نصوص

الخطأ الأكبر لحركة النهضة

حبيب المكني

638
23 أكتوبر 2026
مشاركة

الخطأ الأكبر للحركة أنها طلبت الحكم وهي تفتقر للأهلية الذاتية والموضوعية.

تجاهلت أن الدولة وظيفية تتدخل فيها أجندات لا وطنية لتمارس إكراهاتها على الحكومات مهما كانت تشكيلتها.

وتوهمت أن الشعب استعد لاختيار من يحكمه ولاختراق الديمقراطية الممنوعة عالميا وخاصة على الشعوب العربية والإسلامية.

كان عليها أن تستثمر استئناف الدولة لأجندتها التعددية الاحتوائية بعد أن أرهقها الإقصاء في عهد بن علي، استثمارا رشيدا يعيدها إلى حاضنتها الشعبية فتلتحم بالناس من جديد وتحمل همومهم وتتفاعل معهم بهدف ترقية الوعي العام وتزكية النفوس وتقوية المناعة وبغاية أن تترسخ قيم المسؤولية والتضامن والتراحم والانحياز للصالح العام وأن يعلو الحق على الباطل والعدل على الظلم.

وكان عليها قبل ذلك واستعدادا لذلك أن تنظر في حالها ومدى جاهزيتها للاستجابة لتحديات المرحلة الجديدة وهي التي كانت قبل العودة إلى الميدان تشقها خلافات أضعفت وحدتها وانسجامها وهي القادمة من بعيد والخارجة من الإقصاء والتهميش والحصار ما جعل صلتها بواقع البلاد محدودة وبالناس ضعيفة، وهي التي تشكلت منذ نشأتها رافضة أو معارضة للدولة وتشكلت الدولة مناوئة ومستهدفة لها.

كان عليها أن تبدأ بإنجاز مصالحة داخلية وتحل خلافاتها بالعدل والتواضع والتسامح لصيانة وحدتها وتوفير انسجامها وتضامنها.

وكان عليها أن تستكمل نقدها الذاتي الذي أنجزت قبل الانفراج وتعذر إعلانه لأسباب أمنية والذي كان نقدا عميقا ومسؤولا يشرف الحركة بجرأته وصدقه. ولو حينته ونشرته لالتزمت بمخرجاته واسترشدت بتوجيهاته وتجنبت الانحراف ولكسبت مصداقية لدى الخاص والعام.

وكان عليها أن تتمعن وتتثبت في الأسباب التي أدت إلى تغيير منظومة بن علي لتنجز تقديرا دقيقا ورصينا للواقع الجديد من حيث الإمكانات والقابليات وكذلك التحديات والمعوقات، مستعينة بأهل الذكر وبالتنسيق مع الأصدقاء والفرقاء، بدل الانسياق في المزايدة الثورجية والمنافسة الانتخابية وتكريس الاستقطاب والتأسيس للفتنة التي مازال الجميع يكتوي بنارها .

وكان عليها أن تنظر في الآفاق وتدرس المسارات الممكنة لتستعد لكل احتمال وتتمسك بالمواقع التي تحفظ توازنها الذاتي وتماسكها الداخلي وتنمي رصيدها الشعبي وأهليتها للدفاع عن مصالح الناس وحقوقهم.

بدلا عن كل ذلك تورطت النهضة في مأزق الحكم المستحيل فلا حكمت ولا تركت من يحكم فأضرت بنفسها وبالدولة. خسرت نفسها وخسرت الناس وخسرها الناس وخسرتها الدولة كعنصر توازن.

ورغم كل هذا الخسران لا يزال الاعتراف بالأخطاء محتشما ولا يزال الاستعداد للتدارك ضعيفا.

بعض التصريحات والمواقف الدالة على رغبة لدى القيادة في الاعتبار والترشد، تحتاج إلى التأصيل والتراكم والتعميم.

وأهم عبرة ينبغي استخلاصها وجوب الخروج من مأزق الحكم المستحيل حيث جميع الفرقاء السياسيين يتزاحمون على الحكم ويعيق بعضهم البعض وجميعهم قاصر وعاجز عن الحكم.

منذ حكومة محمد الغنوشي وإلى الآن تونس تشكو معضلة اللاحكم وتعاني من غياب الفريق الماسك بزمام الأمور والقائم على مصالح الناس من خلال إدارة مؤسسات الدولة ومقدراتها بالكفاءة والحزم والنجاعة المطلوبة.

ولا مخرج من هذا المأزق ومن هذه العطالة إلا بالتواضع والتواطؤ على خطة إنقاذ تتعبأ فيها الكفاءات الوطنية وتتمتع بدعم وتضامن جل الفاعلين، أحزاب ومنظمات وشخصيات من مختلف الاختصاصات،

بعيدا عن الصراعات والمناكفات وصدا للإعاقات الداخلية والخارجية.

جميع الحقوق محفوظة لمنصة الذاكرة 2026 ©