حـول تعريـب لغـة العلـوم والتقنيـة
مقال في تعريب لغة العلوم والتقنية وما يعترض جهود التعريب من هنات في الاصطلاح والنحت.
- 25 أكتوبر 2002
- مصدر الوثيقة:
- بنعيسى الدمني
لقد كان لتقدم العلوم الحديثة والمعاصرة، وما نتج عن ذلك من تطبيقات عديدة ومتنوعة أثر لساني مهم، فضلا عن الآثار الجمة في مجالات الثقافة والاجتماع والاقتصاد والسياسة. فقد فعل الكم الهائل من المعارف العلمية والآلات التقنية المستحدثة فعل الدافع الإبداعي في إغناء اللغة وتطويرها، وكان ذلك على مستويين اثنين:
1- مستوى التأسيس اللغوي:
يتعلق المستوى الأول بفعل التـأسيس الاصطلاحي، وهو يختص بالألسن، التي كان الاكتشاف العلمي، أو الاختراع التقني، صنيع علماء من أهلها، وإذن فإن كل نتاج علمي أو تقني جديد هو مولد لمستلزم لغوي في لسان العلماء، الذين أنتجوه ابتداء، وبذلك يكون الابتكار في هذا المستوى مضاعفا علميا ولغويا في آن، ذلك أن الآلة الجديدة مثلا هي ذات وظائف تطبيقيـة واستتباعات متنوعة على حياة الإنسان المادية والقيمية، وهي بالإضافة إلى ذلك ذات بعد لغوي، فهي مدلول يقتضي بالضرورة دالا يتعلق به.
إن هذا العمل الذي يتمثل في إطلاق الأسماء على المسميات العلمية والتقنية المستحدثة يكون الاضطلاع به ضمن الألسن، التي ينهض أهلها بالعلوم، وينتجون تقدمها، ويكون لهم قصب السبق في ابتكار تطبيقاتها، بحكم ما يتوفر لهم من شروط حضارية عامة تؤهلهم لكل ذلك.
وقد اضطلع أهل اللسان العربي بذلك العمل أيام كانت الثقافة العربية الإسلامية منتجة للمعرفة العلمية وتوابعها في العصر الوسيط. وهاهي الألسن الغربية تضطلع بذات العمل منذ بدايات العصر الحديث. وليس خافيا أن الابتكار في هذا المجال لا تكاد تعترضه عوائق تذكر، عدا تلك التي تفرض أن يكون الاسم المستحدث معبرا عن حقيقة المسمى وعن وظيفته من الناحية الدلالية، وأن يكون منضبطا لقواعد اللسان اللغوية من الناحية العلمية.
ومحصلة القول إن هذا المستوى اللغوي هو مستوى تأسيسي، يتم في مجال بكر، فهو يتأدى تبعا لذلك في كنف أريحية نسبية، غالبا ما تحميه من الوقوع في الهنات وفي الأغلاط المخلة، وهو بالإضافة إلى ذلك يحدد المعالم الموجهة لبقية الألسن عند عكوفها على التزود بما تحتاجه من اصطلاحات، تعبر بها عن المبتكرات العلمية أو التقنية.
2- مستوى المواكبة اللغوية:
أما المستوى الثاني الذي يتأدى إليه فعل الإغناء اللغوي، بدافع من تقدم المعارف العلمية والمنجزات التقنية، فهو مستوى اللحاق أو المواكبة، وهو يختص بالألسن، التي ليس لأهلها باع يذكر في مجال الكشوف والاختراعات، بل تجدهم يحتلون منزلة المواكب لكل ذلك، والمستهلك لما أمكن منه في سياق ما صار يعرف بـاللحاق بركب التقدم، أو الخروج من التخلف، عن مكاسب الحياة المعاصرة وقيمها، على أن هذه المنزلة تستلزم زادا لغويا، يجعل عمليات العلم والتعليم والتعامل ممكنة وميسورة.
ولا مناص ـ والحالة هذه ـ من أن تضطلع الترجمة بوظيفة أساسية في هذا المضمار ضرورة. إن لسانيي أوطان الإنتاج العلمي قد سبقوا إلى وضع الأسماء الدالة على المسميات العلمية والتقنية، التي استحدثها مواطنوهم، ولم يبق للمنتسبين إلى الأوطان والثقافات غير المنتجة علميا إلا ترجمة معاني تلك الأسماء إلى ألسنتهم.
وخلافا لها قد يخيل لبادي الرأي من سهولة عمل الترجمة في هذا المستوى، فإن الأمر في حقيقته أكثر تعقدا من ذلك، فلئن كان وضع الألفاظ الدالة على المخترعات بصورة تأسيسية في اللسان السابق، منضبطا لمعيارين اثنين أحدهما دلالي، والآخر إعلامي على نحو ما سبق بيان ذلك، فإن ترجمة تلك الألفاظ إلى ألسنة أخرى لاحقة يستوجب، بالإضافة إلى ما ذكر، التزاما دقيقا، بمعنى اللفظ الموضوع تأسيسا في اللسان المترجم عنه، فضلا عن الدراية، وإن بشكل محدود، بحقيقة المخترع المراد تسميته، وبوظائفه العلمية والتقنية، تسديدا للترجمة. وبالتالي فإن هذا العمل هو في صميمه عمل معجمي، ينبغي أن ينهض به أهل الذكر، وإن تتعاضد فيه جهود اللسانيين والعلماء في الآن معا.
هنات في جهود التعريب
ولئن خطا اللسان العربي خطوات غير قليلة على هذا الدرب، فتكون له رصيد معجمي محترم، كان له الأثر المحمود في النهوض بحركة تعريب العلوم، وتوطين التكنولوجيا، فإن ذلك لا يمنع من لفت الانتباه إلى أن جهود الترجمة قد ظلت في هذا المجال مشتتة غير منسقة، وأحيانا فردية غير مجمعة، فانجر عن ذلك نقيصتان نروم إلقاء بعض الضوء عليهما، عسى أن يكون في ذلك ما يدعو إلى الحيلولة دون استمرارهما وتفاقم آثارهما السيئة.
عدم توحد الاصطلاح
تتمثل النقيصة الأولى في عدم توحد الاصطلاح: فكثيرا ما تتعدد الأسماء باختلاف المجامع، التي اصطلحت عليها، أو الأفراد، الذين اجتهدوا في ترجمتها، وليس هذا بالأمر المريح، إن من المنظور المعرفي، أو من الناحية النفسانية، ذلك أن العلوم خلافا لمجالات الإبداع والمعرفة الأخرى كالآداب والإنسانيات، تتسم نتائجها بالكلي، ومقتضى ذلك أن تكون ذات حقيقية واحدة لدى جميع الناس، وليس مما يتساوق مع ذلك أن تند لغة الضاد عن هذا الميسم، فتجنح إلى وضع فيض من الأسماء، كلما تعلق الأمر بتسمية أحد المستحدثات العلمية أو التقنية، على نحو ما يكون الأمر جائزا في لغة الأدب مثلا، حيث لا مشاحة في الأسماء ولا حد للمحسنات البديعية.
ودون سعي منا إلى المطالبة بلزوم ما لا يلزم، كأن تكون المصطلحات العربية ذات استعمال ودلالة كونيين مثلا، نرى من المفيد أن تنسق جهود الترجمة حتى تكون الحقيقة العلمية الواحدة أو الآلة التقنية الواحدة معبرا عنها بمصطلح عربي واحد، يعتمد مشرقا ومغربا، ولا يتأثر بنزوع المترجمين، ولا سيما المجامع اللغوية إلى التمسك باستقلال في الشخصية، نحسب أن لا طائل من ورائه في هذا المضمار.
إن وضع التشتت هذا يجعل مجال الاختيار واسعا أمام مستعملي اللغة، لكن اختيار المرء لفظا ما بغاية التعبير عن معطى علمي أو تقني ما قد يستند إلى اعتبارات لا علاقة لها بالمعايير اللسانية، نظرا إلى تأثرها بولاءات لهذا المجمع أو لذاك، فتغدو بعض التسميات منسوبة إلى أقطار بعينها أو إلى جهات بعينها، كأن تكون هذه التسمية من اختصاص المشارقة، وتلك من اختصاص المغاربة، وما إلى ذلك من تصنيفات وتشيعات وهمية مفرقة.
القصور والجنوح إلى النحت
أما النقيصة الثانية المتعلقة بجهود التعريب في مجال العلوم والتقنية، فهي القصور، والجنوح إلى النحت، نتيجة عدم بذل الوسع بالسرعة المطلوبة، من أجل وضع مصطلحات عربية مناسبة، بخاصة إذا ما تعلق الأمر بإرادة الدلالة على بعض المخترعات التقنية الجديدة.
ولعل أكثر الأمثلة تعبيرا عن هذه النقيصة هو ذاك المتعلق بلفظة تيليفزيون الدالة على ذلك الجهاز المعلوم من العصر بالضرورة، فلقد أبقت لغة الضاد على الصيغة اللغوية والصوتية الفرنسية ذات الأصل اللاتيني لتلك اللفظة، واكتفت بكتابتها بأحرف عربية، وبغاية التخفيف من وقعها الأجنبي لجأ بعضهم إلى طريق النحت، فوضع لفظة تلفاز، ولم تجد بعض محاولات الترجمة الأخرى المستندة إلى معنى المصطلح الأجنبي، وإلى وظيفة الآلة المقصودة طريقها إلى الاستعمال الرائج، إذ لا تكاد لفظة خيالة مثلا تستعمل إلا في أحد الأقطار العربية .
أما لفظة مرناة المشتقة على اسم الآلة مفعلة من رنا يرنو كمحاولة للترجمة بالاستناد إلى فعل النظر، الذي يربط الإنسان بالجهاز المراد تسميته، فإننا لا نكاد نعثر لها على أثر خارج صفحات بعض المعاجم.
إن حالة القصور هذه ليست أصيلة في الأذهان بل هي ناجمة عن تقصير وتباطئ في المواكبة، فهي قد حصلت في ظرف غزا فيه التيليفزيون المكان والزمان العربيين، فدخل كل البيوت تقريبا، وعاشر الناس، فشغلهم وصاغ ضمائرهم وعقلياتهم في سنين قلائل، وبإيقاع متسارع. وما كان يجوز لأهل الذكر في اللسان العربي والحالة هذه أن يتأخروا في وضع التسمية المناسبة والضامنة للرواج، قصد التعبير عن نتاج تقني على هذه الدرجة من الانتشار والتأثير، لأن ذلك من شأنه أن يحدث اضطرابا لسانيا غير محمود، على أن الحالة ما كانت لتكون على هذا النحو من القصور والاضطراب لو اكتفى اللسانيون في الإبان بإيجاد ترجمة صرفية لكلمة تيليفيزون المركبة من لفظتين هما "تيلي"، التي تفيد البعد و"فيزيون"، التي تعني المشاهدة، فتكون الترجمة الكاملة للكلمة هي المشاهدة عن بعد، مع إمكانية اختصار اسم الجهاز فيكون المشاهدة، التي تحمل صيغتا المصدر الميمي واسم المفعول معا.
إن ذلك لو حصل لكان المقابل العربي لكلمة (Television ) أغزر دلالة من الكلمة الأجنبية، نظرا إلى أن لفظة (Vision) الفرنسية واردة بصيغة المصدر (Le substantif) فحسب، بينما تحتمل لفظة المشاهدة العربية إضافة إلى ذلك المعنى المنجر عن صيغة اسم المفعول، الذي تقابله لفظة (Vue) الفرنسية، وبذلك يكون للمشاهدة عن بعد مقابلان في اللسان الفرنسي هما (Television) و(Televue) في ذات الوقت، وتكون هذه التسمية العربية اختصارا سليما من المنظور اللساني، وقابلة للرواج مثلما كان الحال للفظة إذاعة في مجال سمعي قريب، نظرا إلى استساغتها من ناحية الاستعمال اليومي.
ولو تجاوزنا هذا المثال وبقينا في نطاق التناول النظري للمسألة لأمكن الخلوص إلى القول إنه ضمن ثقافة لاحقة تسعى إلى مواكبة حركة التقدم العلمي والتقني المعاصر ما استطاعت إلى ذلك سبيلا، يكون تقصير اللسانيين، وحتى تباطؤهم في إبداع لغة العلوم والتقنيات المستجدة مهددا بإحداث اضطراب في ذهنيات أهل تلك الثقافة ونفسياتهم، ويجعلهم عرضة لغزو ثقافي شامل، يبقي على أسباب التخلف مقيمة في ديارهم، وتتضاعف عقد النقص لديهم، خصوصا عندما تلهج ألسن الغير في كنف ذلك التقصير والتباطئ بعبارات الانتقاص من كفاءة لسانهم، فيتهم بالقصور البنيوي عن النهوض بوظيفة التعبير عن مستحدثات العصر.. ولا نحسب أن غيورا على لغة الضاد يرضى بالتهمة، وهو يعلم أن لسانه منها براء.. ألم ينطق ذلك الشاعر حافظ إبراهيم بهذا السؤال الاستنكاري
وسعت كتاب الله لفظا وغاية
وما ضقت عن آي به وعظات
فكيف أضيق الآن عن وصف آلة
وترتيب أسماء لمخترعـات؟!
(المصدر: مجلة أقلام أون لاين، السنة الأولى، العدد الثاني، أكتوبر 2001)
الرابط: https://web.archive.org/web/20021025020313/http://www.aqlamonline.com/no2/demni2.html