نصوص

حركة حقوق الإنسان في الوطن العربي: التاريخ.. الواقع والتحديات

دراسة في نشأة حركة حقوق الإنسان في الوطن العربي وواقعها والتحديات التي تواجهها.

3
16 أغسطس 2001
مصدر الوثيقة:
بنعيسى الدمني
مشاركة

مقدمـة

لا يخلو بلد عربي تقريبا من جمعية غير حكومية واحدة على الأقل، تعنى بالدفاع عن حقوق الإنسان. وتختلف الأوضاع القانونية لتلك الجمعيات من بلد لآخر، بحسب اختلاف الظروف السياسية، وحالة الحريات. وقد بقيت الجمعيات خارج الدائرة القانونية، سواء أعلن أصحابها عن أنفسهم، أو ظلوا في كنف السرية، أو اتخذوا من بلاد المهجر مقرا لهم. ويتعرض بعض تلك الجمعيات في بلدان بعينها إلى المضايقات السياسية والاجتماعية والملاحقات الأمنية، التي تنتهي بأعضائها أحيانا إلى الاعتقال والسجن.

ويتزايد عدد جمعيات حقوق الإنسان سنة بعد أخرى، مدعمة بذلك نسيج الجمعيات الأهلية في الوطن العربي، إلى حد أن بعض البلدان العربية يوجد بها أكثر من جمعيتين من هذا القبيل (1). وهي تسعى إلى التعاضد فيما بينها، سواء بالانخراط "في المنظمة العربية لحقوق الإنسان" (2)، التي تحرص على أن تكون مستقلة عن جميع الحكومات، وجامعة قدر الإمكان لكافة الفعاليات العربية، التي تتفق معها في المبادئ، وفي السمت العام، أو بالاستفادة من "المعهد العربي لحقوق الإنسان" (3) في مجال التكوين، ونشر الوعي، أو بالسعي إلى بعث "اتحادات إقليمية لحقوق الإنسان" (4). وبذلك تكون هذه الجمعيات قد اخترقت اوجه الاختلاف القطرية وأكدت أن الوطن العربي يواجه تحديات مشتركة من منظور حقوق الإنسان.

وقد عملت كل الجمعيات العربية لحقوق الإنسان على إقامة علاقات تعاون وتنسيق مع شبكة دولية واسعة، وانخرط عدد منها في "الجامعة الدولية لحقوق الإنسان" (5)، مما أثرى تجاربها وزادها تأييدا وإشعاعا في الداخل والخارج، اضافة إلى ما تلقاه من لدن المثقفين والجامعيين العرب، ومن الحركات والأحزاب السياسية العربية بمختلف اتجاهاتها، من مناصرة وإثراء على المستويين الفكري و العملي.

لكن سبيل حركة حقوق الإنسان في الوطن العربي ليست مفروشة بالورود. فهي تواجه في خضم نشاطها اليومي جملة من المشاكل العملية والإشكاليات، التي يفرضها الواقع السياسي والاجتماعي والثقافي العربي، والتي كثيرا ما تكون على درجة من التعقد، تستوجب قدرا كبيرا من البحث النظري ومن الحكمة في التعامل.

وإسهاما في توضيح ملامح حركة حقوق الإنسان، التي يتعاظم حجمها عربيا، سنحاول إلقاء الضوء على أصولها التاريخية المعاصرة، وعلى ظروف تشكلها التنظيمي، ثم نتناول بالتحليل والمناقشة واقع علاقاتها بالسلطة، وأهم المشاكل والإشكاليات التي تواجهها من هذه الناحية تخصيصا، مبدين وجهة نظر لعلها تفيد في تطوير الواقع الراهن، وتسهم في بلورة جملة من المفاهيم والمقاربات المرسخة لمبادئ حقوق الإنسان في الوعي العربي.

فصل تمهيدي: في تحديد المدلول

من البديهي أن لفظة "حركة" المستعملة في عبارة "حركة حقوق الإنسان" لم نوردها بمدلولها اللغوي الخالص، ولا بمدلولاتها الفلسفية التأملية، أو العلمية الفيزيائية، وإنما أوردناها بالمعنى المتداول في مجال الفكر الاجتماعي والسياسي. لكن هذا التحديد الأولي للمجال الدلالي لا ينتفي معه احتمال اللفظة دائما لأكثر من مدلول: فكثيرا ما تستعمل لفظة "حركة" للدلالة على الفعل الذي تمارسه مجموعة من الناس على الصعيد الفكري أو السياسي أو النقابي.. كأن نقول مثلا: "حركة الإصلاح" أو "حركة العصيان المدني" أو "الحركة الاحتجاجية".

وقد تطلق لفظة "حركة" كذلك على الأشخاص الذين يمارسون ذلك الفعل، أو على رابطتهم، فتأخذ عندئذ معنى "الجماعة" أو "الحزب". من ذلك أن عدة أحزاب سياسية تسمي نفسها "حركات". وقد تستعمل اللفظة في أحيان أخرى للدلالة على ظاهرة اجتماعية أو سياسية أو ثقافية تتجاوز جماعة محددة أو حزبا بعينه، وتشمل عدة فعاليات فردية وجماعية، لا تكون بالضرورة مشتركة في الاختصاص المعرفي، أو في التمذهب الأيديولوجي، أو في الانتماء السياسي، والمواقع الاجتماعية، لكنها تشترك في الاقتناع بمبادئ، وفي نشرها والدفاع عنها، سواء بتنسيق كامل ضمن تنظيمات محددة، أو بجهود متفرقة، تنتهي موضوعيا إلى غاية واحدة.

وينطبق هذا المدلول الأخير على مرادنا من عبارة "حركة حقوق الإنسان في الوطن العربي". فهي بالتالي تدل على تلك الظاهرة، التي تشمل عدة أشخاص وجماعات، وتتمثل في الانتصار المبدئي لقيم إنسانية دعت إليها الشرائع السماوية جوهريا، وتمخضت عنها عصارة الفكر البشري عبر التاريخ، وصاغتها "الشرعة الدولية لحقوق الإنسان" (6)

وقد تعدت تلك الظاهرة من مستوى الفكر إلى مستوى الانبراء العملي لمناصرة ضحايا الاستبداد والتعذيب والظلم بمختلف أشكاله، أفرادا كانوا أو جماعات. وتطورت تجلياتها التنظيمية وآثارها الفعلية بتطور الظروف العربية العامة، التي أحاطت بها، فاتسمت أحيانا بالتلقائية وأحيانا أخرى بالانتظام، وكانت في ظروف معينة سرية أو محتشمة، وفي ظروف غيرها قانونية وبالغة الفعل والأثر.. الخ.. وهي في جميع أحوالها قد اعتبرت الإنسان قيمة في ذاته.

ورغم أن عدة أنظمة عربية قد أظهرت قدرا من المصالحة مع هذه الحركة، وسعت إلى تبنيها بصيغ مختلفة، سنعرض لها في موضعها، فإننا قد اخترنا لاعتبارات منهجية أساسا، قصر مدلول "حركة حقوق الإنسان في الوطن العربي" على الفعاليات والجمعيات غير الحكومية في هذا المجال.

وقد شجعنا على هذا الاختيار المنهجي ما يتسم به الواقع السياسي العربي الراهن في عمومه من هنات تزيد أو تقل خطورة في مجال حقوق الإنسان من جهة، وأهمية السبق التاريخي للجمعيات غير الحكومية، وجسامة الدور الذي لا تزال تضطلع به تلك الجمعيات في ترسيخ حقوق الإنسان فكرا وممارسة، باعتبارها ترقب بدقة حالة الحريات، وتكشف بجرأة عن الانتهاكات المقترفة بشان حقوق الإنسان، وتستعمل كل وسائل التدخل الحواري والنضال السلمي، من أجل تفادي تلك الانتهاكات، والقضاء على أسبابها المباشرة والعميقة من جهة ثانية.

فصل أول: الأصول التاريخية المعاصرة لحركة حقوق الإنسان العربية

تفيد المعطيات التاريخية بأن حركة حقوق الإنسان المعاصرة قد ظهرت في الوطن العربي بشكل تلقائي وغير منظم قبل انتظامها في جمعيات وهياكل. ويعد التشكل التنظيمي إذن مرحلة متطورة لتلك الحركة، أفرزتها ظروف عربية محددة.

أ- ملابسـات ظهـور الحركة

وقد اقترن ظهور الحركة بوضع سياسي واجتماعي انتقالي متحرك، وتحديدا بظاهرة الصراعات المسلحة والمحاكمات السياسية التي شهدها عدد من البلدان العربية بخاصة في الخمسينات والستينات من هذا القرن (7)، أي منذ بديات عهد تشكل الدولة الوطنية التي حلت محل سلطة الاستعمار المباشر في الوطن العربي، وظلت تبحث عن الصيغة المناسبة للحكم طوال سنين وفق منهج "المحاولة والخطأ" في أغلب الأحيان.

فقد دأب المتطوعون من المحامين ومن عامة الحاملين لقيم التضامن الإنساني، أفرادا ومجموعات، على التجند تلقائيا للدفاع عن ضحايا تلك المحاكمات السياسية، الذين كانوا يتعرضون للاعتقال ولسوء المعاملة، بسبب معارضتهم لأنظمة الحكم وأساليبه، وإسهامهم في تكوين أحزاب سياسية أو جمعيات غير معترف بها قانونيا، ونشرهم أفكارا تعتبرها السلطة مخلة بالنظام العام، أو ترى فيها ثلبا للهيئات الرسمية ولرجال الحكم.

ونظرا إلى القسوة التي كانت تميز ظروف الاعتقال والتحقيق، وإلى انعدام ما يضمن عدالة المحاكمات السياسية، وسوء معاملة ضحاياها داخل السجون، وما كان يرافق ذلك من عنت لأهاليهم، فقد انجر عن تلك الظاهرة كثير من المآسي الاجتماعية، التي استدعت التدخل الطوعي من أجل تقديم الخدمات القضائية والإنسانية للمحاكمين ولأهاليهم. ورغم أن المتطوعين لتلك الخدمات لم يكونوا جميعا يتحركون بدافع الوعي الكامل والدقيق ببنود الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، الذي لم يكن يلقى وقتها ما يلقاه اليوم من اهتمام، فإنهم كانوا مع ذلك يشكلون حركة جنينية للدفاع عن تلك الحقوق، نشأت تلقائيا بدوافع إنسانية ذات أصول مختلفة، خارج أرحام الحكومات العربية، وربما رغما عن إراداتها، ثم اتخذت تلك الحركة لنفسها بداية السبعينات (8) صيغا تنظيمية أضفت عليها مزيدا من الوضوح والفاعلية.

ب- الظروف الاجتماعية والسياسية للتشكل التنظيمي

إذا كان عمر أقدم منظمة إنسانية معترف بها قانونيا في الوطن العربي، وهي الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، لا يزيد على ثلاثة وعشرين عاما، فإن ذلك يعكس القيمة الاجتماعية والسياسية، التي تميزت بها فترة تأسيسها أي عقد السبعينات وما بعده في التاريخ العربي المعاصر: فابتداء من ذلك العقد شهدت معظم الأقطار العربية بداية انتعاش نسبي للتوجهات التحررية في جميع المجالات، ولاسيما بعد إخفاق نمط التنمية القائم على إلغاء الحرية السياسية، واعتماد مفهوم "الديمقراطية المركزية"، والاهتداء بالمذهب الاشتراكي في تنظيم شؤون الاقتصاد، وهو النمط الذي تم اعتماده في عدد غير قليل من البلدان العربية في الخمسينات، وبخاصة في الستينات، ضمن التيار العام، الذي ساد البلدان النامية في تلك الفترة.

ومن المؤكد أن هزيمة 1967 قد ساهمت بقسط كبير في إيقاظ الوعي العربي بمساوئ الحكم الفردي، وبضرورة مشاركة المواطن في الشؤون العامة، وبأهمية الديمقراطية وحقوق الإنسان، لبناء مستقبل الوطن، وفي توفير أركان المجتمع المدني.

ويشهد على هذه التوجهات الجديدة في المجال الاقتصادي ما حصل في تونس من تشجيع للقطاع الخاص وللاستثمار الأجنبي، بعد العدول سنة 1969 عن تجربة "الاقتصاد التعاضدي"، التي قادها الوزير الأسبق أحمد بن صالح. وسياسة "الانفتاح الاقتصادي" التي تم اتباعها في مصر إثر وفاة الرئيس جمال عبد الناصر سنة 1971، ودخول الجزائر بعد وفاة رئيسها هواري بومدين سنة 1978 مرحلة تدريجية للتخلي عن الاقتصاد الاشتراكي، وفتح الباب أمام المبادرة الحرة، وتنكب الدولة الصومالية رسميا في عهد الرئيس السابق زياد بري في نهاية السبعينات عن الاشتراكية، وعن الولاء لما كان يعرف بالاتحاد السوفييتي. وقد عرفت بلدان عربية أخرى سبق أن تمذهبت بالاشتراكية، أبرزها اليمن الجنوبي سابقا، ذات المآل أو شبيها به في فترات تاريخية لاحقة.

وقد واكب تلك التحولات الاقتصادية نشاط نقابي لم يخل من روح تحررية وانتفاضات اجتماعية، كانت معظمها منجرة عن بعض مساوئ أو أخطاء التوجهات الجديدة: فقد عاشت مصر انتفاضة يومي 18و19 يناير (كانون الثاني) 1977، وشهدت تونس انسلاخ نقابة الشغالين (9) عن الحزب الحاكم، باستقالة قيادتها منه عام 1977، ودخولها مرحلة مواجهة ضد السلطة، انتهت إلى إعلان الإضراب العام، الذي تخللته مصادمات 26 يناير (كانون الثاني) 1978 الدموية، ذات الأثر البليغ في الذاكرة الجماعية للتونسيين، إضافة إلى انتفاضات اجتماعية مشابهة جدت في أواخر السبعينات وأوائل الثمانينات في بلدان عربية أخرى مثل المغرب الأقصى والسودان والأردن.

وفي تفاعل مع ذلك عرفت الساحة السياسية العربية تطورا متميزا جسده رفع الخطر عن أحزاب سياسية قديمة، اضطرها غياب الحريات إلى الاختفاء عقودا من الزمن (10)، وظهور أحزاب وتكتلات جديدة ذات منازع متنوعة، مما أحدث حركية عامة للمطالبة بالديمقراطية، كسبيل لإرساء دولة القانون، التي تنبثق شرعيتها من إرادة الشعب.

ورغم أن مطلب العدالة الاجتماعية لم يكن غائبا من أدبيات جميع الحركات والأحزاب السياسية العربية في تلك الفترة القريبة، بشيء من التفاوت في الحجم، والاختلاف في المقاصد بينها، فإن ذلك المطلب لم يكن هو الأبرز ضمن الاتجاه العام، بل كانت الأولوية تمنح في الغالب للمطالب السياسية والإصلاحات الدستورية، نظرا إلى طبيعة المرحلة ومقتضياتها من جهة، وإلى مخلفات تجارب التنمية الاشتراكية الفاشلة من جهة أخرى. فقد اقترن مفهوم العدالة الاجتماعية على نحو خاطئ بمقولات المذهب الاشتراكي والنزعة الماركسية، التي بدأت تشهد تراجعا واندحارا داخل الوعي العربي منذ تلك الفترة (11).

وقد كانت تلك الحركية أكثر بروزا في مصر قبيل حرب رمضان 1973 وبعدها، حيث تم إطلاق سراح مئات المساجين السياسيين، وفتح باب التحقيق القضائي في ممارسات التعذيب، التي تعرضوا لها (12)، فضلا عن الترخيص لأحزاب معارضة، ومشاركة قائمات متعددة في انتخابات 1977. وفي تونس بدءا من حكومة الوزير الأول الأسبق الهادي نويرة، التي استمرت كامل عشرية السبعينات، وتشكلت أثناءها أحزاب جديدة. وفي الجزائر منذ عهد الرئيس الأسبق الشاذلي بن جديد، حيث تشكل تحالف سياسي في المهجر لمطالبة بالديمقراطية، شارك فيه الرئيس الأسبق المخلوع أحمد بن بلة. وفي السودان بتشكيل "الجهة الوطنية"، التي ضمت كل قوى المعارضة أيام حكم جعفر النميري، والتي انتهى نضالها إلى إعلان "مصالحة وطنية" في صائفة عام 1977، وإطلاق سراح مئات السجناء السياسيين، من بينهم الزعيم الإسلامي حسن الترابي، وعودة بقية المعارضين من المنفى، وكان من ضمنهم الوزير الأول الأسبق صادق المهدي. وفي اليمن الجنوبي سابقا خاصة عندما قامت المعارضة بتشكيل حكومة في المنفى عام 1978 برئاسة عبد القوي مكاوي رئيس حكومة عدن الأسبق، الذي أعلن وقتها مسعى تلك الحكومة المعارضة إلى "تغيير أوضاع بلاده بالوسائل الديمقراطية" (13).

وإذن فإن التشكل التنظيمي لحركة حقوق الإنسان العربية قد بدأ في تلك الظروف من التحول التنموي والحركية السياسية المتواصلة إلى اليوم بأساليب متجددة. وقد كان هذا التشكل تعبيرا عن الشعور العربي بالحاجة إلى تأسيس الشرعية السياسية على الإرادة الشعبية، بدل استنادها إلى القوة والعسف، وبالحاجة إلى بناء مقومات المجتمع المدني القائم بذاته، باعتباره يحتوى سلطة مقابلة للدولة، لا تقتصر على ما هو سياسي، بل تشمل شبكة من الوظائف والعلاقات الاجتماعية، التي لا يكون في مقدور الدولة أن تحتويها، فضلا عن أن تلغيها، والتي يكون عليها الاعتماد في تشييد قوة الكيان الاجتماعي والحضاري العربي. وقد تأكد الشعور بهذه الحاجة بفعل تلاحق الهزائم العربية سياسيا وعسكريا، خاصة على إثر توقيع اتفاقية (كامب ديفيد) عام 1978، وغزو الجيش الإسرائيلي للبنان سنة 1982.

ج - ما العمــل؟

على أن طبيعة الأهداف التي ترمي حركة حقوق الإنسان إلى تحقيقها في الواقع، ونوع الوظائف العملية المنوطة بجمعيات حقوق الإنسان، لم تكن مضبوطة بالدقة المطلوبة في جميع الظروف والأحوال: فقد تنازعها في معظم ردهات مسيرتها اتجاهان كبيران يميل أحدهما إلى المنزع السياسي المناضل والمعارض، ويميل الثاني إلى المنزع القانوني والإجرائي. لكن الظروف السياسية والاجتماعية العربية التي حفت بنشأة الحركة وبتشكلها التنظيمي جعلت المنزع الأول، أي السياسي المعارض، يغلب على الثاني في معظم البلاد العربية، خاصة عندما انخرطت جمعيات حقوق الإنسان في الصراعات السياسية بأشكال مختلفة، وصارت نوعا من الرديف الموضوعي لأحزاب المعارضة، بحكم أن المعارضين السياسيين قد ساهموا في تكوين بعض تلكم الجمعيات، وشكلوا جانبا مهما من قاعدتها البشرية ومن هياكلها القيادية، كما هو الحال بالنسبة إلى"الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان"، أو إن بعض تلك الجمعيات قد نشأت تابعة بشكل واضح أو ضمني لأحزاب سياسية بعينها، كما هو الحال في المغرب الأقصى مثلا، وقد خلقت تلكم الظروف والأوضاع مشاكل عملية، وعمقت إشكالية علاقة حركة حقوق الإنسان بالسياسة وبالسلطة السياسية تحديدا.

فصل ثان: حركة حقوق الإنسان العربية وعلاقتها بالسلطة السياسية

إن نشاطات حركة حقوق الإنسان العربية الرامية إلى المطالبة بالديمقراطية والحريات وصيانة الحرمة الجسدية للمواطن العربي وكفالة حقوقه الأساسية في التعليم والصحة والشغل والتنقل وغيرها، قد وضعت هذه الحركة في مواجهة خلافات حادة مع الحكومات، خاصة بمناسبة إصدارها بيانات وتقارير تفضح بعض انتهاكات حقوق الإنسان الصادرة عن الأجهزة الرسمية، وتندد بها، وتطالب بوضع حد لها، والقضاء على أسبابها، مما يمكن عده نوعا من الضغط الإصلاحي على الحكومات.

أ- جدلية الضغط والاستيعاب

ولئن غلب على أسلوب الحكومات العربية لجوؤها إلى إصدار بلاغات التكذيب، التي ترد بها على تلك البيانات والتقارير، وتحاول تبرئة ساحتها مما تعتبره "ادعاءات كاذبة ومغرضة"، فإن هذه الحكومات قد اهتدت في السنوات الأخيرة إلى أسلوب جديد في التعامل مع المسألة، لا يكتفي برد الفعل الظرفي على ضغط الجمعيات غير الحكومية، بل يجتهد في استيعاب فكرة حقوق الإنسان ذاتها بصيغتين متلازمتين هما:

- إظهار المصالحة الرسمية مع المبادئ الإنسانية، بإدراجها في مجالات التشريع والإعلام قدر الإمكان من جهة.

- واستحداث هياكل رسمية وحتى وزارات تعنى بحقوق الإنسان من جهة أخرى.

وفي هذا السياق شهدت ليبيا سنة 1989 تأسيس "اللجنة العربية الليبية لحقوق الإنسان في عصر الجماهير"، تنفذا لما تضمنته "الوثيقة الخضراء الكبرى لحقوق الإنسان في عصر الجماهير"، التي صاغها "مؤتمر الشعب العام"، وهو بمثابة السلطة التشريعية. كما تشكلت في تونس سنة 1991 "الهيئة العليا لحقوق الإنسان" ذات الوظيفة الاستشارية لدى رئاسة الدولة، واستحدثت خطة مستشار رئاسي، ثم وزير مكلف بحقوق الإنسان، وتم بعث أربع خلايا تعنى بذات الحقوق في وزارات الداخلية والخارجية والعدل والشؤون الاجتماعية. وأعلن ملك المغرب من جهته عن إنشاء "المجلس الملكي الاستشاري لحقوق الإنسان" سنة 1990. أما في الجزائر فقد اشتملت الحكومة التي تشكلت عام 1991 بقيادة سيد أحمد غزالي على وزارة لحقوق الإنسان، وتم بعث "مرصد وطني لحقوق الإنسان" عام 1992 في ظل "المجلس الأعلى للدولة" سابقا. وأخيرا أصدرت قيادة "منظمة التحرير الفلسطينية" في أكتوبر(تشرين الثاني) 1993 ميثاق "الهيئة الفلسطينية العليا لحقوق الإنسان" في سياق تحضيراتها لتسلم سلطة الحكم الذاتي المحدود في غزة وأريحا.

إن هذه الهياكل الرسمية وشبيهاتها في الوطن العربي قد برزت للوجود في سياق صراعات سياسية واجتماعية محددة. وبصرف النظر عن خلفيات أصحابها، فهي تعكس تطورا في الوعي السياسي العربي، وتجسد المنظمات غير الحكومية من أنشطة وضغوط من أجل احترام مبادئ حقوق الإنسان. ورغم أن البعض يرون في مثل التوجه الحكومي ضربا من "الرياء المفضوح"، ومن الاحتواء التكتيكي لمبادئ وحركة حقوق الإنسان، التي يتزايد دورها قطريا وعربيا ودوليا، فالرأي عندنا هو أن هذه الصيغة من الاستجابة الحكومية لمتطلبات حقوق الإنسان لا تخلو من فوائد وإيجابيات، سواء على الصعيد العملي المباشر، أو على الصعيد الاستراتيجي والمستقبلي:

- فعلى الصعيد العملي لا يجوز إنكار ما توفره تلك الهياكل الرسمية من أطر لتظلم المواطنين العاديين، ومن فضاءات تمكن حركة حقوق الإنسان من الحوار مع السلطة السياسية والإدارية، وتفتح الباب أمام تظافر الجهود الحكومية وغير الحكومية من أجل وضع حد لما قد يحدث من انتهاكات لحقوق الإنسان، والعمل على تفادي تكراره، وهو أمر يعود بالنفع المباشر على المواطن العربي، ويسهم في صون حرمته الجسدية، وفي حفظ كرامته، وكفالة حقوقه المختلفة، وجبر أضراره في حالة تعرضه لمظالم.

-أما على الصعيد الاستراتيجي فيمثل نهج الحكومات الجديد في التعامل مع فكرة وحركة حقوق الإنسان إقرارا نظريا من قبلها بأهمية تلك الحقوق، واعتبارها المعايير المبدئية اللازمة لأسلوب الحكم ومشروعيته، حتى إذا ما خالفت الحكومات تلك المبادئ من الناحية التطبيقية، أمكن معاملة مخالفيها معها عندئذ بأسلوب مدني وعلى نفس الأرضية النظرية، وتحتم الدخول وإياها في حوار قد ينتهي إلى محاجتها وإلزامها بذات المنطق، الذي تتبناه وتعلنه، فيكون ذلك كفيلا بتفادي اللجوء إلى العنف والمواجهات المسلحة في حسم الصراعات السياسية والاجتماعية وغيرها، في صورة توفر حسن الطوية، والاستعداد المخلص لدى الحكام والمحكومين معا.

وفي كل الأحوال فإن ما يتحصل عليه المجتمع العربي من مكاسب ولو جزئية بفضل إدراج مبادئ حقوق الإنسان في التشريعات وبرامج التعليم وغيرها من المجالات الاجتماعية سيحدث تغييرا في بنية الوعي الجماعي العربي على المدى المتوسط والبعيد، حتى وإن لم يكن ذا أثر مباشر في الواقع المعيشي، وذلك بترسيخ جملة من المفاهيم والسلوكيات الإنسانية والمدنية، التي سوف يكون لها بالتأكيد دور فاعل في تطوير الواقع العربي مستقبلا.

وبناء على ذلك فإن ما يبدو هنا وهناك من عدم امتثال تطبيقي لمعايير حقوق الإنسان، خاصة المدنية والسياسية منها لا ينبغي أن يدفع المرء إلى رفض مبادرات الحكومات في هذا المجال جملة وتفصيلا، من ذلك في تقديرنا هو تشجيع تلك المبادرات والبحث عن تفعيل حركة حقوق الإنسان خارج الهياكل الحكومة، وباستقلال عن التوظيف السياسي المخل، وهذا هو النهج الذي يتواءم مع طبيعة حركة حقوق الإنسان، ومع أسلوبها في العمل، فهي ليست حزبا سياسيا، فضلا عن أن تكون حركة انقلابية.. إنها لا تمتلك أكثر من سلطة معنوية موازية للسلطة السياسية، ولا تعتمد في نشاطاتها سوى على الوسائل السلمية والإعلامية، وبالتالي فإنه لا يسعها إلا أن تدعم كل ما من شأنه أن يشيع مبادئ حقوق الإنسان في كل الأوساط، وأن يقوي سلطة المجتمع في وجه سلطة الدولة ولو بصورة جزئية وعلى المدى البعيد.

ب- منازعات وقضايا ساخنة

على أن نهج التعامل الاستيعابي، الذي صارت الحكومات العربية تتوخاه في تعاطيها مع شأن حقوق الإنسان لم يحسم جملة من النزاعات والقضايا الخلاف بينها وبين حركة حقوق الإنسان. ومن أبرز تلكم القضايا ما يصدر عن بعض الحكومات بين الحين والآخر من مؤاخذات ضد جمعيات حقوق الإنسان، مفادها أنها لا تلتزم حدود صلاحياتها الإنسانية، بل تتخذ مواقف وتمارس أنشطة "ذات صبغة سياسية مناهضة" (17)، وأنها في نشاطاها ومواقفها تركز على الحقوق المدنية والسياسية دون الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، التي تؤكد الحكومات على أولوياتها بالنسبة إلى المواطن العادي، ويجتهد إعلامها في إبراز إنجازاتها التنموية بشأنها.

ويحق للمرء أن يتساءل إلى أي مدى يمكن أن تصح هذه المؤاخذات في ظل الواقع العربي الراهن من منظور مبادئ حقوق الإنسان ذاتها، وبالنظر خاصة إلى أهداف الجمعيات الإنسانية غير الحكومية:

- فالمؤاخذة الأولى تحيلنا إلى موضوع الحد الفاصل بين ما هو إنساني وما هو سياسي. وهو موضوع ذو طابع نظري مهم، رغم أن له وجها إجرائيا. فإذا تجاوزنا ما يمكن اتخاذه من إجراءات تضمن استقلال جمعيات حقوق الإنسان عن جميع الأحزاب السياسية حتى تكون في مأمن من التوظيف السياسي، وحتى تحافظ بالتالي على جرأتها في الحق، وعلى نجاعة أنشطتها، فهو في تقديرنا أمر لا بأس من الأخذ به قدر الإمكان، وعلى قدر ما تسمح به الظروف القطرية، دون أن يغمط ذلك من الجهود، التي بذلها المعارضون السياسيون ـ و لا يزالون ـ في تكوين تلك الجمعيات وفي دعمها.

ولئن تحتم كذلك التمييز بين مناهج وأساليب عمل الأحزاب السياسية، التي تسعى إلى كسب أكبر عدد من الأنصار من أجل الوصول إلى الحكم بالطرق المشروعة من جهة، و بين مناهج وأساليب عمل جمعيات حقوق الإنسان، التي لا تشترط فيها صفة الجماهيرية، لأنها لا تطمح إلى الحكم، ولا تقدم نفسها بديلا عن الدولة، بقدر ما تسعى إلى أن تكون رديفا للمجتمع بتأسيس "أخلاقية اجتماعية تتجاوز السياسة والصراع على السلطة"، وبتكريس "نشاط نقابي يعمل فيما وراء السياسة لتقوية لحمة المجتمع المدني" (18)، إلا أن التمييز بين ما هو إنساني وما هو سياسي لا ينبغي أن يؤدي إلى فصل الأول عن الثاني في مستوى المضمون النظري والعملي، عن طريق إلزام الجمعيات الإنسانية مثلا بعدم التدخل فيما له صلة بأسلوب الحكم، وبوضع الحريات، وبممارسة التعذيب، أو القتل غير المشروع، وما شابه ذلك، لأن هذه المسائل وإن كانت ذات وجه سياسي لا نزاع فيه، هي من صميم اهتمامات حركة حقوق الإنسان، لتعلقها بكرامة الإنسان في الحياة والحرية والمساواة وغيرها. وإن مطالبة جمعيات حقوق الإنسان بعدم الاهتمام بها يحيل هذه الجمعيات إلى ضرب من الهيئات الخيرية، التي لا يتعدى نشاطها توزيع الصدقات، وتقديم خدمات البر والإحسان إلى المنكوبين والمغلوبين على أمرهم، مما هو دون مقتضى أهدافها، أو يحيلها إلى مجرد واجهات "تتباهى الأنظمة بوجودها للتدليل على أن حقوق الإنسان لديها في خير وعافية" (19). ويكون من الأجدر بتلك الجمعيات عندئذ أن تحل ذاتها وتترك المجال لمن يأنس في نفسه قدرة أكبر على الدفاع عن تلكم الحقوق بمصداقية وبوفاء لشموليتها.

فالإعلان العالمي لحقوق الإنسان باعتباره يمثل مرجعية أساسية لحركة حقوق الإنسان لا يحصر تلك الحقوق في مجال آخر، بل ينظر إليها بأكثر ما يمكن من شمولية، فتراه يرتبها ضمن مواد تشمل المساواة (المواد:1 و2 و4 و7 و10 و16 و21 و23 فقرة 2)، والحريات (المواد:3 و4 و6 و9 و13 و16 و18 و 19 و20 و21 و23)، والحق في المحاكمة العادلة (المواد 9 و10 و11)، والحق في الأمن والطمأنينة (المواد:3 و12 و15 و22)، وحرمة الشخص والمسكن (المواد:1 و4 و5 و6 و11 و13)، وحق التملك (المادة:17)، والحق في الراحة والعيش الكريم والشغل والأمومة والطفولة (المواد:23 و24 و25)، والحق في الثقافة وفي حماية الملكية الأدبية والفنية (26و27)، وحق اللجوء (المادة:14).

وقد تضمنت ديباجة الإعلان العالمي إشارة إلى حق الثورة على الطغيان والاضطهاد عند الاقتضاء. وقد تم تكميل هذا الإعلان بعهدين دوليين يتضمن الأول الحقوق المدنية والسياسية، وألحق به "بروتوكول اختياري" لتلك الحقوق، ويتضمن الثاني الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

وعليه فالمطلوب من حركة حقوق الإنسان من الناحية المبدئية أن تهتم بكل هذه الحقوق، وان تدافع عنها جميعا لكن بأسلوبها التوعوي والإعلامي، الذي يختلف عن أساليب العمل السياسي والحزبي، ووفق غاياتها المجتمعية التي لا تتفق مع غايات الأحزاب في استهداف السلطة، لتتجاوزها إلى آفاق إنسانية وأخلاقية وحقوقية أرحب. وإذا ما حصل أن اتفقت بعض مواقف جمعيات حقوق الإنسان مع مواقف أحزاب سياسية ما فإن ذلك لا يمكن أن يكون مسوغا لاتهام تلك الجمعيات "بممارسة السياسية"، طالما أنها قد عبرت عن قناعات أصحابها المبدئية، وعن وصفهم النزيه لمعطيات الواقع، تماشيا مع الروح والغايات المجتمعية المذكورة، بل إننا لا نخال مخلصا لحقوق الإنسان إلا يرتاح كلما لاحظ توافقا بين أفراد الشعب ومكونات المجتمع على الدفاع عن تلك الحقوق والدعوة إلى احترامها في جميع المجالات.

- أما مؤاخذة حركة حقوق الإنسان بسبب كثرة عنايتها بالحقوق المدنية والسياسية، وقلة اهتمامها في المقابل بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في الوطن العربي، فنحسب أن قيمتها لا تخرج عن دائرة السجال والمجادلة، رغم ما يوحي به ظاهرها من قصد إلى النصح ودعوة إلى توازن المواقف واعتدالها. ذلك أن ما يظهر فعلا من قلة اهتمام حركة حقوق الإنسان العربية بالجانب الاقتصادي والاجتماعي والثقافي مرده إلى تقدير اجتهادي في ترتيب أولويات نشاطها بناء على خصائص الواقع، الذي تتحرك فيه، وبالنظر إلى حجم وخطورة غياب حقوق بعينها، قياسا إلى سواها.

وليس خافيا ما يتسم به الواقع السياسي العربي على وجه التحديد من تدهور عام، ومن انتهاكات لحقوق المواطنة بشكل خاص (20)، مما يغذي حالة التجزئة، التي تحول دون تبوء الوطن المكانة التي تليق به بحرية، ولعل هذا ما يفسر عدم دخول "مشروع الميثاق العربي لحقوق الإنسان"، الذي أعدته جامعة الدول العربية حيز التنفيذ على محدوديته، ورغم مرور أكثر من أربعة عشر عاما على قرار إعداده في 11 آذار (مارس) 1979 (21).

ولئن دفعت هذه الأوضاع بحركة حقوق الإنسان إلى إعطاء الأولوية في نشاطاتها إلى الحقوق المدنية والسياسية فإن تقصيرها في العناية بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وفي الدفاع عنها، لا يعني أن الحركة راضية عن حال تلك الحقوق، أو أنها تزكي إنجازات الأنظمة في هذا المجال: فلو ألقى المرء نظرة على حال توزيع الدخل القومي بين المواطنين ونسب البطالة والأمية والأوضاع الصحية والسكنية والنسائية والبيئية في الوطن، انطلاقا من دراسات وإحصاءات الهيئات العربية والدولية المختصة لهالته الأرقام والوقائع، ولأدرك أن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية ليست أحسن حالا من الحقوق المدنية والسياسية، وأنها لا تمثل نقطة قوة أغلب الحكومات العربية، فضلا عن أن تكون مفخرتها، التي تباهي بها في مجال حقوق الإنسان، إذ لو اقتصرنا على إلقاء الضوء على واقع الحق في العمل، وهو أكثر الحقوق الإنسانية التصاقا بحق الحياة ضرورة، لأن الإنسان لا يفلح في ضمان الحياة الكريمة لنفسه ولعياله إلا متى كان قادرا على كسب قوته بكد يديه، لحق لنا أن نتساءل هل تستجيب التشريعات والسياسات الحالية في الوطن العربي لمقتضيات هذا الحق، وفقا لما جاء في الشرعة الدولية لحقوق الإنسان؟ وللإجابة على هذا التساؤل هل يكون ثمة حاجة لقول شيء أكثر من التساؤل ثانية عن سبب "ترك مئات الألوف من العمال العرب يهاجرون خارج الوطن، لكي ينتهوا في أحسن الحالات بتشغيل مصانع أوروبا، وفي أسوأها وهو الأمر الغالب بكنس شوارع المدن الأوروبية، وتنظيف محطاتها ومراحيضها؟

وإذا كان ذلك يحصل في عصر النفط فكيف يكون الحال بعد الجفاف؟ ولماذا يرفض معظمهم العودة إلى وطنهم رغم الغربة الموحشة، ورغم التغريب والضياع؟ وماذا فعلت الأنظمة العربية لحماية حقوق عمالها، الذين يعملون في الأقطار العربية أو الأجنبية الأخرى، وبعضها يعتمد في جزء من دخله على مدخرات هؤلاء، التي يرسلونها إلى الوطن الأم؟.. ويحق للمرء أيضا أن يتساءل عن الأسباب، التي تدفع المزارع العربي إلى هجر أرضه والتوجه إلى المدينة ليقبل أي عمل يعرض عليه، أو يستعمل مدخراته في دكان صغيرة لبيع السجائر أو غيرها هنا وهناك (22).

فكم أنجزت الجمعيات العربية لحقوق الإنسان من دراسات؟ وكم نظمت من ندوات لتشخيص هذه الأوضاع وغيرها في المجال الاقتصادي والاجتماعي والثقافي ولتقديم المقترحات والحلول وممارسة الضغوط المعنوية الكفيلة بتطوير التشريعات والسياسات العربية في هذا الشان؟ إننا لو أخرجنا المؤاخذات الموجهة إلى حركة حقوق الإنسان بهذا الصدد من دائرة السجال والتنازع لجاز أن نقول إن ما بذلته الحركة من جهود للدفاع عن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في الوطن العربي، كان فعلا دون المطلوب من المنظورين المبدئي والواقعي، لكن لنقل أيضا إنها لو قامت بدورها كاملا في هذا المجال لنالها بالتأكيد من مضايقات الأنظمة والحكومات ما ينالها في العادة بسبب نشاطاتها ومواقفها الخاصة بالحقوق المدنية والسياسية، طالما ظل وضع الحريات على حاله.

وإذن فإنه لا جدوى من التمحض لانتقاد حركة حقوق الإنسان بدعوى اختصاصها في إبراز المساوئ.. لأن واقعنا العربي المعاصر قد بلغ حده من التدهور، ما عاد يجدي معه التعتيم والمواراة ولا الممالأة. وقد بات متحتما على جميع أبنائه أن يسعوا إلى استخلاص القدر المشترك من كل الجهود، التي تهدف إلى بناء دولة القانون، وتعزيز الحريات، في ظل عدالة اجتماعيةو وكفاية اقتصادية.

خــاتمـة

يتضح مما سبق أن حركة حقوق الإنسان في الوطن العربي ما زالت بعد فتية تتلمس طريقها إلى أقوم مسالك العمل الأنفذ لغاياتها المجتمعية. وهي بالتالي في أمس الحاجة إلى عدم إرباك مسيرتها بالمضايقات، التي لا طاقة لها بها، حتى تتوفر لها فرص النضج الذاتي والاستواء على عودها، فتتمكن من تفادي أوجه التقصير، وتتفرع لمعالجة جملة الإشكاليات النظرية الأخرى، التي تعمق قصورها الذاتي، وتغذي داخلها اختلافات قد يتوفر حيز من البحث أرحب لبيانها وتحليلها.

(*) باحث تونسي وعضو سابق للهيئة المديرة للرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان

الهوامش

1- نشير على سبيل المثال إلى وجود ثلاثة تنظيمات غير حكومية للدفاع عن حقوق الإنسان في المغرب الأقصى والى وجود رابطتين ومعهد لحقوق الإنسان في الجزائر.

2- -تأسست المنظمة العربية لحقوق الإنسان عام 1983 في قبرص خارج الأرض العربية ثم اتخذت القاهرة مقرا لها وهي تمتلك مكتبا في جنيف وقد تحصلت على الصفة الاستشارية لدى منظمة الأمم المتحدة في مايو أيار 1989.

3- تأسيس المعهد العربي لحقوق الإنسان عام 1989 ومقره بتونس.

4- نشير إلى محاولة الجمعيات التونسية والجزائرية والمغربية والموريتانية لحقوق الإنسان إنشاء اتحاد فيها بينها منذ 1990 لكن أسباب ظرفية حالت دون اكتماله فلم يمنعها ذلك من تنسيق بعض أنشطتها وإصدار بيانات مشتركة من حين إلى آخر.

5- تأسست"الجامعة الدولية لحقوق الإنسان" عام 1922 وتم إعادة تشكيلها عام 1948 بعد انقطاع دام مدة الحرب العالمية الثانية ومقرها بباريس.

6- تتكون الشرعة الدولية لحقوق الإنسان من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان المصادق عليهما في 16-12-1966 واللذين دخلا حيز التنفيذ عام 1976 إضافة إلى "البروتوكول الاختياري الملحق بالاتفاقية عليه في 16-12-1966.

7- نذكر على سبيل المثال لا الحصر محاكمات سنة 1954 وسنة 1965 التي تعرض لها "الإخوان المسلمون" في مصر والتي صدرت فيها عدة أحكام بالإعدام ضد قادتهم ومحاكمات بداية الستينات في تونس ضد أنصار الزعيم الوطني صالح بن يوسف ومحاكمة سنة 1968 التي تعرضت لها مجموعة "آفاق" اليسارية في تونس أيضا وقصف الطيران السوداني في عهد نميري لجزيرة (أبا) التي كانت تؤوي أنصار الإمام الهادي المهدي عام 1970 وإعدام ذات النظام السوداني لقادة الحزب الشيوعي ولعدد من اتباعه في يوليو(تموز)1971؛إضافة إلى كثرة عدد الانقلابات العسكرية التي شهدها الوطن العربي في الخمسينات وبخاصة في الستينات.

8- تأسست "الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان" في 14-5-1976 وتحصلت على التأشيرة القانونية في 7-5-1977.

9- الاتحاد العام التونسي للشغل "هو من اعرق النقابات العمالية عربيا وإفريقيا تأسس في 20-1-1946 وكان له دور بارز في حركة التحرر من الاستعمار الفرنسي خاصة في عهد زعيمه المرحوم فرحات حشاد الذي اغتالته العصابات الاستعمارية في 5-12-1952.

10- من بينها على سبيل المثال :"حزب الوفد الجمهوري" في مصر و"الحزب الشيوعي"في تونس.

11- انظر : د.مصطفى محمود : لماذا رفضت الماركسية؟ ص :47 وما بعدها. مكتبة الجديد.تونس.1988.

12- انظر جريدة "الأهرام" المصرية بتاريخ 24-11-1975 بشان التحقيق في تعذيب المستشار علي جريشة عام 1965 وجريدة "الأخبار"المصرية بتاريخ 19-3-1976 بشان محاكمة المسؤولين عن تعذيب محمد عواد سليمان حتى الموت عام 1965؛ بشأن محاكمة من عذبوا إسماعيل الفيومي-حارس عبد الناصر –حتى الموت.

13- انظر جريدة"القبس"الكويتية بتاريخ 10-12-1987.

14- عبد الله لحود وجوزيف مغيزل : حقوق الإنسان الشخصية والسياسية : ص6. منشورات عويدات .بيروت – باريس 1972.

15- من ذلك أن البلدان الأوروبية قد ربطت إعانتها الاقتصادية للبلدان النامية بمدى احترام تلك البلدان لحقوق الإنسان وعملت القوى الدولية وفي مقدمتها الولايات المتحدة "إلى إقرار مبدأ حق التدخل في البلدان لحقوق الإنسان وعملت القوى الدولية وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية على دفع "منظمة الأمم المتحدة" إلى إقرار مبدأ "حق التدخل " في البلدان التي لا تحترم أنظمتها حقوق الإنسان.

16- يراجع في إدراك مزايا هذا النهج : جودت السعيد : مذهب ابن آدم الأول أو مشكلة العنف في العالم الإسلامي ص98 وما بعدها. مطبعة تونس قرطاج بدون تاريخ وكذلك: Jean-Marie Muller: Strategie de Laction non violente.p:35،119،170…ed:Seuil. Coll:point politiques.Paris.1981.

17- لقد برزت هذه المؤاخذة بشكل خاص بصدد الخلاف الذي نشب بين الرابطة التونسية لحقوق الإنسان والحكومة التونسية منذ عام 1991 والذي جاء تعديل قانون الجمعيات التونسي في 2 أبريل (نيسان)1992 في سياقه فقد نص هذا التعديل على منع الأعضاء القياديين في الأحزاب السياسية من العضوية في الهياكل القيادية للجمعيات "ذات الصبغة العامة" التي تم تصنيف الرابطة ضمنها بقرار من وزارة الداخلية.

18 د.برهان غليون :"السياسة والأخلاق أو إشكالية حقوق الإنسان في الوطن العربي". مجلة الفكر العرب. عدد 22.سنة 1981.3 .

19- د.منذر عنبتاوي : الإنسان قضية وحقوق (دفاعا عن حقوق الإنسان في الوطن العربي). ص148.منشورات المعهد العربي لحقوق الإنسان مطبعة تونس قرطاج.1991.

20- شارلز باترووث : الدولة والسلطة في الفكر السياسي العربي.

21- تولي مؤتمر الخبراء العرب بالمعهد الدولي للدراسات العليا في العلوم الجنائية الذي انعقد بمدينة سيراكوزا بإيطاليا صياغة "مشروع ميثاق حقوق الإنسان والشعب في الوطن العربي" عام 1986 كبديل عن مشروع الجامعة العربية الذي لم يدخل حيز التنفيذ بعد.

22- د.منذر عنبتاوي: الإنسان قضية وحقوق .ص141،140.

(المصدر: مجلة أقلام أون لاين (العدد الأول، السنة الأولى، جويلية 2001)

الرابط: https://web.archive.org/web/20010816013545/http://www.aqlamonline.com/demni.html

جميع الحقوق محفوظة لمنصة الذاكرة 2026 ©