نصوص

الجزء الثّاني والأخير من الحوار المتميّز الذي أجراه الحوار نت مع الأستاذ بن عيسى الدّمني

الجزء الثاني والأخير من حوار الحوار.نت مع بنعيسى الدمني.

3
1 يناير 2008
مصدر الوثيقة:
بنعيسى الدمني
مشاركة

الحوار.نت : بوصفك أحد مؤسسي الحركة الإسلامية وأحد المنظرين لتوجهها القائم على الجمع بين الإسلام والحداثة كيف ترى مآل وتطور تلك الحركة بعد هذه الفترة الطويلة نسبيا من عمرها؟ هل حافظت على تلك الوسطية التي نشأت عليها أم أن ذلك مهدد بسبب ظهور الصحوة الجديدة أو بسبب التحالف الجديد القديم بينها وبين العلمانيين الذين يشترطون ما يسمونه عقدا ديمقراطيا أرضية للتحالف السياسي؟

الأستاذ بن عيسى الدمني: لا بد من التوضيح ابتداء أن البحث في علاقة الإسلام بالحداثة يحتاج إلى تدقيق لا بد منه: فلو استندنا إلى الحديث النبوي القائل: “إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها” (أخرجه أبو داود في الملاحم، باب ما يذكر في قرن المائة)، واستأنسنا بمضمون الأثر الذي مفاده: “رحم الله امرئا عرف زمانه ثم استقام”، لقلنا جازمين إن صلاح الدين والدنيا معا يتطلب الانخراط في حداثةٍ ما. (ولست أعني بالدين رسالة السماء – فهذه كاملة وخاتمة لما سبقها- وإنما أعني به تمثل تلك الرسالة من قِبل الناس في التاريخ، أو ما يمكن أن نسميه بالتدين). إلا أن الحداثة التي نقصد، من وجه آخر، ليست حالة جاهزة أعدها لنا الآخرون – أعني الغرب – على هيأة نهائية ومكتملة، بحيث لا يزيد دورنا إزاءها على استهلاك منتجاتها و أداء واجب الاحترام والتقديس لقيمها. فلو كان الأمر كذلك، لاقتصر دورنا في التاريخ على التأسي بالغرب واتباع مسيرته الحضارية “شبرا بشبر وذراعا بذراع” من غير إضافة ولا إبداع، ولوقعنا بالتالي في عكس مقتضى الحداثة ذاتها من أكثر من وجه. وهذا هو المأخذ الأساسي على مدرسة لطفي السيد و طه حسين (خصوصا في مؤلفه “مستقبل الثقافة في مصر”) وأدونيس (في كتابه “الثابت و المتحول”). فتقديس حداثة الآخر واستنساخها بعجرها وبجرها في بيئة حضارية غير بيئتها هو في الحقيقة عمل ماضوي واستلابي في آن: هو ماضوي لأنه يقوم على استقدام منجَز تحقق في سياق ينتمي بالضرورة إلى الماضي، بقطع النظر عن مدى قربه من الناحية الزمنية (وتلك من حيث التعريف مفارقة تاريخية (anachronisme ) وهو استلابي لأن هذا الماضي هو ماضي غيرنا وليس ماضينا. مع الإشارة إلى أن كثيرا من العرب والمسلمين الذين فهموا الحداثة بهذا المعنى المذموم – سواءً أكانوا ساسة أو مثقفين– سوغوا لأنفسهم الدعوة إلى المفاصلة مع ماضيهم الحضاري الخاص، ومارسوا عمليا ضروبا من التغريب القسري، في ظل قصورهم عن الرقي بمجتمعاتهم إلى مراتب القدرة الفعلية على إبداع حداثتها بذاتها. وأنىَّ لهم ذلك، وهم الذين ربما لم تتعدّ عقولهم، بحسب ذات منطقهم المتحفظ عليه، منزلة ما قبل فلسفة الأنوار (القرن: 18 م.) أو حتى ما قبل الديكارتية (القرن: 17 م.) في أوروبا.. وتلك مفارقة شنيعة ثانية تشهد عليها في تاريخ المسلمين المعاصر نماذجُ من الاستبداد السياسي تحت عنوان “الحداثة”!..

إن الانسلاخ عن الذات، وانتحال هوية الآخر، واستغلال السلطة فوق ذلك لفرض التغريب (occidentalisation) على شعوبنا العربية والإسلامية، من شأنه أن يوقعنا في محذور إلغاء مبدأين هما من أفضل ما أنتجته الحداثة ذاتها، علاوة على كونهما شرطين ضروريين لأي تقدم حضاري مطلقا، أعني: مبدأ الحق في النقد ومبدأ الحق في الاختلاف. ولعل هذا المحذور هو الذي جعل بعض المفكرين، من أمثال محمد عابد الجابري، يميلون إلى اعتبار “الحداثة” ظاهرة خاصة بالغرب، واعتبار أن غاية ما يمكن القيام به في واقع العرب والمسلمين تحديدا هو “التحديث”، بالمعنى الذي يتناسب مع مفهوم “الإصلاح” في أدب النهضة العربية. ولئن كان هذا الرأي قابلا للنقاش، إلا أن هذا الحيز من الحديث لا يسمح بالاستفاضة في ذلك. وحسبنا الإشارة إلى أنه لا لزوم في المطلق لربط موضوعة الحداثة بمرجعية تاريخية و قيمية وحيدة لا انفكاك عنها. و إلا للزم أن يكون التغريب هو السبيل إليها فعلا، و لوقعنا بالتالي في الاغتراب (Aliénation) الحضاري المرفوض.. بالمقابل، ليس ثمة مبدئيا ما يمنع من تصور حداثة بالدلالة اللغوية المجردة من أي إحالة قيمية، و بتنكير اللفظة لا بتعريفها (لأنها إذا عُرِّفت نُكِّرت، كما يقول النحويون، و العكس صحيح)، وبحيث يكون كل شعب (بالمعنى الأنثروبولوجي) مؤهلا لنشدان حداثته الخاصة التي تنبثق من رحِم ثقافته وتتساوق مع أصوله الحضارية القابلة للانبعاث والتجدد؛ ويترجم ذلك في الواقع على هيأة يمكن أن تكون أرقى من حداثة الغرب على كل صعيد. في هذه الحالة، لن يكون ثمة ما يمنع من أن نأخذ بأفضل ما في حداثة الغرب – علما بأن لدى الغرب كثير مما هو جدير بالأخذ والاقتباس على المستويين التقني والإنساني- وأن نصهر ذلك ضمن بنائنا الحضاري الخاص، بما يخدم مصالحنا الوطنية و القومية ويساعدنا على التقدم، ولا يتصادم مع ثوابت هويتنا وضوابط أخلاقنا. لا بل إن ذلك الاقتباس سيكون من أهم عوامل ربح الوقت وتقليص الكلفة وإثراء الذات. وهذه كلها شروط مطلوب توافرها في أي استراتيجية نهضوية تستهدف البلاد الإسلامية والبلاد النامية بشكل عام. إلا أن ما ينبغي الحذر منه بشدة هو أن يتسرب إلى وعينا، بقصد أو يغير قصد، منطق المركزية الغربية (Occidentalo-centrisme)، على غرار ما هو حاصل لدى بعض المتخلفين من المثقفين العرب الذين يتوهمون أن حداثة الغرب لا تُنتج أبدا إلا الديموقراطية لشعوبها والأمن والسلام للعالم. فهذه فِرْيَة تصادم حجج العقل وشواهد الواقع والتاريخ معا. وإذا كنا نجد للبعض عذرا في عدم الاطلاع والإفادة من اتجاه “ما بعد الحداثة” الذي برز كمحاولة للمراجعة ولتجاوز معايير النمذجة الحضارية، على نحو ما عبرت عن ذلك فلسفة هابيرماس وما كتبه عموم فلاسفة مدرسة فرانكفورت وغيرهم ممن جاؤوا بعدهم؛ فإنه لا عذر في المقابل لمن ديدنُهم إغماض الأعين وصم الآذان عما كرسته حداثة الغرب الراهنة عمليا من تناقض فاجر بين خطاب يرفع مبادئ الديموقراطية وحقوق الإنسان والتسامح والسلام إلى مراتب القيم الكونية العليا، وبين ما أنتجته ذات الحداثة من ظواهر لا تمت إلى تلك المبادئ بصلة: كالاستعمار قديمه وجديده، وتشكل الأحزاب النازية و الفاشية، والحربين العالميتين اللتين تسببت فيهما، وسياسات الغرب الهيمنية والتدميرية في عصر العولمة الراهن… إن عدم وضع هذه الظواهر في الحسبان، ورفض التصدي لها، رغم ما لحق العالم الإسلامي جراءها من كوارث، لا يمكن بحال أن تسوّغه دعاوى الحداثة والتحديث. بل هو موقف لا يُفهم إلا على أنه من قبيل الولاء والعمالة لأعداء الأمة.

والحاصل أن من يبتغي أن يكون حداثي الفكر بحق ينبغي أن يجعل التاريخ أمامه وليس خلف ظهره، وأن يجعل مستقبله بين يديه لا بين أيدي غيره. فلا معنى لحداثة لا تمنح الإنسان كامل الحرية في أن يحقق إنيته دون ارتهان للغيرية، ولا تقر بحق الشعوب في أن تبني نهضتها متحررة من الضغوط السياسية والإملاءات الاقتصادية الخارجية ومن صور الثقافة النمطية ووصفات التنمية الجاهزة. فهل يجوز لنا أن نحلم بشهادة اليوم الذي ينجح فيه المسلمون والصينيون والهنود وغيرهم، كلٌّ من جانبه وباجتهاده، في رفع هذا التحدي، عسى أن تدخل البشرية منعطفا تاريخيا جديدا تتنوع فيه الحداثات بتنوع الهويات، وتتعددُ القوى و الأقطاب بتعدد المصالح والقوميات، حتى لا يستمر مصير البشرية مرتهَنا لإرادة غرب مهيمن؟ إذ لا سبيل إلى تصور أي سلام ولا استقرار في العالم إلا وفق هذا المنظور التعددي والتوازني. “يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا و قبائل لتعارفوا” (سورة الحجرات، الآية: 13): “ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض” (سورة البقرة، الآية: 251). ولا سبيل إلى التوقي من مخاطر الفضاء الاتصالي المعولَم إلا بحماية واقع اختلاف الثقافات في العالم، والانطلاق منه لإرساء ثقافة الاختلاف، وتربية النشء عليها، و إشاعتها بكل الوسائل على أوسع نطاق كوني. ألم تصرَّ فرنسا على مبدأ “الاستثناء الثقافي” لمّا خشيت على هويتها – وهي المنتمية إلى الغرب – من غزو القيم الأمريكية الوافدة على محامل الإنتاج السمعي البصري الداهم؟ فما ظنك بحالنا نحن، ولمّا نصل بعد إلى ما وصل إليه القوم من تقدم و إشعاع… !

لو نظرنا الآن إلى مآل الحركة الإسلامية في ضوء هذه الأفكار التوضيحية، لأدركنا أن تقدمها يدور وجودا وعدما حول مدى حداثتها، بالمعنى الذي أسلفنا. وقد لا يختلف اثنان في أن تنظيماتها في العالم لم تعد تسير بسرعة واحدة: فالتي لم ترتهن منها لماضيها ولم تقف عند ما تعتبره “شرعيات تاريخية”، بل طعّمت نفسها بأجيال جديدة من المفكرين المؤمنين بضرورة إبداع حداثة إسلامية، وفتحت المجال أمام قيادات متوقدة ذكاء ومتشبعة بروح التفتح والتجديد في تعاملها مع الواقع المحلي والعالمي ( مثلما هم الحال تقريبا في تركيا وإيران وماليزيا وإندونيسيا والمغرب)، لاحظنا أنها تقدمت أشواطا هائلة على جميع المستويات وحققت للمشروع الإسلامي في أوطانها من المكاسب ما كان إلى وقت قريب يُعد من قبيل الأحلام، رغم أن بعض تلك التنظيمات حديثة النشأة نسبيا. بينما نرى أن تنظيمات عريقة مثل حركة الإخوان المسلمين في مصر التي تأسست منذ 1928، والتي تشكل حاليا أضخم تنظيم قطري، وتمتلك أكبر كتلة معارضة داخل البرلمان المصري، ولها حضور فاعل في تنظيمات المجتمع المدني، ظلت في المقابل تتقدم بسرعة أقل؛ رغم كونها تتحرك في بيئة اجتماعية وسياسية مهيأة للتغيير، و في ساحة إسلامية عامة تزخر بقامات محترمة في العلم والذكاء والتجديد من قماشة محمد عمارة وطارق البشري ومحمد سليم العوا وفهمي هويدي وعصام العريان (و الأخير قيادي في الإخوان) وكثيرين غيرهم…

لا أخفِي أنني لما اطلعت على جوانب من وثيقة مشروع البرنامج السياسي “للإخوان”، الذي صدر مؤخرا، فوجئت بنزعته المحافظة، وتساءلت في نفسي: أين الاستفادة من علم هؤلاء ومن ذكائهم وروح التجديد لديهم عند صياغة هذا المشروع؟ لكن الأمل يظل قائما في تدارك الأمر إذا علمنا أن الحركة لم تصادق على الوثيقة باعتبارها برنامجا نهائيا، بل طرحتها مشروعا لاستشارة علنية واسعة النطاق. وهذا سلوك ديموقراطي محمود يُحسب لها. والمرجو أن تثمر هذه الاستشارة المفتوحة مراجعات جوهرية تشمل بالخصوص جوانب في البرنامج ذات علاقة بالقانون الدستوري وبمنزلة غير المسلمين في المجتمع الإسلامي تحديدا، وأخرى تتصل ببعض الاختيارات الاقتصادية والاجتماعية. إذ بدون هذه المراجعات، ربما تفقد حركة “الإخوان” في مصر رصيدا لا يستهان به من المساندة حتى في أوساط الإسلاميين أنفسهم، علاوة على أنها قد تبدو متخلفة عن بعض نظيراتها وحتى عن بعض امتداداتها المتطورة في البلاد العربية.

أما الحالة التونسية، فتشهد الأدبيات واللوائح على أن انخراطها في نهج تحديث الفكر والعمل الإسلامييْن كان مبكرا نسبيا. وقد ساعد على ذلك عوامل اجتماعية وثقافية منها: أن نشأة الحركة الإسلامية قد تمت هنا ضمن جيلٍ من الشباب تكوّن داخل مؤسسات التعليم العصري التي حلت محل التعليم الزيتوني في مرحلة ما بعد الاستقلال. فكان رصيده من مناهج العقل وروح النقد وعلوم الإنسان والمجتمع غير قليل. ثم إن الثلة من شيوخ الزيتونية الذين أسهموا في تلك النشأة واحتضنوها – وفي مقدمتهم الشيخان عبد القادر سلامة ومحمد صالح النيفر رحمهما الله – قد تحلى جل أفرادها بروح تحرر وشبابية نادرة. كل ذلك ساعد الإسلاميين التونسيين على أن يكونوا تاريخيا أسبق من نظرائهم في المشرق والمغرب إلى التجديد، لا سيما في مجال الفكر السياسي والاجتماعي. لكنهم لم يفلحوا عمليا في ترجمة أطروحاتهم المتطورة نسبيا إلى واقع اجتماعي وسياسي عيني. ولئن كان لسياسات الحكومات المتعاقبة، ولمسانديها من أنصار مبدأ فصل الدين عن الدولة المنتشرين في الأوساط المثقفة وفي عموم الطبقة السياسية التونسية، دور ثابت في ذلك؛ فإن ما ارتكبته “حركة النهضة” من أخطاء استراتيجية منذ أواخر الثمانينات قد أوقعها في مأزق حاد وحرمها والمشروعَ الإسلامي عامة من تحقيق ما بشرت به. وقد شكل هذا المآل في أعين كثير من الشباب التائق إلى التغيير دليلا عمليا ليس فقط على إخفاق تنظيم “النهضة” وإنما على إخفاق خيار التحديث داخل الحركة الإسلامية، وما تولد عنه من نزعة للمشاركة السلمية والقانونية بشكل عام. وكان ذلك سببا في تقهقر الساحة الإسلامية العامة، وتسرب أساليب متنافرة من التفكير والعمل إليها؛ تنوعت بين المحافظة الفكرية، والتصوف الانعزالي، والتشدد التكفيري، والخروج المسلح، والتشيع المذهبي. لكنّ حاصلَ الرأي عندي أن طبيعة البيئة التونسية الطاردة تاريخيا للغلو، من جهة؛ وثبات أبناء “حركة النهضة” على النهج المدني السلمي، من جهة أخرى؛ إضافة إلى الانكماش الدراماتيكي السريع الذي اعترى الظاهرة المسماة بـ “السلفية الجهادية” بعد أحداث مدينة سليمان الدامية التي مر الآن عليها أكثر من عام؛ كل ذلك قد جعل الساحة الإسلامية التونسية تتجه اليوم تدريجيا إلى استعادة توازنها و تقليص تشتتها والاستواء وسطيا داخل المجتمع المدني للإسهام بدور ما في عملية الانتقال إلى الديموقراطية.

ولست أرى داعيا، في هذا السياق، لتوجس بعض الإسلاميين خيفة من التنسيق والتعاون مع بقية الفعاليات والتنظيمات السياسية والمدنية المعارضة، بغاية صياغة عقد ديموقراطي جامع يساعد على أن يتم هذا الانتقال سلميا؛ خصوصا وأن التجربة قد بينت أن هذا العمل لا يمكن أن ينهض به طرف سياسي بمفرده. فأيّ مبادرة لتنسيق الجهود إنما تمثل فرصة ثمينة لتجاوز واقع التشتت في صفوف قوى المعارضة الحقيقية، وإطارا عمليا للحوار وبناء جسور الثقة، في المدى الراهن. وهي، فوق ذلك، من الضمانات العملية التي تكفل عدم تنكب أيّ طرف عن مستلزمات الديموقراطية أو انقلابه ضدها، في المدى البعيد. على أن غاية هذا المسعى التنسيقي ينبغي أن تكون هي الوصول إلى اتفاقِ حدٍّ أدنى يصلح لأن يشكل أرضية عمل مشترك، دون حرمان أيّ طرف شريك من إثبات خصوصيته فيما زاد على ذلك، والمضيّ في إنجاز مشروعه الفكري الخاص.

الحوار.نت : إذا كنت مع الرأي القائل بأن الحركة الإسلامية في تونس تأخرت ـ سواء بسبب المحن أو لأسباب أخرى ـ عن استكمال مشروعها الثقافي الفكري العام الذي يمكن أن يكون أساسا لبديل حضاري يساهم في تجديد الفكر الإسلامي ومواكبة فريضة الإجتهاد.. إذا كنت كذلك فهل يمكن أن تحدد لقرائنا الكرام أهم العناوين التي تتطلب إستكمالا وما هي المنهجية الأوفى في رأيك لملامسة ذلك الإستكمال؟

الأستاذ بن عيسى الدمني: إذا نظرنا إلى الحركة الإسلامية من منظور كونها حزبا سياسيا بالمعنى الحديث للكلمة، يكون إنجاز البرنامج السياسي أوْلىَ، في رأيي، من الاشتغال على الجانب الفكري الخالص. لأن البرنامج يمثل أداة لازمة وقاعدة عمل أساسية لأي حزب بهذا المعنى. فهو الذي يتضمن مبادئ الحزب و أهدافه و وسائل عمله، و ما يطرحه على الرأي العام من حلول و مقترحات للنهوض بالبلاد سياسيا و اقتصاديا و اجتماعيا و ثقافيا. وعلى أساسه يكون الانتماء السياسي، وبه يخاض الصراع وتتم المشاركة. لذلك فإن اقتحام أيّ حزب ساحة السياسة بدون برنامج من شأنه أن يجعله أسير العموميات والمتشابهات والغموضُ، ويفتح الباب أمام أعضائه ومناصريه لمباشرة ضروب لا حصر لها من التأوّل في الفهم والارتجال في العمل. ولنا أن نتخيل ما قد ينجر عن ذلك من ارتباك وتناقض في المسار العام، ومن تصدعات داخلية وصراعات عبثية مع السلطة ومع عموم المخالفين.

على أن الصفة السياسية للحركة الإسلامية لا تنزع عنها مرجعيتها الدينية. وهذا هو منطلق الإشكال الذي يحتاج إلى معالجة فكرية واضحة: إذ ليس يكفي الحركة أن تحدد هويتها بنسبتها إلى الدين الذي تشترك فيها مع كافة مكونات المجتمع (والحديث هنا عن مجتمع تونس المسلم تحديدا، حيث لا نعلم أن تنظيما مدنيا أو سياسيا أعلن تخليه عن هذا الدين علنا، اللهم إلا أفرادا معدودين لا اعتبار لهم ولا شأن لنا بهم). ثم إن الصفة الإسلامية قابلة لتحديدات عديدة قد تتعارض فيما بينها كلما اقتربنا من المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية. فلا مناص إذن من توفير قدر محترم من الوضوح، دون المطالبة بأن تتحول الحركة إلى مركز دراسات فكرية. فلا مهماتها الأصلية تقتضي ذلك، ولا هي ذاتها بقادرة عليه.

ولئن قطع الإسلاميون في تونس شوطا لا بأس به في اتجاه توضيح رؤيتهم الفكرية ومنهجهم الأصولي، إلا أن الالتزامات العملية والمحن التي تعرضوا لها قد حالت دون أن يستمروا في ذلك الاتجاه، تطويرا لما أُنجز، واستكمالا للمشروع حتى يشمل الجوانب الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي ظلت ثقافتهم السائدة بشأنها مجملة في اختيارات مبدئية هي إلى البلاغات وإعلانات المبادئ العامة أقرب منها إلى الفكر المنهجي المؤصل، مما تسبب في ظهور شتى المواقف والنزعات غير المنسجمة. وهنا لا بد من القول بصوت أرجو أن يكون مسموعا: إنه ما عاد من اللائق ولا من المقبول أن يظل أبناء الحركة الواحدة، وأحيانا قياديوها، إلى اليوم، على غير اتفاق بينهم فيما يتعلق بهوية حركتهم: أهي “حزب سياسي” أم “دعوة دينية”، أم “حركة مجتمع”؟ و هل هي مدنية التوجه أم غير ذلك؟…

ويقيني أن السبب الأساسي لهذه الاختلافات، التي تتردد أصداؤها من حين إلى آخر، هو الاضطراب المفهومي والاصطلاحي الحاصل في الأذهان نتيجة لعدم صدور الجميع عن أساس فكري واحد مكتمل الصورة. ولا يفوتني التنبيه إلى ضرورة أن يكون لأهل الذكر والتخصص المعرفي الدور الأول في الخروج من هذه الوضعية. مع الإشارة إلى أن ما أنجزه بعض السادة العلماء والمفكرين والمهتمين بالمسألة النظرية، في داخل الحركة الإسلامية وفي محيطها العام، من دراسات وبحوث قيّمة، بجهد منفرد، هو من الأهمية بحيث يصلح لأن يكون مادة أساسية لاستكمال المشروع الفكري الجماعي وتطويره، لو توافر المناخ السياسي المناسب؛ إذ لا يخفى أن الفكر لا ينمو عادة في أجواء الصدام.

ومن المسائل التي ظلت تحتاج إلى بحث معمق وإلى مراجعة، تحت عنوان الفكر السياسي، أذكر بخاصة:

– علاقة الدين بالدولة (فإذا كان من الغباء الفكري أن يطرح بعضهم سؤال: “هل في الإسلام دولة؟”، على اعتبار أن الجواب بالإيجاب مفروغ منه، سواء بالرجوع إلى مباني النصوص ومعانيها، أو بالرجوع إلى تجربة التاريخ في كل مراحلها؛ فإن السؤال الوجيه الذي يتطلب جوابا معمقا هو: ما نوع الدولة التي تكون أكثر وفاء لأحكام الإسلام وأكثر تعبيرا عن مقاصده؟ أنا على تمام الاقتناع بأنها دولة مدنية بلا شك. وإذا كان هذا لا يعني تبني مبدأ فصل الدين عن الدولة، فإنه لا مندوحة عن بيان أوجه التمييز الواضح بين المجالين الديني والسياسي على الصعيد المؤسسي، وعلى صعيد التخصص الوظيفي).

– إشكالية الإسلام والديموقراطية (إذا كانت الشورى مبدأ إسلاميا عاما، فإن الديموقراطية بمعناها الإجرائي المعاصر، المجرد من كل شحن مذهبي أيديولوجي، هي أفضل آلية تطبيقية لهذا المبدأ في المجال السياسي –أو لنقل، تحريا للدقة، إنها أقل الآليات سوءًا–).

– الشريعة و القانون (لا بد من التأكيد على الصفة الرسالية (الجوهرية) للشريعة، وتمييزها عن الصفة التاريخية (العرَضية) للقانون: فالشريعة، باعتبارها جزء من الرسالة، ليست مجرد مدونة أحكام أو وصفة تشريعية جاهزة للتطبيق على هيأة نمطية واحدة أيا كان الزمان والمكان والحال. فصلاحيتها لكل زمان ومكان لا يلزم عنها البتة تبنى هذه النظرة الميكانيكية القاصرة. لا شك أن الشريعة تتضمن أحكاما ثابتة. لكنها، في حقيقتها الشاملة، تنطوي أيضا على قيم عامة وأصول كلية؛ وهي تتشوف إلى مقاصد ينبغي استجلاؤها باستقراء مستفيض للنصوص؛ ثم إن كثيرا من أحكامها عام يحتاج إلى تخصيص أو مجمل يحتاج إلى تفصيل أو مطلق يحتاج إلى تقييد. مما ينبغي معه النهوض بجهد منهجي دقيق، يتم في جدل مع الواقع، وفق مقاييس الاجتهاد وشروطه العلمية، بغاية تطبيق الأحكام على الوقائع. وينبغي أن يضطلع بهذا الجهد رجال تتوافر فيهم شروط العلم والخبرة والخلق القويم. ولا يمكن تصور القانون إلا من هذا المنظور وضمن هذه الآلية. فالإقرار بمرجعية الشريعة في أي مجتمع ينتسب إلى الإسلام لا ينفي عن القانون صفته التاريخية اللازمة (بكل ما يعنيه ذلك من خصائص العرَضيّة والنسبية والقابلية الدائمة للتغيّر بتغير الأزمنة والأمكنة والأحوال).

وبهذا المعنى، يمكن أن ننظر إلى الشريعة باعتبارها المثال الأعلى الذي يقدّم صورة نموذجية عن المجتمع الفاضل. و ما أظن أحدا ينكر البون الشاسع بين ذلك المثال الرسالي و بين واقع المسلمين الراهن على جميع المستويات. لا بل إن هذا البون سيستمر أبدا، ما استمر التغاير قائما أنطولوجيا بين المثال والواقع،، بين الدين والتدين،، بين الإسلام والفكر الإسلامي،، بين الحقيقة والتاريخ. وهذا ما اقتضى النسخ عند تنزيل القرآن، والتيسيرَ في التكاليف الشرعية، وغير ذلك من أوجه التبشير بدل التنفير، وأوجه رحمة الله بالعباد، مما يحفل به الكتاب والسنة. وإلا فما الحكمة من قول الله تعالى: “فاتقوا الله ما استطعتم” (سورة التغابن، الآية 16)؟ وما الحكمة من قول رسول الله صلى الله عليه و سلم: “إن هذا الدين متين فأوغلوا فيه برفق”؟ أو قوله: “ما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم…”؟ فنحن بقدر ما نؤمن بالكتاب كله ونتعبد بنصوصه جميعا ونرفض تعطيل أيّ حكم من الأحكام الشرعية الثابتة، فإننا نرى أن إنزال بعض الإسلاميين مبدأ “تطبيق الشريعة” منزلة البرنامج السياسي، هو أقرب إلى إعلان معتقد (Une profession de foi) منه إلى البرنامج العملي المستند إلى فقه صحيح.

و لا بد من التنويه، في هذا الصدد، أن موقف الشيخ يوسف القرضاوي القائل بضرورة إعطاء الأولوية للمطالبة بالحرية بدل المطالبة بتطبيق الشريعة، كان خطوة متبصِّرة في تاريخ الفكر الإسلامي المعاصر، على اعتبار أن الإسلام في جوهره هو رسالة تحرر شاملة “من ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، ومن عبادة العباد إلى عبادة رب العباد” وفق عبارة الصحابي الجليل ربعي بن عامر رضي الله عنه، وعلى اعتبار أن الطلب الأول الذي كان الرسول صلى الله عليه و سلم يواجه به أصحاب النفوذ والسلطان في عصره كان: “خلوا بيني و بين الناس”. وما ينبغي التفكير فيه استصحابا لهذه الخطوة المستنيرة هو بيان أن تطبيق الشريعة لا يجوز أن يكون مسؤولية حزبٍ بعينه، يلتزم بمقتضى صفته الإسلامية بأن يفرضه على المجتمع فرضا، من أعلى، بمجرد ظفره بالسلطة. وأن التكليف بأحكام الشريعة موجه إلى جماعة المسلمين الحرة وليس إلى حكومة إكراه. وعليه، فإن غاية ما يمكن لأي حركة إسلامية أن تقوم به هو الانطلاق من واقع دولتها الراهن، ومن الأوضاع القانونية القائمة فيها، والاجتهاد في تطوير كل ذلك تدريجيا، بهدي من الشرع الحنيف ووفق ما يستجيب لمتطلبات المرحلة التاريخية التي تعيشها – علما بأن الأوضاع القانونية في أكثر البلدان الإسلامية، هي في الأعم الغالب غير متعارضة مع أحكام الإسلام ومع مقاصده في الجملة –.

– سلطة علماء الشريعة وآليات مراقبة دستورية القوانين (المطلوب تحت هذا العنوان بلورة صيغة لمراقبة دستورية القوانين تكفل الصفة المدنية للدولة الإسلامية، وتنحصر ضمن هيئة متكونة من ذوي الخبرات والاختصاصات المتنوعة. وإذا كان من اللازم أن تضم هذه الهيأة الدستورية بين أعضائها علماءَ دين من ذوي الكفاءة العالية، فإن الأصل إسلاميا أن تتأدى وظيفة علماء الدين عبر مؤسسات المجتمع المدني وفي كنف الحرية التامة، لا أن تنحصر في أقنية الحكومة والأجهزة الرسمية. وذلك صونا لاستقلال العلماء من أي هيمنة سلطوية، من جهة، وحماية للمجتمع من أي تسلط ثيوقراطي غريب عن الإسلام، من جهة أخرى).

أما عنوان الفكر الاجتماعي والاقتصادي، فتندرج تحته جملة من المسائل يتمحور جلها حول مسألة العدالة الاجتماعية. فقد اضطربت الأذهان في مقاربة هذه المسألة في السنين الأخيرة بفعل تراجع النظرية الاشتراكية، رغم تفوق نزعتها الإنسانية مبدئيا، وبفعل تفوق العالم الرأسمالي ماديا وصولة قيم العولمة الكاسحة. وهنا تجدر الإشارة بمنتهى الاختصار إلى أنه لا يمكن أن يعد إسلاميا، في نظري، أي فكر اجتماعي يستند إلى المرجعيات الرأسمالية سواء في صيغتها الأصلية التي وضعها “آدم سميث” و“ريكاردو” في القرن التاسع عشر الميلادي، أو في صيغتها الليبرالية المحدَثة. فكلا الصيغتين معا يقوم على مبادئ المنفعة والربح والاحتكار، ويستهين بمبادئ العدالة والمساواة والكرامة الإنسانية، رغم براقع الحرية الزائفة. ولنا في النص المرجعي الإسلامي وفي تراثنا الفكري الغزير غُنيَة عن ذلك: إذ فيهما من الثراء ما يصلح لأن يكون منطلقا لرسم مفردات فكر اجتماعي إسلامي ينتصر للعمل باعتباره قيمة، وللكادحين باعتبارهم قوة محركة للمجتمع وللتاريخ، وللمرأة باعتبارها مساوية للرجل في الحياة وصنوا له في الدين – عملا وجزاء –؛ دونما خشية من الوقوع في سلبيات الاقتصاد الموجه، وعسف المركزية السياسية، وتفسخ “الأخلاق البروليتارية”، وغير ذلك من مساوئ أنتجها الأنموذج الغربي للاشتراكية في وجهها الشيوعي. فالمسلم اليوم ما عاد في حاجة إلى كارل ماركس حتى يفهم مساوئ الرأسمالية، ويواجه مظالمها في مجتمعه، ويجد الحلول حتى للكوارث التي تسببت فيها على الصعيد الكوني الماكرو اقتصادي لا سيما في زمن العولمة الراهن، حيث تعاني الشعوب الفقيرة من اشتعال أسعار الأغذية والمواد الأولية، ويعاني ثلاثة مليارات من البشر، يعيشون على أقل من دولارين يوميا، من غائلة الفقر، ويموت ما بين 26 و30 ألف طفل يوميا بسبب الجوع، ويُحرَم 1,6 مليار نسمة في العالم (أي حوالي ربع الإنسانية) من الكهرباء؛ بينما يعيش الغرب الرأسمالي رخاء اقتصاديا بلغ حد التخمة الفاحشة.

ومن العناوين التي أرى من اللازم صياغة تصور جماعي بشأنها في مجالي الاقتصاد السياسي والعدل الاجتماعي:

– العلاقة بين رأس المال وقوة العمل (الملكية بين التخصيص والتعميم – حجم المبادرة الحرة ودورها في العملية الاقتصادية).

– دور الدولة الاجتماعي (واجب الدولة في التغطية الاجتماعية وفي دعم مواد العيش الأساسية).

– المجتمع المدني وآليات التكافل الأهلي.

– المرأة والمجتمع (المنزلة القانونية للمرأة – المرأة والعمل السياسي).

الحوار.نت : كيف يرى الأستاذ بن عيسى تأثير العولمة في تونس؟ هل لها من إيجابيات تذكر؟ ماهي؟ ما هي أكبر سلبياتها؟ كيف يمكن مواجهة ذلك؟ وماهي أسباب اختراق العولمة بآثارها المدمرة للمجتمع؟ هل هي أسباب ذاتية أم موضوعية؟

الأستاذ بن عيسى الدمني: من المفيد أن نذكِّر بأن واقع العولمة هو محصلة مسار تاريخي حديث أخذت مفاعيله في التكاثف عبر السياسات الاقتصادية، ولا سيما المالية والتجارية، التي اعتمدتها البلدان الرأسمالية الكبرى منذ ثمانينات القرن الماضي، بدءً بـ “برنامج التعديل الهيكلي” S.A.P. الذي أملاه البنك الدولي وصندوق النقد الدولي على بلدان العالم الثالث (ثم على بلدان أوروبا الشرقية بعد تحولها إلى الرأسمالية) لإجبارها على إعادة هيكلة اقتصاداتها المحلية باتجاه الخوصصة كشرط أساسي لإقراضها المال وإعانتها في مجال التنمية،، ومرورا باتفاقية “الغات” G.A.T.T.، ووصولا إلى “المنظمة العالمية للتجارة” O.M.C. حاليا.

وكانت الابتكارات العملاقة في المجال التكنولوجي، لا سيما في المجال الاتصالي والمعلوماتي، حاسمة في تسريع وتيرة هذا المسار وإدخال الكون إلى حقبة العولمة. فقد مكنت تلك الابتكارات البلدانَ الرأسمالية الكبرى، وفي المقدمة منها الولايات المتحدة الأمريكية من تقوية اقتصاداتها المتقدمة أصلا، واكتساح الأسواق العالمية، والاستئثار بالهيمنة كونيا على هذا القطاع الحيوي. وأمكن لهذا القطب الدولي المتخفف لتوه من أعباء الحرب الباردة، بعد انهيار المعسكر الاشتراكي، أن يستغل تفوقه الإنتاجي في المجال السلعي ليفرض إرادته السياسية والعسكرية، ومن ثم قيمَه الثقافية والاستهلاكية على بقية الأمم. وهذا ما أحيى فلسفة الاستعمار لدى الغرب بصيغ جديدة، بعد أن كنا نظن أنها قد ولّت بلا رجعة. فكما كان يُطلب من شعوبنا في القرن 19 أن تُسلم قيادها للاستعمار الأوروبي، بدعوى “رسالته التمدينية”، ها هم دهاقنة العولمة يطلبون إلى الجميع اليوم الامتثال لشروط مؤسسات المال الدولية و“لقوانين السوق” التي تفرضها التروستات الأمريكية والشركات الاحتكارية الكبرى في العالم؛ ويفرضون على الكافة الاستسلام لإرادتهم؛ لا بل الانخراط في حروبهم، تحت شعار “مقاومة الإرهاب” و“نشر الديموقراطية”. الأمر الذي بات يشكل خطرا عاما على سيادة الأوطان وعلى الاقتصادات المحلية ومنظومات القيم الاجتماعية والخصوصيات الحضارية لجميع بلدان العالم وأممه تقريبا، وخصوصا الأمة الإسلامية التي نحن من ضمنها.

ولئن أمكن لمجتمعنا أن يستفيد، كغيره من المجتمعات النامية أو الصاعدة، ببعض المنتجات والخدمات التي توافرت في ظل هذا الواقع المعولم، إلا أن ذلك لا يتم في الغالب في إطار تبادل متكافئ، بل يتم باعتبارنا مستهلِكين وليس باعتبارنا منتجين. وليس خافيا ما ينجر عن هذه الوضعية من كلفة مالية باهضة (في ظل اختلال الميزان التجاري الفادح لفائدة البلدان العظمى) ومن اختراقات أكثر فداحة على الصعيدين الاجتماعي والحضاري (في ظل اكتساح المنتوج الثقافي الغربي غبر الفضاء الاتصالي المعولم). فكما أننا في مجال السلع والمال نشتري أكثر مما نبيع وندفع أكثر مما نقبض؛ فإننا في مجال القيم ننفعل بالآخرين – وبعضُهم أعداؤنا – أكثر مما نفعل فيهم، ويصنعنا التاريخ أكثر مما نصنعه. وتلك منزلة دونية لا تليق بحاكم ولا بمحكوم، بل تضع الجميع أمام تحديات حضارية ومصيرية، وتتطلب إرساء ثقافة إجماع وطني لا تشوش عليها المنازعات الأيديولوجية والسياسية والمصلحية الضيقة. فالبحث عن سبل الخلاص من مخاطر العولمة لا يتم إلا وفق خطة استراتيجية واضحة وبعيدة المدى، وضمن فضاءات وطنية جامعة. وإذا كان لهذا الخلاص عناوين ثابتة من قبيل “توطين العلوم والتكنولوجيا” و“بناء الصناعة الوطنية” و“التحرر من التبعية الاقتصادية” و“النهوض بالتربية” و“إرساء قواعد الحكم الراشد” و“ضمان الأمن القومي” و“الاكتفاء الغذائي” و“الحفاظ على الاستقلال” و“توفير الفضاء الإقليمي الموحد”، فإن المسألة تستلزم بالتالي معالجةً جماعية في إطارٍ يتجاوز ليس حدود أحزابنا فقط، بل حدود أقطارنا أيضا… والله المستعان.

الحوار.نت : بوصفك أحد رجالات التعليم في مادة فكرية تعنى بطلب الحكمة وتعليمها الشباب المتأهب لتسلم مشعل قيادة البلاد في المستقبل. ما هو تقييمك الإجمالي للتعليم في تونس ما بعد الاستقلال سيما من حيث مساهمته في حفظ هوية البلاد ودعم خياراتها التنموية نحو العدل والنفع وما هو الدور المطلوب من مادة الفلسفة بصفة خاصة في معالجة الوضع العام للبلاد؟ وما هو تعليق الأستاذ بن عيسى بمناسبة الحديث عن التعليم في تونس على كون بورقيبة نشر المدارس الابتدائية في كل مكان من ربوع البلاد النائية وبعد موته أغلق عدد غير يسير منها (مناطق في ولاية قفصة منذ خمس سنوات مثلا) بسبب عدم وجود ناشئة تؤمها وربما ستغلق مدارس أخرى أبوابها في المدى المتوسط بسبب حصد تونس في كل عام لجائزة العالم في تحديد النسل؟

الأستاذ بن عيسى الدمني: لا شك أن تعليم الفلسفة بالسنتين الأخيرتين من المرحلة الثانوية هو أحد أوجه العقلانية التي تميز البرامج التعليمية في تونس. ولئن كان هذا الأمر إيجابيا من منظور تنمية الموارد البشرية، لما له من أثر إيجابي على تنشئة الأجيال على التفكير المنهجي الحر وغرس بذور العقل النقدي فيهم، إلا أن ذلك، على أهميته، ليس كافيا للحكم على مجمل الأداء التعليمي في البلاد. فهذا الأمر يحتاج إلى تقويم أشمل وأكثر تفصيلا. وإذا كان من غير الممكن في حديث مختصر أن نجري مثل هذا التقويم على مدى أكثر من نصف قرن، فحسبنا أن نشير إلى أن ما يشاع عادة من كون مكاسب التعليم في تونس هي ثمرة لإلغاء نظام التعليم الزيتوني منذ أواخر الخمسينات ليس أمرا دقيقا. صحيح أن المناهج الزيتونية كانت في حاجة إلى الإصلاح والتعصير في أواسط القرن الماضي – علما بأن عدة محاولاتٍ قامت في هذا الاتجاه، منها برنامج الإصلاح الذي دوّنه الشيخ محمد الطاهر بن عاشور رحمه الله في كتابه “أليس الصبح بقريب” – إلا أن تعلق همة القيادة العليا لحزب الدستور بالنموذج الثقافي الغربي واستهجانها لكل ما كان يمت بصلة للزيتونة هو الذي حال دون الإبقاء على ذلك النظام التعليمي وتطويره من الداخل، رغم أن تلك القيادة لم تكن قادرة عن الاستغناء كليا عن رجالاته في عملية بناء التعليم الجديد. فهي إذا كانت قد استبعدتهم من المناصب السياسية العليا، إلا أنها كانت في أمس الحاجة إلى خدماتهم الجليلة في مجال الوظيفة العمومية لا سيما في قطاعات مهمة مثل الإدارة والقضاء. فكما كان للزيتونيين أياد بيضاء في مجال بناء الدولة الوطنية، وإن لم يكن ذلك على مستوى القيادة، فإن التعليم في مرحلة ما بعد الاستقلال لم ينطلق قط من فراغ، بل استفاد كثيرا من الكادر البشري الزيتوني الذي اضطلع بدور أساسي في وضع المناهج وتدريس اللغة العربية وشتى العلوم الإنسانية الأخرى، في المستويين الابتدائي والثانوي على وجه الخصوص. وقد كان لهذا الكادر التدريسي مزيّة عظمى في صيانة هوية البلاد الثقافية والتقليل من أضرار التغريب الداهم من بوابات المدارس والجامعات الحديثة. وهذا ما يغفل عنه بعض دارسي تاريخنا المعاصر. ذلك أنه ما كان لطواقم “التحديث”، المحدودة من حيث العدد، أن تضطلع لوحدها بمهام التربية وقتها. وإن إصرار دولة الاستقلال على تدريس العلوم الدقيقة وبعض العلوم الإنسانية كالفلسفة والتاريخ والجغرافيا باللسان الفرنسي قد استلزم الاستنجادَ في تلك المرحلة برجال تعليم فرنسيين وفق نظام للتعاقد حمّل ميزانية البلاد تكاليف مالية باهضة، قبل أن تبدأ سياسة التعريب في عهد الوزير محمد مزالي في أواخر السبعينات. لكن، من جهة أخرى، ينبغي أن نذكر أن العهد البورقيبي قد استثمر كثيرا في هذا القطاع الذي كان تمويله يستأثر بربع ميزانية الدولة تقريبا. وهو أمر يحسب لفائدة الدولة في تلك المرحلة، سواء بما توافر من بنية أساسية منتشرة على امتداد تراب البلاد، أو بما تأهل من كادر بشري متعلم كان له دور أساسي في النهوض بأعباء إدارة عامة لم تكن بالغة السوء في الجملة، والحق يقال. وقد ساهم انتشار التعليم في الأرياف وفي الأوساط غير المحظوظة اقتصاديا في إحداث تغييرات على التركيبة الاجتماعية للبلاد. فغدت المعرفة – خصوصا في العقدين التاليين للاستقلال – سبيلا إلى ارتقاء كثير من أبناء الطبقات الدنيا وأبناء صغار الفلاحين في السلّم الاجتماعي وفي سلّم الوظائف العمومية (وحتى في مجال الخطط السياسية بالنسبة إلى التكنوقراط). وتشكلت بذلك “بورجوازية جديدة صغرى ومتوسطة”، بالتعبير اليساري، مِيزتُها الأساسية أنها ذات رأس مال معرفي. و كانت تلك الفئات الصاعدة تتمركز بشكل ملحوظ في الأحياء الجديدة الفاخرة التي أخذت في التشكل حول العاصمة والمدن الكبرى (مثل المنازه وغيرها). وما كان لتلك التحولات الاجتماعية أن تحدث لولا اضطلاعُ دولة الاستقلال الناشئة بالدور الأكبر في تشغيل خريجي التعليم، بمن فيهم أولئك الذين لم يستكملوا دراساتهم العليا أو حصلوا على شهادات دون الباكالوريا كشهادات التعليم التقني، وتقنية الاقتصاد والتصرف T.E.G. ، وتقنية الاقتصاد والإدارة،T.E.A. أو حصلوا حتى على مؤهلات مهنية أدنى (ثلاث سنوات بعد الشهادة الابتدائية)، نظرا إلى حاجة الدولة الملحة في تلك المرحلة إلى الكادر الوظيفي الصغير والمتوسط. ورغم أن التعليم لم يكن إجباريا، إلا أن مجانيته من ناحية، وما كان يفتحه من آفاق تشغيل وارتقاء اجتماعي من ناحية أخرى، كانا من أهم أسباب إقبال الفئات الشعبية على إرسال أبنائهم إلى المدارس والجامعات، والتضحية في سبيل ذلك. أما الآن وقد نص التشريع التونسي على إجبارية التعليم، فقد صرنا نلحظ على العكس من ذلك تراجعا خطيرا لقيمة العلم والتعلم في أذهان العامة، تترجمه ظاهرة الانقطاع المبكر عن التعليم في صفوف البنات والبنين لعدة أسباب منها عدم القدرة على تسديد نفقات التعليم الباهضة، وحاجة الأسر الفقيرة أحيانا إلى تشغيل أبنائها حتى قبل أن يبلغوا سن السادسة عشرة، لمجابهة ضرورات الحياة؛ في ظل تراجع الدور التشغيلي للقطاع الحكومي لفائدة القطاع الخاص الذي لا يقدر هو الآخر على استيعاب كل حاملي الشهادات. (فقد جاء في دراسة حديثة قام بها البنك الدولي تحت عنوان: « The road not traveled : Education Reform in the Middle East and North Africa » نشِرت بتاريخ: 4 فيفري/شباط 2008، أن نسبة العاطلين عن العمل من حاملي الشهادات في تونس تبلغ 42 بالمائة من مجموع العاطلين. وبذلك تكون هذه النسبة هي الأعلى في بلدان المغرب العربي، وفق ذات المصدر). فلا عجب، ضمن هذه الوضعية، أن يزهد كثير من الشباب في ارتياد المدارس مرددين شعار “تقرأ وإلا ما تقراش، المستقبل ما ثماش” (وهذا ما قد يفسر ما أشرت إليه من غلق بعض المدارس في بعض الجهات، إضافة إلى أسباب أخرى طبعا)،، وقد اقترن كل هذا بانتشار ظواهر “البيزنس” و”الشو- بيز” ومختلف أساليب الربح السريع من مثل الاحتراف الرياضي وألعاب الحظ التي صارت تستهوي قطاعات متزايدة من الشباب وتشكل محط آمالهم وأمانيهم،، هذا في حال لم تساورهم فكرة خوض غمار البحر سِرّا نحو بلدان الشمال طلبا للرزق طبعا. بالإضافة إلى هذه المشاكل الوظيفية التي يرتبط كثير منها بعلاقة التعليم بسوق الشغل، يواجه التعليم في تونس تحديات أخرى نابعة من صميم هيكليته ومناهجه ومقرراته، نذكر منها:

– تدني المستوى العام: فشهادة الباكالوريا التونسية مثلا، كانت في عقود الاستقلال الثلاثة الأولى من أكثر الشهادات اعترافا بها في جامعات العالم، وذلك لكفاءة المتحصلين عليها ومتانة تكوينهم وقدرتهم على متابعة تعلمهم بنجاح في أعرق الجامعات الأوروبية والأمريكية وغيرها. وكانت تلك إحدى نتائج الاستقرار النسبي لنظام التعليم في ظل قانون الوزير محمود المسعدي الذي استمرت فاعليته من 1958 إلى أول التسعينات من القرن الماضي. لكن الآن، وبعد أن دخلنا منذ عهد الوزير محمد الشرفي دوامة ما سمي بإصلاح التعليم، ثم إصلاح الإصلاح، و إصلاح إصلاح الإصلاح… ! وخصوصا بعد اعتماد نظام احتساب 25 بالمائة من نتائج العام الدراسي في حساب نتيجة امتحان الباكالوريا، فقد اهتز ذلك الاستقرار، وكان ذلك على حساب الكفاءة، وصرنا بالتالي نسمع عن تزايد البلدان الأجنبية التي لا تعترف جامعاتها بالباكالويا التونسية، بل تطالب حاملي هذه الشهادة بالخضوع لاختبار محلي، أو باجتياز الباكالوريا الأجنبية، حتى تتثبت من مستواهم المعرفي.

– توقف سياسة تعريب التعليم خصوصا بالنسبة إلى العلوم الدقيقة في منتصف الطريق، مما أثر سلبا على مستوى استيعاب التلاميذ لهذه العلوم وعلى مدى امتلاكهم للغة في آن. فقد صار من النادر أن نجد تلميذا أتم دراسته الثانوية يحذق واحدة من اللغات التي تعلمها في المدرسة بما في ذلك لغته العربية الأم. لأن العلوم الطبيعية والرياضيات مثلا يتم تدريسها باللسان العربي طوال مرحلة التعليم الأساسي، ثم ما إن يتم الانتقال إلى المرحلة الثانوية حتى تصير لغة تدريسها هي الفرنسية. بحيث صار من الشائع أن تجد تلاميذ الاختصاصات العلمية بالسنوات النهائية من التعليم الثانوي يتلعثمون حتى في النطق ببعض الأرقام، ناهيك عن سلاسة التعبير، باللغة الفرنسية التي ستكون هي المعتمدة في تدريس العلوم الدقيقة والرياضيات في المرحلة الجامعية. ولا يخفى ما لهذا الاضطراب من آثار سلبية على شخصية الأجيال المقبلة وعلى شعورهم بالانتماء. ولست أرى من مبرر مقبول لتوقف عملية تعريب التعليم في منتصف الطريق رغم توافر الكادر البشري القادر على مواصلتها في المرحلتين الثانوية والجامعية، ورغم وجودِ تجاربِ تعريبٍ ناجحة يمكن الاستفادة منها في الوطن العربي لو توافرت الإرادة السياسية لذلك.

الحوار.نت : ما رأيك في نظرية تقوم على الجمع بين الإنفتاح الإقتصادي في الدولة الواحدة والبلد الواحد وبين الإنغلاق السياسي؟ هل أن ذلك ممكن وبأي شروط وما هي مخاطره؟

الأستاذ بن عيسى الدمني: لو رجعنا إلى التاريخ القريب، لأدركنا أن ما يسود حاليا من انفتاح اقتصادي، لا سيما في البلدان الفقيرة والنامية، لم يكن دائما قد حصل بمحض اختيار أنظمة الحكم فيها أو نتيجةً لتطورات خصوصية حدثت داخل البنى المجتمعية والثقافية لتلك البلدان. فكل الأنظمة المعنية بهذه الظاهرة تقريبا، في إفريقيا وآسيا تحديدا، سبق لها أن اعتمدت السياسات الاشتراكية بصيغ مختلفة، واستبسلت في تبريرها والدفاع عتها. لا بل إن بعضها قد حاولت حتى أن تبتكر لنفسها نظريات اشتراكية على مقاسها الخاص، في محاولة لتقديم نفسها على أنها صاحبة رأي في المسألة ! مجاراة منها لتيار عالمي عام ساد الحقبة التي كان فيها المعسكر الاشتراكي قِبلة للعالم الثالث، خصوصا في ستينات القرن العشرين و ردح من سبعيناته. لكن ذات الأنظمة لم تلبث أن انقلبت على اختياراتها الأولى أمام تفكك الاتحاد السوفييتي وتحت وطأة الضغوط الاقتصادية والسياسية الجديدة التي مارسها الغرب. ولأن تحولها إلى ما يسمى “الاقتصاد الحر” كان اضطراريا ومحكوما بمنطق التبعية وآلياتها، فقد انحصرت تداعياته في حدود الاقتصاد السياسي ولا سيما في مجالي المال والتجارة، دون مجال الحكم. إذ ظلت أغلب تلك الأنظمة مستمسكة بما ورثته عن الحقبة الماضية من نهج سياسي مركزي وأحادي. ومن ثم تشكل صلبها هذا التركيب الهجين بين انفتاح اقتصادي فرضه الأمر الواقع الدولي، وبين أسلوب منغلق في الحكم. وهي إن لم تبرر استبدادها صراحة بحاجة التنمية إلى “الأمن والاستقرار”، وحاجة الإصلاح الاقتصادي إلى ما تسميه “حزما سياسيا”، تلطيفا للعبارة،، فإنها في أحسن الأحوال تلجأ إلى استخدام الانفتاح في خطابها كمفردة تضليلية تجمّل بها وجهها السياسي. ويستثنى من هذه المفارقة المفضوحة أنظمة كانت أكثر جدية من غيرها في الانتقال نحو الديموقراطية، ينتمي أغلبها إلى أمريكا اللاتينية.

على أن النتائج التنموية الهزيلة التي حققتها البلدان التي هذا شأن أنظمتها كانت كفيلة ببيان أن الانفتاح الاقتصادي لا يؤتي أكله في أجواء الانغلاق السياسي. لأن هذه الأجواء لئن وفرت أمن الحكومات فإنها بالمقابل لا توفر دائما أمن المواطنين، ولا تنجح باستمرار في حماية أصاحب رؤوس الأموال من ظواهر القرصنة المالية والرشوة والمحسوبية ومن السرقات الحقيقية والمقنعة التي تجد في واقع الاستبداد خير مناخ للتفشي. وهذا لعمري من أخطر عوامل الانكماش الاقتصادي وحتى الانهيار أحيانا. علاوة على مخاطر الاحتقان السياسي والاجتماعي التي تظل دائما مسلطة كسيف ديموقليس على الممتلكات والمنشآت الخاصة والعامة في ظل احتمالات ردود الأفعال الشعبية والانتفاضات العنيفة وغير المنضبطة، نتيجة لانعدام الأقنية التي من المفروض أن تؤطر التعبير الاجتماعي والسياسي ديموقراطيا.. وما أحداث كينيا عنا ببعيدة.

وفي المقابل، يمكن أن نلاحظ أن البلدان النامية التي قرنت انفتاحها الاقتصادي بانفتاح سياسي نسبي (مثل البرازيل، و تركيا، و ماليزيا، و جنوب إفريقيا، و الهند) قد تحولت إلى بلدان صاعدة، وتفوقت على نظيراتها في مجال التنمية الاقتصادية بالخصوص. فهل من معتبر؟

الحوار.نت : آخر سؤال للأستاذ بن عيسى : هل تذكر لقرائنا الكرام أطرف موقف مر بك في حياتك وأعسر مشهد جرى عليك أو أمام عينيك في حياتك.

الأستاذ بن عيسى الدمني: ربما يكون أحد أطرف المواقف التي عشتها قد تم في أحد فصول الدرس منذ عدة سنوات مع جمع من التلاميذ كانوا يزاولون تعلمهم بأحد المعاهد الثانوية الخاصة تهيؤا لاختبارات الباكالوريا. فبينما كنت منهمكا في بيان مبدأ السببية ضمن دراسة مبادئ المنطق الأرسطي، أزعجني ما لاحظت من شرود أذهانهم وانشغالهم عن الدرس همسا بوقائع دورة مباريات كرة القدم. لكن ما إن سمعني أحدهم أنطق بعبارة “لكل معلول علة”، حتى همس لزملائه قائلا: ”انتبهوا..الأستاذ يتحدث عن معلول !” (وقد كان أحد نجوم كرة القدم في تلك الفترة يُدعى نبيل معلول). فوجم الجمع وركزوا الانتباه تشوفا إلى معرفة علاقة معلول بدرس الفلسفة. لكن هذا التركيز ما لبث أن انقطع بمجرد أن أدركوا من سياق الكلام أن “المعلول” الفلسفي لم يكن “معلول” الذي يعرفون. آنذاك ضحكوا وضحكتُ. لكنه كان ضحكا كالبكاء على حال جيل ينفق أولياؤه كل غال ونفيس من أجل تعليمه، لكن وسائل الإلهاء والتخدير تزج به في متاهات الضياع كل يوم.

أما الحدث الأقسى على نفسي، فقد كان بلا شك وفاة أخي وصديقي منذ عهد التتلمذ: الأستاذ عبد الرؤوف العريبي أثناء اعتقاله في مطلع التسعينات. فقد كان حبل التواصل الأخوي بيننا متينا على امتداد عقدين من الزمن تقريبا. فعرفت فيه، رحمه الله، فوق كونه أستاذا للشريعة وأصول الدين، مثال المناضل الصادق، الجامع بين مبدئية المواقف وسعة الثقافة ورهافة الحس والتفتح الفكري والتوق الدائم إلى التجديد. عرف المنافي الأوروبية وهو في العشرينات من عمره، وبعد عودته إلى أرض الوطن عانى من التضييق وحُرم من الشغل ومن حقوقه المدنية، دون أن يفت ذلك في عضده أو يدفعه إلى التخلي عن اتزان أفكاره واعتدال سلوكه… لقد فُجعت بوفاته في تلك الظروف القاسية؛ ولا أزال أشعر أنني فقدت بغيابه صاحبا عزيزا، وأن البلاد قد خسرت بفقدانه وصحبه الذين توفوا في ظروف مشابهة نخبة من أخلص الكفاءات الوطنية. رحمهم الله جميعا.

الحوار.نت : شكرا للأستاذ بن عيسى الدمني على ما أولانا به من حوار صريح.

(المصدر: موقع “الحوار.نت (ألمانيا) بتاريخ 18 ماي 2008)

الرابط: http://www.alhiwar.net/1/demni.htm

بن عيسى الدمني قيادي سابق في حركة الاتجاه الإسلامي:

جميع الحقوق محفوظة لمنصة الذاكرة 2026 ©