ثلاث مقومات للنهوض: القوة الإيمانية، والوعي الديناميكي، والروح الجماعية
رياض الشعيبي
لا يمكن لأي مشروع نهضوي أن يحقق أهدافه بمجرد امتلاكه الأفكار الصحيحة أو الشعارات الجذابة، بل يحتاج إلى مقومات تؤسس لإرادة التغيير، وتمنحها القدرة على الاستمرار والتحول إلى فعل مؤثر في الواقع. وإذا كان القرآن الكريم قد ربط تغيير أحوال الأمم بتغيير ما بالنفوس، فقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: 11]، فإن هذا التغيير لا يستقيم إلا بتكامل البناء الإيماني، والوعي بالواقع، والقدرة على العمل الجماعي.
أولاً - القوة الإيمانية.. مصدر الدافع والثبات.
تتمثل القوة الإيمانية في تلك الطاقة الروحية والأخلاقية التي تمنح الإنسان المعنى، وتحرر إرادته من الاستسلام، وتغذي فيه الأمل والقدرة على الصمود وتحمل المسؤولية. فالإيمان ليس مجرد قناعة ذهنية أو انفعال وجداني، بل هو قوة دافعة إلى العمل، وباعثة على مقاومة اليأس، ومصدر للثبات أمام المحن وتقلبات الطريق.
وقد ربط القرآن الكريم بين الإيمان والعمل، فقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ [فصلت: 33]. كما جعل القرآن من التوكل على الله مصدرًا للقوة والعزم، فقال سبحانه: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [آل عمران: 159].
فالإيمان الذي نحتاجه في مشروع النهوض ليس إيماناً يعزل الإنسان عن حركة الواقع، بل إيمان يحرّك فيه إرادة الإصلاح، ويمنحه الشجاعة لمواجهة الصعوبات، ويحرره من الارتهان للنتائج العاجلة. وهو، بهذا المعنى، ليس بديلاً عن الأخذ بالأسباب، بل هو ما يمنح السعي معناه، والعمل استمراريته، والتضحية أفقها الأخلاقي.
ثانياً - الوعي الديناميكي.. بصيرة الواقع وشروط التغيير.
لا تكفي سلامة المقصد وقوة الإيمان لتحقيق النهوض ما لم يصاحبهما وعي قادر على فهم الواقع وتحولاته، وإدراك موازين القوى، والتمييز بين الثابت والمتغير، واستشراف الفرص والمخاطر، وتجديد الوسائل بما يتناسب مع مقتضيات المرحلة.
الوعي الديناميكي هو الذي ينقلنا من مجرد وصف الواقع إلى فهم آلياته، ومن اجترار التجارب الماضية إلى استخلاص دروسها، ومن التفاعل مع الأحداث بعد وقوعها إلى الاستعداد لها وصناعة البدائل. وهو لا يعني التخلي عن المبادئ، بل يعني امتلاك المرونة الفكرية والاستراتيجية اللازمة لتحقيقها في سياقات متغيرة.
وفي هذا المعنى، يلفت القرآن الكريم النظر إلى ضرورة التثبت من الأخبار قبل بناء المواقف عليها، فيقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: 6]. كما يدعو إلى الاعتبار بالتجارب والتاريخ، بقوله سبحانه: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [الحشر: 2].
ويؤكد الحديث النبوي قيمة التعلم والتجريب في شؤون الحياة، ففي قصة تأبير النخل قال النبي ﷺ: «أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِأَمْرِ دُنْيَاكُمْ»، رواه مسلم. وفي ذلك ما يذكّر بأهمية الخبرة الإنسانية والمعرفة المتخصصة، وعدم الخلط بين ثبات المرجعية وضرورة الاجتهاد في الوسائل.
فالوعي الديناميكي هو وعي يتعلم، ويراجع، ويستشرف، ويصحح مساره؛ لا يقدّس اجتهاداته، ولا يحوّل التجارب السابقة إلى قوالب جامدة، ولا يخلط بين الوفاء للمبادئ والتمسك بوسائل فقدت صلاحيتها.
ثالثاً - الروح الجماعية... من وحدة المقصد إلى قوة الفعل.
لا تتحول قوة الإيمان وعمق الوعي إلى نهضة حقيقية ما لم يجدا حاملاً جماعياً قادراً على تنظيم الإرادات، وتنسيق الجهود، وتدبير الاختلاف، وتحويل الطاقات الفردية إلى قدرة مشتركة على الإنجاز.
والروح الجماعية ليست مجرد شعور بالانتماء، ولا توافقاً عاطفياً حول أهداف عامة، بل هي ثقافة للمسؤولية المشتركة، تقوم على الثقة والتعاون والتكامل، وعلى الاستعداد لتقديم المصلحة العامة على النزعات الفردية والفئوية. وهي تقتضي أن تتحول الوحدة من شعار إلى ممارسة، ومن رابطة وجدانية إلى قدرة على اتخاذ القرار والعمل وتقاسم المسؤولية.
وقد عبّر القرآن الكريم عن هذا المعنى بقوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: 103]، كما جعل التعاون على الخير أساساً للعلاقات الفاعلة، فقال سبحانه: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: 2].
وفي تصوير بالغ الدلالة لقيمة التماسك الجماعي، يقول النبي ﷺ: «الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا»، متفق عليه. كما يقول ﷺ: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ»، رواه مسلم.
ولا تعني الروح الجماعية إلغاء الاختلاف أو تعطيل النقد، بل تعني القدرة على إدارتهما بما يحفظ وحدة المقصد ويثري الاجتهاد. فالجماعة القوية ليست التي تتطابق فيها الآراء، بل التي تستطيع تحويل تنوع الآراء والخبرات إلى مصدر قوة، وتمنع الخلاف من التحول إلى صراع يستنزف طاقتها ويعطل رسالتها.
رابعا - تكامل المقومات الثلاثة: من الإيمان إلى النهوض.
القوة الإيمانية، والوعي الديناميكي، والروح الجماعية ليست عناصر منفصلة، بل حلقات متكاملة في مسار النهوض. فالإيمان يمنح المشروع دافعه ومعناه الأخلاقي، والوعي يحدد اتجاهه ويطور أدواته، والروح الجماعية توفر له القدرة على التنظيم والفعل والاستمرار.
ومن دون القوة الإيمانية قد يفقد المشروع دوافعه العميقة أمام الإحباطات، ومن دون الوعي الديناميكي قد تتحول الحماسة إلى اندفاع غير محسوب، ومن دون الروح الجماعية قد تبقى الأفكار والطموحات حبيسة المبادرات الفردية المتفرقة.
ويمكن أن نضيف إلى هذا التكامل شرطاً حاسماً هو تحويل المقومات الثلاثة إلى إنجاز ملموس، من خلال التخطيط، وحسن التنظيم، والمراجعة المستمرة، والمحاسبة على النتائج. فالتوكل لا يلغي الأخذ بالأسباب، والإيمان لا يعفي من التفكير، والوحدة لا تغني عن كفاءة العمل.
وهنا تتجلى دلالة قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: 11]؛ فالنهوض يبدأ ببناء الإنسان، لكنه لا يكتمل إلا حين تتحول طاقته الإيمانية إلى وعي فاعل، ويتحول الوعي إلى إرادة جماعية منظمة، وتتحول الإرادة إلى عمل يغير الواقع.
النهوض، في جوهره أن نؤمن بما يستحق العمل، وأن نفهم الواقع الذي نريد تغييره، وأن نعمل معاً بكفاءة ومسؤولية لتحقيق التغيير المنشود.