصعد بل ويقرر كسر الحصار وفرض الحرية ليس له فقط بل ولبقية التيارات السياسية. لم تفلح محاولات الوطد وعدم استنكافه عن استعمال وسائل العنف وحملاته الدعائية التشويهية، وافتك الإسلاميون الساحة، بصمودهم، وبرد فعلهم على عنف الوطد، وتحولت كل حوادث عنفهم إلى رصيد يضاف إلى نصيب الإتجاه الإسلامي، وكان خاتمة ذلك "مجزرة منوبة" التي أنهت التطرف الماركسي اللينيني في الجامعة من حيث أرادوها مقبرة للإتجاه الإسلامي.
تلك الجذور هي التي تفسر لماذا تورط الوطد في أن يكون وظيفيا ينفذ خطة بن علي في خطته لاستئصال حركة النهضة، لا بل إن الغالب أن الوطد هو الذي قدم تلك الخطة وعبر عن استعداده لتنفيذها. فبين العداء الإيديولوجي العميق والإختراق الذي لا يقل عمقا لأجهزة الدولة فيه كان الوطد قد نفذ ولا زال ينفذ مهمته القذرة ليس في حق النهضة وإنما في حق تونس بأكملها.
وفي حين يعترف الإسلاميون وعلى رأسهم الشيخ راشد بما استفادوه من اليسار وبما تعلموه منه، فإن الحقد الأعمى ومنبت السوء لم يسعف الوطد كتيار بأن يلمح وجها من الحقيقة في صراع مع أخ وإن كان لدودا، أو أن يستخلص دروسا من تجربته اللاوطنية بل واللإنسانية في الإقصاء وإلغاء الآخر. لم تعلمه هزيمته ولم تعلمه الثورة وواصل غيه بمساندته للإنقلاب على الثورة.
بقي أن أشير أخيرا إلى أن هذا الحكم إنما ينطبق على الوطد كتيار ولا ينطبق بالضرورة على أفراده، ذلك أنهم كغيرهم بشر، وإن كانوا يخضعون لسطوة الجماعة (التنظيم) إلا أنه لا يعني أن الجميع متساوون في الالتزام ولا أيضا خارجون عن سنن التغير والمراجعة والاستدراك التي تحصل للناس في حياتهم.