نصوص

النهضة بين النجاح والإخفاق: محاولة في التقييم الهادئ

الطاهر بوبحري

47
13 أكتوبر 2026
مشاركة

النهضة بين النجاح والإخفاق: محاولة في التقييم الهادئ

تجربة قصيرة، وظروف ثقيلة

ليست التجارب السياسية مسائل حسابية يكفي فيها أن نجمع واحدًا إلى واحد لنحصل على اثنين. بل إنّ الرياضيات نفسها لا تخضع دائمًا لهذه البساطة: فواحد زائد واحد يُكتب «10» في النظام الثنائي، وقطرتا ماء إذا التقتا صارتا قطرة واحدة. فإذا كانت نتائج الحساب، وهو أدقّ العلوم، تتغيّر صورتها بتغيّر النظام الذي نقرأ به، فكيف بتجربة سياسية خاضها حزب في بلد خارج لتوّه من عقود الاستبداد، وسط إقليم مضطرب وعالم لم يكن كلّه راغبًا في نجاح الديمقراطية التونسية، ومحيط قريب رافض وكائد لها، وفي مجال تتداخل فيه النيّات بالنتائج، وقد يتجاوز فيه أثر القرار الواحد ما قدّره أصحابه؟

ومن الإنصاف أن نقرّ بأنّه لا توجد تجربة سياسية تخلو تمامًا من الإيجابيات أو من الدروس، حتى تلك التي نراها كارثية على البلاد. فتجربة قيس سعيّد نفسها، على ما ألحقته بتونس من أضرار جسيمة، لم تخلُ من بعض ما يُحسب لها، كما سيأتي. وإذا كان هذا شأن تجربة نختلف معها جذريًّا، فأولى أن نتعامل مع تجربة النهضة بالميزان نفسه، فلا نبرّئها من كل خطأ ولا نحمّلها كل خطيئة، بل نسأل بصدق عمّا أنجزته وما أخفقت فيه، وعمّا إذا كانت بعض أخطائها قد أسهمت، من حيث لم تُرد، في الوصول إلى ما نحن فيه اليوم. فالنهضة ليست ملاكًا، وقيس سعيّد ليس شيطانًا، وكلاهما تجربة بشرية تُقاس بأفعالها، لا بالصور التي رسمها لها أنصارها أو خصومها.

ويقول المثل التونسي: «اليد الحارّة تتباس»، أي إنّ اليد التي تضرب بحزم يقبّلها الناس بدلًا من أن يثوروا عليها؛ فالحازم القوي يهابه الجميع ويخضعون له، حتى وإن كان ظالمًا، أمّا الليّن المتردّد فيُستضعف ويُتجرّأ عليه. وهو مثل يلخّص، على قسوته، طبيعة علاقة كثير من الناس بالسلطة، ويفسّر جانبًا ممّا جرى في تونس: فالنهضة التي حكمت ولم تضرب بقوّة لم تنل احترام خصومها ولا رضا قاعدتها، في حين وجد من حكم بيد حارّة من يصفّق له، ولو على حساب الحريات.

شروط التقييم المنصف


كل تجربة، لكي يكون الحكم عليها صادقًا، تحتاج إلى سماع روايتين: رواية أصحابها من الداخل، بتقييمهم وتفسيرهم وأجوبتهم، ورواية منتقديها من الخارج، بما فيها من ملاحظات واعتراضات. ومن اكتفى بإحدى الروايتين فقد حكم قبل أن يسمع.

فالمطلوب ليس أن نحبّ النهضة أو نكرهها، بل أن نفهم تجربتها ونحاكمها بمعايير واحدة نطبّقها عليها وعلى غيرها، وأن نفصل بين ما نعرفه وما نظنّه، وبين ما تثبته الأدلّة وما تروّجه الخصومات.

ونقد النهضة بموضوعية يستوجب استحضار جملة من المعطيات التي كثيرًا ما تُغيَّب عن النقاش.

أوّلها قِصر مدّة الحكم الفعلي. فالنهضة لم تترأّس الحكومة إلا في فترتي السيدين حمادي الجبالي وعلي العريض، وهي فترة لم تتجاوز نحو سنتين، ثمّ سلّمت الحكم طواعية في إطار الحوار الوطني مطلع سنة 2014، في سابقة نادرة في المنطقة العربية: حزب فائز بالانتخابات يتخلّى عن الحكومة حفاظًا على المسار، لا تحت ضغط الهزيمة.

وثانيها الظرف الثوري الذي حكمت فيه. فقد جاءت إلى الحكم في لحظة ارتفع فيها سقف المطالب الاجتماعية إلى حدود لا تستطيع أيّ حكومة تلبيتها في سنوات قليلة، وسقطت فيها هيبة الدولة بكل مكوّناتها: الإدارة والقوانين والمسؤولون، وكذلك المؤسسة الأمنية التي ساءت صورتها لدى الناس بفعل ممارسات امتدّت لعقود، وبفعل ثقافة تكوّن عليها كثير من أفرادها. وكان على حكومتها أن تبني نظامًا ديمقراطيًّا وأن تدير دولة قائمة في الوقت نفسه. ومن يحاكم تلك المرحلة بمقاييس الأوضاع المستقرّة يظلمها.

وثالثها أنّ الحكم لم يكن نهضويًّا خالصًا، بل كان ائتلافيًّا. ففي زمن «الترويكا»، كانت رئاسة الجمهورية ورئاسة المجلس التأسيسي بيد شريكيها، وكانت وزارات مثل المالية والتربية خارج يدها.

ورابعها أنّ بقية سنوات العشرية حُسبت على النهضة في الخطاب السائد، مع أنّ الحزب الذي تحالفت معه بعد 2014، نداء تونس، الذي لم يعمّر طويلًا ثم حلّ نفسه بنفسه، كان يمسك بالرئاسات الثلاث: رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة ورئاسة البرلمان، إلى جانب أهمّ الوزارات السيادية، كالعدل والداخلية والخارجية والمالية. في حين اقتصرت مشاركة النهضة في الغالب على حضور رمزي، كان دافعه الأساسي الحرص على بقاء التجربة الديمقراطية والخشية من وأدها، أمام قوى الجذب إلى الوراء في الداخل وأطراف خارجية لم تُخفِ رغبتها في إفشال التجربة وإبعاد النهضة عن الحكم. وتحميل حزب واحد حصيلة عشرية كاملة ليس قراءة للتاريخ، بل محاسبة انتقائية.

فهذه المعطيات لا تفسّر كلّ إخفاق، لكنّها ليست تفاصيل يمكن حذفها من الحساب. وهي لا تعفي النهضة من مسؤوليتها عمّا شاركت فيه؛ فقبول التحالف قرار سياسي، ومن شارك في الحكم مسؤول بقدر مشاركته. كما أنّ وجود خصوم يعملون على إضعافك لا يجعل كلّ قرار تتّخذه صائبًا، وارتكابك الأخطاء لا يعني أنّ خصومك كانوا على حقّ.

ومع كلّ ذلك، لا يمكن بأيّ حال أن نعصم النهضة من الأخطاء، كما لا يمكن، بالقدر نفسه، أن ننفي إنجازاتها.

ما يُحسب للنهضة



أوّل ما يُحسب لها، وأهمّه، أنّها كانت طرفًا أساسيًّا في بناء مناخ الحريات وفي الحفاظ عليه: حرية التعبير والتنظيم والصحافة والتظاهر، وهي حريات استفاد منها خصومها قبل أنصارها، وبلغ الأمر أن استُعملت ضدّها يوميًّا دون أن تلجأ إلى تقييدها.

ويُحسب لها احترامها لنتائج صناديق الاقتراع، سواء حين فازت أو حين تراجعت، فلم تجعل يومًا بقاءها في السلطة شرطًا لبقاء الديمقراطية. ويُحسب لها كذلك إسهامها، مع شركائها في المسار الانتقالي، في دستور 2014 الذي صيغ بالتوافق بعد نقاشات طويلة، وفي إرساء هيئات دستورية ومستقلة، كالهيئة العليا المستقلة للانتخابات، وفي إطلاق مسار العدالة الانتقالية، وفي تنظيم أوّل انتخابات بلدية حرّة سنة 2018 تمهيدًا للحكم المحلي.

ويُحسب لها، على الصعيد الاقتصادي، أنّ البلاد عرفت خلال فترة حكمها القصيرة، وبعد انكماش سنة 2011، نسبة نموّ قاربت أربعة بالمائة سنة 2012، وهي نسبة لم تبلغها تونس بعد ذلك إلا في سنة التعافي الاستثنائية التي أعقبت جائحة كورونا. وهي أرقام رسمية يمكن لكلّ من يشاء أن يقارن بها أداء الحكومات المتعاقبة على أساس المؤشّرات نفسها، لا بالذاكرة الانتقائية.

ويُحسب لها أخيرًا أنّها لم تحاكم أحدًا انتقامًا، ولم تفتح السجون لخصومها، ولم تستعمل أجهزة الدولة لتصفية الحسابات. لقد حملت ذاكرة لا تنتقم، وهو سلوك نادر لدى من ذاق السجن والمنفى عقودًا.

ما يُحسب عليها

غير أنّ هذه الإنجازات لا تُلغي أخطاء حقيقية، بعضها اعترفت به قياداتها نفسها.

أبرزها ما سُمّي «الأيادي المرتعشة» في الحكم: التردّد في اتخاذ القرارات الصعبة، والإفراط في طلب الرضا، والخشية من أن يُفسَّر كلّ حزم على أنّه عودة للاستبداد. وليس المقصود أنّه كان عليها أن تتسلّط أو تقمع، بل أن تمارس صلاحياتها القانونية بوضوح، دون أن تخشى الحملات أو تهديد التحالفات. فالديمقراطية الناشئة تحتاج إلى الحرية، لكنّها تحتاج أيضًا إلى دولة تُطبّق القانون على الجميع.

ومن ذلك تساهلها مع تجاوزات بعض القيادات النقابية التي وضعت نفسها فوق القانون والمحاسبة. ولعلّ ما كتبه وصرّح به أحد الأمناء العامّين للاتحاد العام التونسي للشغل من أنّهم لم يتركوا الحكومة ترتاح يومًا واحدًا يلخّص المرحلة. فقد شهدت البلاد آلاف الإضرابات، كان كثير منها عشوائيًّا أو سياسيًّا، وكان من نتائجها نفور عدد كبير من المستثمرين ورجال الأعمال الذين أقبلوا على تونس بعد نجاح ثورتها. فالحقّ النقابي مكسب لا يُمسّ، لكنّ الفرق كبير بين إضراب يدافع عن حقوق مشروعة ونقابة تتحوّل إلى سلطة موازية تعطّل الدولة.

ومن ذلك أيضًا تساهلها مع تجاوزات جزء كبير من الإعلام الذي تحوّل، بدلًا من أن يكون سلطة رقابة ونقد، إلى آلة لترويج الأكاذيب وإرباك مؤسسات الدولة وتعطيلها، دون أن يُواجَه بالقانون العادل الذي يحمي حرية الصحافة ويحاسب على الافتراء في آن واحد.

ومنها كذلك تأخّرها في الحزم مع بعض التيارات المتشدّدة في السنة الأولى، قبل أن تصنّف حكومة العريض تنظيم «أنصار الشريعة» تنظيمًا إرهابيًّا لاحقًا. وحتى هذه الخطوة لم تشفع لها عند خصومها، إذ ما يزالون ينكرون ذلك ولا يريدون الاعتراف به. وهو تأخّر نسبيًّا، في ضوء وضع المؤسسة الأمنية ووضع البلاد، استغلّه خصومها كثيرًا.

ومنها أيضًا ضعف قدرتها على إصلاح الإدارة والاقتصاد إصلاحًا عميقًا، فكانت معركتها مع شبكات الإدارة العميقة أشبه بهزيمة بطيئة، لا تُرى في يوم بعينه، لكنّها تتراكم سنة بعد سنة.

ومنها تأخّرها في تجديد قياداتها الداخلية بما يواكب انتظارات قواعدها، والشباب منهم خصوصًا.

ومنها، وهو من أشدّ ما أضرّ بها، ضعف تواصلها ودفاعها عن تجربتها. فقد تركت روايتها يكتبها خصومها، وصمتت أو ردّت متأخّرة على حملات كان يمكن تفنيدها بالوقائع والأرقام، حتى صار كثير من الناس يعرفون عنها ما قيل فيها أكثر ممّا يعرفون ما فعلته.

عقلية «أمّ الولد»

غير أنّ الخطأ الأعمق، في تقديري، يتعلّق بسلوكها السياسي المفرط في الطيبة وحسن الظنّ بالآخرين، وهو ما يمكن أن نسمّيه عقلية «أمّ الولد».

ولمن لا يعرف المثل، فأصله حكاية امرأتين تنازعتا طفلًا، بعد أن سرقت إحداهما ابن الأخرى، فاحتكمتا إلى القاضي. ولمّا لم يجد القاضي سبيلًا لمعرفة الأمّ الحقيقية، طلب منشارًا وزعم أنّه سيقسم الطفل نصفين، فتنال كلّ منهما نصيبها بالعدل. فرضيت المدّعية، أمّا الأمّ الحقيقية فصاحت أن يترك ابنها حيًّا ولو تنازلت عن أمومتها. فعرف القاضي عندها أنّها أمّه التي ولدته.

والشاهد أنّ النهضة تنازلت مرارًا عن حقوقها، وعن أن تحكم بحجمها الانتخابي، مقابل أن تستمرّ التجربة الديمقراطية. لكنّ المشكلة أنّه لم يكن في البلاد قاضٍ بفطنة ذلك القاضي يُدرك معنى التضحية. فقرأ خصومها تنازلها ضعفًا، وقرأته قاعدتها تفريطًا، فخسرت من الجهتين. وتراجع عدد ناخبيها من انتخابات إلى أخرى، من قرابة مليون ونصف المليون صوت سنة 2011 إلى ما يزيد قليلًا على نصف مليون سنة 2019، وإن ظلّت في صدارة المشهد أو قريبة منها في كلّ الاستحقاقات. وكان ذلك دليلًا على أنّ هذه السياسة لم تكن ناجعة في بلد كتونس. فالتضحية لا تصير حكمة لمجرّد أنّ صاحبها قصد بها الخير، بل تُقاس بقدرتها على تحقيق ما قُدّمت من أجله؛ والتنازل الذي لا يبلغ غايته يحتاج إلى مراجعة، لا إلى تكرار.

وزاد الأمر أنّها لم تحاسب أحدًا. وبقدر ما في هذا من حكمة ومن تكريس للحرية، فإنّه جرّأ عليها من يستحقّ ومن لا يستحقّ، في الحكم وفي المعارضة على السواء. فعدم الانتقام فضيلة، أمّا عدم تطبيق القانون فليس فضيلة؛ والعفو عن الإساءة الشخصية شيء، وترك مؤسسات الدولة عاجزة عن أداء واجبها شيء آخر.

وحتى في المعارضة، ظلّت بالعقلية نفسها، تجري وراء أطراف من اليسار والقوميين لجمعها على كلمة سواء لخدمة البلاد، في حين كانت تلك الأطراف تتعامل معها بمنطق المثل التونسي «ڨاتلك ڨاتلك»: فمهما قدّمت النهضة من تنازلات ومبادرات، يبقى العداء ثابتًا لا يتزحزح، ولا تراها إلا أهلًا للإقصاء والنبذ. وهي أطراف لم تكن تملك، لا من حيث طرحها ولا شعبيتها ولا تمثيليتها ولا ممارستها الديمقراطية، ما يجعلها جديرة بكلّ ذلك الاهتمام.

وكان الأولى بالنهضة أن تتحالف مع الديمقراطيين الحقيقيين غير الإقصائيين، وأن تتقدّم نحو شعبها وناخبيها، بدلًا من أن تُضيّع وقتها مع من لم يقبل يومًا بوجودها شريكًا في الوطن، فضلًا عن أن يقبلها شريكًا في الحكم. وكان عليها أن تجعل احترام قواعد المنافسة شرطًا للتعاون، لا مكافأة تمنحها لمن يرفضها؛ فالاختلاف في الأفكار لا يمنع الشراكة، أمّا إنكار حقّ الآخر في الوجود فيهدمها من أساسها.

مقارنة كاشفة: النهضة وقيس سعيّد

(اخترت هذه المقارنة لسببين: لأنّ قيس سعيّد يمثّل الآن البديل أو النقيض لمشروع النهضة، ولخلوّ الساحة من جهة يمكن مقارنتها بالنهضة.)

تكشف المقارنة بين التجربتين مفارقة لافتة، وإن بشيء من المبالغة: يكاد كلّ ما نجح فيه قيس سعيّد يكون ممّا فشلت فيه النهضة، وكلّ ما نجحت فيه النهضة ممّا فشل فيه قيس سعيّد.

فمن الإنصاف أن نعترف بأنّ سعيّد نجح في أمور عجزت عنها حكومات العشرية: فقد أعاد ضبط إعلام انفلت من عقاله، وأعاد الاتحاد العام التونسي للشغل إلى حجمه بعد أن وضعته قيادته فوق القانون والمؤسسات، فقلّت الإضرابات العشوائية والسياسية، واستعاد القانون شيئًا من هيبته. وهذه ليست أمورًا هيّنة.

لكنّه فعل ذلك بكلفة باهظة. فقد خالف ما أقسم عليه في الدستور، وجمّد البرلمان ثم حلّه، وحلّ المجلس الأعلى للقضاء، وأقال الحكومة، وحكم بالمراسيم، ومنها المرسوم 54 الذي ضيّق به على الحريات، فزُجّ بمعارضين سياسيين وقضاة وصحافيين ومدوّنين وغيرهم في السجون. ولم يُركّز المحكمة الدستورية، التي يملك وحده سلطة تكوينها، وكتب دستورًا جديدًا يكاد يكون من صنعه وحده، يحصّنه من كلّ محاسبة، وهمّش البرلمان الذي جاء به، وأخضع القضاء بالإعفاء والنقل والتخويف.

أمّا اقتصاديًّا واجتماعيًّا، فقد غرقت البلاد في أزمة خانقة: قروض ضخمة وبفوائد عالية، ومديونية ثقيلة سترهن الأجيال القادمة، وغلاء لا يطيقه أغلب التونسيين، ونقص في المواد الأساسية والأدوية، ونفور لرجال الأعمال والمستثمرين، وتعطّل في دواليب الإنتاج، وعزلة متزايدة عن المحيط الإقليمي والدولي، وانتشار مقلق للمخدّرات، مع حلول بهلوانية كفكرة الشركات الأهلية، وتكاد كلّ المؤشّرات تكون حمراء.

ومن الإنصاف ألّا تُنسب كلّ هذه الصعوبات إلى سعيّد وحده، فبعضها تراكم قبله، لكنّ من جمع السلطات كلّها في يده يتحمّل المسؤولية الأكبر عن نتائج خياراته.

فوجود أزمة لا يمنح أيّ حاكم تفويضًا مفتوحًا، وتركيز السلطة لا يساوي بناء الدولة، وإسكات الاعتراض لا يساوي حلّ المشكلات، والهدوء الذي يصنعه الخوف غير الاستقرار الذي تصنعه الثقة.

ويمكن أن نختصر هذه المقارنة في خمسة محاور:

* في الحريات: بسطت النهضة الحريات وحافظت عليها حتى حين استُعملت ضدّها، أمّا سعيّد فقد ضيّق عليها بالمراسيم والسجون.

* في القضاء: تركته النهضة يعمل دون أن تستعمله ضدّ خصومها، وإن لم تُفلح في إصلاحه، أمّا سعيّد فقد أخضعه بالإعفاء والنقل والتخويف.

* في المؤسسات: أسهمت النهضة في بناء المؤسسات الدستورية، وإن تعثّر استكمالها، وفي مقدّمتها المحكمة الدستورية، أمّا سعيّد فقد حلّ ما وجده منها وأعاد صياغة الدولة على مقاسه.

* في الاقتصاد: حقّقت البلاد في فترة حكم النهضة القصيرة أعلى نسبة نموّ في العشرية (انظر الجدول أسفله)، لكنّ الإضرابات والفوضى أهدرتا ما كان ممكنًا بعدها، أمّا في عهد سعيّد فقد اجتمع الركود والغلاء والمديونية والنقص في المواد الأساسية.

تظهر الصورة جدولاً إحصائياً يحتوي على نسب مئوية سنوية للفترة من عام 2012 إلى 2025:
2012: 4.2%
2013: 2.4%
2014: 3.1%
2015: 1.0%
2016: 1.1%
2017: 2.3%
2018: 2.6%
2019: 1.6%
2020: -9.0%
2021: 4.7%
2022: 2.7%
2023: 0.2%
2024: 1.6%
2025: 2.5%

* في هيبة الدولة: تساهلت النهضة مع تجاوزات النقابة والإعلام فضعفت هيبة الدولة، أمّا سعيّد فقد أعاد للقانون شيئًا من هيبته، لكن على حساب الدولة الدستورية.

وتختصر هذه المحاور معادلة واحدة: النهضة حفظت الحريات، لكنّها لم تضبط الفوضى، وسعيّد ضبط الفوضى، لكنّه خنق الحريات. والنهضة احترمت الصناديق، لكنّها أضعفت، مع غيرها، هيبة الدولة، وسعيّد أعاد هيبة القانون، لكنّه هدم الدولة الدستورية. النهضة أخطأت حين تساهلت، وسعيّد أخطأ حين انفرد.

والفرق بين الخطأين جوهري: فخطأ الحكومة المتساهلة يمكن تداركه بالانتخابات وتغيير الحكّام، أمّا خطأ من أضعف المؤسسات فيُفقد المجتمع نفسه أدوات التصحيح، فيتحوّل القرار السيّئ إلى مسار طويل يصعب إيقافه.

والدرس الذي ينبغي أن نخرج به أنّ تونس لا تحتاج إلى الاختيار بين الأخطاء السياسية والتعنّت الاستبدادي، ولا بين حرية بلا دولة ودولة بلا حرية، بل إلى دولة قوية بالقانون، حرّة بالمؤسسات. فأخطاء الديمقراطية تُعالج بمزيد من الديمقراطية، لا بإلغائها.

في نظافة اليد

يبقى أمر يستحقّ الوقوف عنده. فالتهم التي وُجّهت إلى قيادات النهضة ظلّت في جوهرها تهمًا سياسية، ولم يثبت في حقّ أيّ منهم، أمام حتى قضائه، فضلًا عن قضاء تتوفّر فيه شروط الاستقلالية وضمانات المحاكمة العادلة، ما يمسّ النزاهة الشخصية من إثراء غير مشروع أو ارتشاء أو استغلال نفوذ. وهذا ممّا يرفع رأس أنصارها ويُحسب لها.

أمّا ما يُروّج منذ سنوات عن التعويضات واليخوت والمصانع والعمارات والمجوهرات والأبقار الهولندية والخرفان الرومانية، فلم يقدّم له أصحابه دليلًا واحدًا يصمد أمام التحقيق، والتحدّي قائم لمن يملك أثرًا من حقيقة: فليسمِّ القرار والمستفيد والمبلغ والسند. وكذلك الشأن في ملفّ الاغتيالات: الحقيقة لا تخشى التحقيق.

منذ سنوات تُروَّج عن النهضة روايات عن تعويضات ويخوت ومصانع وعمارات ومجوهرات، بل عن أبقار هولندية وخرفان رومانية. ومع طول المدّة وكثرة الترديد، لم يقدّم أصحاب هذه الروايات دليلًا واحدًا يصمد أمام التحقيق. والتحدّي قائم لمن يملك أثرًا من حقيقة: فليسمِّ القرار والمستفيد والمبلغ والسند. فالتهمة التي لا تسمّي شيئًا لا تُثبت شيئًا.

أمّا ملفّ الاغتيالات، فقد نُظر فيه في ظلّ قضاء جرى تدجينه وتحويله من سلطة مستقلّة إلى مجرّد وظيفة. ومع ذلك، صدرت الأحكام ولم يرد فيها اسم أحد من النهضة. وهذه وحدها شهادة بليغة: فإذا كان قضاء فقد استقلاليته، وفي مناخ سياسي معادٍ، لم يجد ما يدين به النهضة، فأيّ حجّة تبقى لمن يواصل اتّهامها؟

أمّا القول بالمسؤولية السياسية، فالنهضة لا تتهرّب منها: لقد حكمت في مرحلة انتقالية عسيرة، وقد تكون أخطأت في التقدير أو في التسيير، وهي تتحمّل مسؤوليتها السياسية كاملة. وقد دفعت ثمنها فعلًا، حين غادرت الحكم سنة 2014 عبر الحوار الوطني، وحين حاسبها الناخبون في صناديق الاقتراع. ومع ذلك، فإنّ حكومتها هي التي صنّفت تنظيم أنصار الشريعة تنظيمًا إرهابيًّا في أوت 2013.

لكنّ المسؤولية السياسية شيء، والتورّط الجنائي شيء آخر تمامًا، والخلط بينهما ليس حجّة، بل مغالطة. ففي سنة 2015، ضرب الإرهاب متحف باردو ونزلًا في سوسة، وفي 2016 هاجم بن قردان، والحكومة يومئذ يقودها نداء تونس، فهل خرج أحد ليقول إنّ تلك الحكومة شريكة في الإرهاب؟ وحين ضُربت باريس سنة 2015، هل اتُّهم الرئيس الفرنسي بالتواطؤ مع القتلة؟ بالطبع لا. فإذا كان هذا المنطق لا يُستعمل إلا حين يتعلّق الأمر بالنهضة، فهو ليس منطقًا، بل تصفية حسابات.

والمبدأ الذي ينبغي أن يحكم كلّ الملفات، بما فيها التسفير والتآمر والجهاز السري، واضح: لا إدانة بلا دليل، ولا دليل يُعتدّ به خارج قضاء مستقلّ، ودون تهديد أو ترهيب، وفي محاكمة علنية وعادلة تكشف الحقيقة كاملة للتونسيين جميعًا. وهذا مطلب لا ينبغي أن يختلف فيه مؤيّد ومعارض: فمن يملك الدليل لا شيء يخدمه أكثر من محاكمة عادلة، ومن لا يملكه فلا يحقّ له أن يستمرّ في الاتّهام.

ولو ثبت على أيّ نهضويّ فساد، وجبت محاسبته كغيره، دون أن يحميه انتماؤه. وما يُضعف الثقة في الخطاب السائد أنّ بعضهم يتعامل مع التهمة الموجّهة إلى خصمه كأنّها حكم نهائي، ومع التهمة الموجّهة إلى حليفه كأنّها مؤامرة؛ وهذا ليس انتصارًا للعدالة، بل إخضاع لها للانتماء. والمبدأ نفسه ينطبق على الجميع، بمن فيهم من يحكم اليوم.

خاتمة

ليس المقصود من هذا المقال تبرئة النهضة ولا رجمها، بل وضعها في ميزان عادل، دون أن نجعل أخطاءها ذريعة لتبرير ما هو أشدّ خطرًا على البلاد. فقد أخطأت حين قدّمت حسن الظنّ على الحزم، والتوافق مع من لا يريد التوافق على الوفاء لقاعدتها، والصبر على الفوضى على فرض القانون، وحين لم تحصّن المؤسسات التي أسهمت في بنائها بما يكفي لتصمد بعدها. لكنّها أصابت حين اختارت الحرية على السلطة، والصندوق على الغلبة، والوطن على الحزب.

ولعلّ أعظم شهادة لها اليوم هي هذا الغياب المؤلم لما كان التونسيون يعيشونه دون أن ينتبهوا إليه: أن ينتقدوا الحاكم دون خوف، وأن يختاروا من يحكمهم ثم يُبعدوه بأصواتهم، وأن يناموا دون أن يخشوا طرقًا على الباب في الفجر، وأن يجدوا الماء حين يفتحون الحنفية، والنور حين يضغطون على زرّ الإنارة، كما قال ذلك رئيسها الشيخ راشد الغنوشي ذات يوم.

فكثير ممّن صفّقوا لإبعادها أدركوا، بعد سنوات قليلة، قيمة ما كانوا ينعمون به ولم يقدّروه حقّ قدره. ولكنّهم يكابرون. فالديمقراطية لا تُقاس بما تنجزه الحكومات فحسب، بل بما تتيحه للمواطنين حين تخفق الحكومات.

ومن هنا، فالمراجعة مطلوبة من الجميع: من النهضة أن تقرّ بأنّ حسن النيّة لا يكفي، وأنّ احترام الخصوم لا يعني التساهل مع من يخرق قواعد المنافسة؛ ومن خصومها أن يقرّوا بأنّ إقصاء منافس انتخابي لا يصير ديمقراطيًّا لمجرّد أنّ الخصومة معه قديمة أو عميقة؛ ومن السلطة القائمة أن تثبت أنّ مقاومة الفساد لا تقتضي إخضاع القضاء، وأنّ هيبة الدولة لا تُبنى على خوف مواطنيها.

قلنا في البداية إنّ التجارب السياسية ليست رياضيات. لكنّها أيضًا ليست فوضى، ولا مزاجًا يتقلّب بتقلّب الأهواء. فلها موازين يعرفها كلّ منصف: الحرية، والعدل، واحترام إرادة الناس، ونظافة اليد. وبهذه الموازين وحدها ينبغي أن تُقرأ تجربة النهضة وتجربة غيرها. وليس مطلوبًا من التونسيين أن يتّفقوا على النهضة، ولا أن يتّفقوا معها، بل أن يتّفقوا على حقّهم جميعًا في الاختيار والمحاسبة والتغيير.

والتاريخ لا يُكتب بالأماني ولا الأحقاد، بل بالإنصاف. وتونس التي تتّسع للجميع لن تُبنى إلا بمن يقبل بالجميع.

https://shorturl.at/J16Ic

في الموسوعة

جميع الحقوق محفوظة لمنصة الذاكرة 2026 ©