نصوص

تونس : مسلسلات رمضان لم تحترم الحملة الوطنية لمقاومة التدخين،

استاء مسؤولون كبار في قطاع الصحة العمومية لان مسلسلات رمضان لم تحترم الحملة الوطنية لمقاومة التدخين، وهذا يضعنا مرّة أخرى أمام مسألة الكتابة المشروطة، وأمام سؤال استشرافي يتعلق بمستقبل صناعة الدراما في تونس: هل ينبغي وضعُ كراس شروط يضمن انسجام الروايات التلفزيونية مع مختلف البرامج والخطط الحكومية في كل القطاعات؟ لقد نزعت المسلسلاتُ الجديدة

0
11 سبتمبر 2009
مصدر الوثيقة:
الحوار نت
مشاركة

استاء مسؤولون كبار في قطاع الصحة العمومية لان مسلسلات رمضان لم تحترم الحملة الوطنية لمقاومة التدخين، وهذا يضعنا مرّة أخرى أمام مسألة الكتابة المشروطة، وأمام سؤال استشرافي يتعلق بمستقبل صناعة الدراما في تونس: هل ينبغي وضعُ كراس شروط يضمن انسجام الروايات التلفزيونية مع مختلف البرامج والخطط الحكومية في كل القطاعات؟

لقد نزعت المسلسلاتُ الجديدة أغلالَ التردّد وتمرّدت أخيرا على دواعي الحشمة والخوف وجميع العقد النفسية التي طالما كبّلت سابقاتها, فتحدّثت بلغة جديدة صادمة للحياء وخادشة للطمأنينة فاتحة أمام الخيال آفاقا أوسع. وقد خلق هذا الوضع المُـبهج مأزقا حقيقيا يتعلّق بتأثير الصورة في السلوك الفردي والاجتماعي، فمن الثابت علميا أن المتفرّج خصوصا في مرحلتي الطفولة والمراهقة معرّض لتأثيرات الصورة التلفزية وقدرتها على صنع النموذج في السياقين الاشهاري والدرامي ولا معنى عندئذ لنجاح الهياكل الصحية في تخويف الكهول من التدخين بينما يتعلق به كثير من المراهقين بدافع التماهي مع البطل المدخن الذي تحبه الفتيات.

إن هشاشة الخلفية التربوية هي المعضلة الحقيقية، أما أصل القضية وعمقها الاجتماعي ففي التعويل المفرط على التلفزيون في تعبئة الفراغ والتثقيف والتسلية، والثـقة المفرطة فيه وفي التزامه بقول الحقيقة والتنازل له عن كل واجبات التربية التقليدية، إذ تحظى المسلسلات المحليةُ بأولوية شعبية خاصة وباهتمام عائلي كبير وهي عرضة للمشاهدة الجماعية في نطاق الاسرة بما يجعل المضامين الجديدة التي أعطاها مسلسل "مكتوب" منذ السنة الماضية الضوءَ الاخضر، في مواجهة حقيقية مع عادات استهلاكية فرجوية قديمة. لقد كان الكبار دائما مطمئنين إلى انضباط معروضات التلفزة الوطنية ومراعاتها لضوابط أخلاقية صارمة وكانوا على ثقة في أن قناتهم لن تخذلهم ولن تُحمّـلهم ما لا طاقة لهم به، ولم يستعدّوا أبدا لمرافقة أبنائهم عند الفرجة ومحاورتهم بخصوص التدخين والمخدرات والاغتصاب والعلاقات غير الشرعية والحمل خارج مؤسسة الزواج والغش والنصب والتدليس والاحتيال والقمار والتهريب والقتل وبقية المضامين التي لم يعد للمسلسلات التونسية طعم بدونها. كما أنه من الصعب جدا الاستئثار بجهاز التلفزة أو غلقه لاسباب أخلاقية ودوافع تربوية بينما للاباء والامهات شواغل أخرى تبدو آنيا أهم من ذلك بكثير. إزاء هذه الاستقالة المعلنة هل تكفي عبارة "ممنوع عمّن سنه أقل من 12 سنة" في الركن الايمن من الشاشة لتبرئة ذمة التلفزة وإخراج الاسرة من مأزقها الحقيقي؟ وهل يمكن حقا تخيل إمكانية فرض منع التدخين في الواقع التلفزي إرضاء لمصالح وزارة الصحة العمومية والحال أن الواقع الحقيقي يشهد صعوبات خرافية في تحقيق هذا المطمح؟
جميع الحقوق محفوظة لمنصة الذاكرة 2026 ©