الأستاذ بن عيسى الدمني في ضيافة الحوار.نت
حوار أجرته شبكة الحوار.نت مع بنعيسى الدمني حول الحركة الإسلامية ومشروعها الفكري.
- 1 يناير 2008
- مصدر الوثيقة:
- بنعيسى الدمني
حاوره: الهادي بريك ( الحوار.نت ـ ألمانيا ).
من هو الأستاذ بن عيسى الدمني :
ــ من مواليد : 1956 بمدينة رأس الجبل بالشمال التونسي.
ــ متزوج و له أبناء.
ــ أستاذ في الفلسفة متخرج من الجامعة التونسية.
ــ من مؤسسي حركة النهضة التونسية ( الجماعة الإسلامية ثم الإتجاه الإسلامي سابقا ) ومن قياداتها الأوائل.
ــ هو من أوائل من تعرض للتعذيب من الإسلاميين في مخافر وزارة الداخلية و ذلك في شهر ديسمبر/ كانون الأول من عام 1980 تحضيرا لأول هجمة شاملة شنتها السلطة ضد الحركة.
ــ يعد الأستاذ بن عيسى من منظري الحركة الإسلامية في تونس.
ــ تحمل مسؤوليات تنظيمية وحقوقية وإعلامية كثيرة منها عضوية الهيأة المديرة للرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، و رئاسة تحرير جريدة الفجر (لسان حركة النهضة) قبل وأدها عام 1990.
ــ معروف بهدوئه الكبير ودماثة خلقه و اهتمامه الفكري و الثقافي.
ــ تعرض للسجن والتعذيب أكثر من مرة بسبب انتمائه لحركة النهضة بدء من محاكمة القيادة عام 1981 حيث قضى في السجن ثلاث سنوات ونيف، و انتهاء بمحاكمة القيادة مرة أخرى من قِبل محكمة أمن الدولة عام 1987 حيث قضى في السجن عامين آخرين تقريبا.
نص الحوار :
الحوار.نت : أستاذ بن عيسى مرحبا بك ضيفا كريما على موقعنا الحوار.نت.
الأستاذ بن عيسى الدمني: أهلا و سهلا. و حمدا لله على سلامتكم. هذه فرصة سعيدة تتيحونها لأشكركم على الجهد الإعلامي الذي تبذلونه. و أسأل الله تعالى أن يسدد خطاكم و يوفقكم. وأنا إذ أكبر في منبركم التزامه بالدفاع عن الحريات الفردية و العامة و عن حقوق المهمَّشين و المضطهَدين في ربوعنا، فإني آمل في أن يظل هذا المنبر متفتحا باستمرار على كل أصحاب الإرادات الخيّرة و العاملين المخلصين من أجل الوطن و الأمة، و من أجل كرامة الإنسان مطلقا.
الحوار.نت : بعد فترة تأمل وهدوء طويلة تميزت بإبتعادك عن الحراك اليومي بما قد يسمح لك بمراقبة الوضع العام في تونس من زاوية هادئة هل يمكن أن تطلع قراءنا الكرام ولو بإختصار على أهم محاصيل ذلك التأمل وأبرز خلاصات تلك المراقبة؟
الأستاذ بن عيسى الدمني:قد يخيَّل لمن يستمع لسؤالك أنه موجه إلى إنسان قد استوفى شروط المواطنة، واستكملت بلاده شروط الديموقراطية والرقي، فرَكَن إلى التأمل الهادئ ومراقبة الأوضاع من بعيد. والحال أن شيئا من هذا أو ذاك لم يكن: فأنا ما زلت أحلم باليوم السعيد الذي أبلغ فيه مرتبة المواطن الذي يحصل على حقوقه كاملة مثلما يؤدي واجباته كاملة. واقع الحال أنني لم أغادر منزلة " المُساكِن " (cohabitant)، و إن شئت فقل: منزلة " دافع الضرائب " التي أُرغِمت عليها لأكثر من ربع قرن، أي منذ سنة 1981، تاريخ أول حكم صدر ضدي بالسجن بسبب نشاطي السياسي. فمنذ ذلك التاريخ، ظللتُ على مر الأيام و السنين ضحية للتهميش والإقصاء والحرمان من الحقوق المدنية والسياسية (وليس أقلها الحق في مباشرة الشأن العام، والحق في التنقل إلى الخارج – علما بأن آخر مطلب أودعته لدى مصالح الأمن للحصول على جواز سفر قد مر على تقديمه أكثر من عام، دون أن أتلقى أي جواب عليه إلى حد اللحظة) علاوة على بقية الحقوق الاقتصادية والاجتماعية الأخرى (وأهمها الحق في العودة إلى شغلي الأصلي في ميدان التعليم العمومي). مع الإشارة إلى أن القضايا السياسية التي صدر فيها ضدي أحكام بالسجن ترجع كلها إلى العهد البورقيبي، أي أنه قد مضى على صدور تلك الأحكام أكثر من عشرين سنة؛ وكان من المفروض، فوق ذلك، أن أستفيد قانونيا من " العفو التشريعي " الذي تم سَنه بعد انتخابات عام 1989 الشهيرة. لكنك " تسمع جعجعة ولا ترى طِحنا ". ولا تمثل وضعيتي الشخصية إلا عينة من وضعيات كثيرة مشابهة، تعكس كلها ما آل إليه حال الحريات في تونس راهنا. و إذن فكيف يتسنى لمَن يحيى في ظروف من هذا القبيل، خصوصا إذا كان قد نشأ على قيم التلازم بين الإيمان والعمل الصالح، بين القول والفعل، أن " يبتعد عن الحراك اليومي " كما تقول، أو أن ينقطع بالكلية إلى التأمل على الطريقة الديكارتية؟ أنا لا أبرِّئ نفسي من أي تقصير عملي. ولكني مع ذلك لست من أنصار استراتيجية الصدام الدائم. ولقد ازددت اقتناعا، بعد المأزق الذي تردت فيه تجربة الإسلاميين وتجربة حركة الإصلاح عموما في تونس (ولست أعني أن نظام الحكم وحلفاءه ليسوا في مأزق)، بأن الحكمة باتت تقتضي ترك عقلية استسهال الأمور واستعجال النتائج والاستخفاف بالآخرين؛ والانخراط بدل ذلك في عمل مدني طويل المدى، دون الاستهانة بأيّ طاقة بشرية أو بأيّ جهد مهما بدا أوليا أو ضئيلا. " فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره " و " لا يحقرنّ أحدُكم شيئا من معروف ". لا سيما أننا إزاء واقع قد فعلت فيه قرون الانحطاط والاستبداد ما نعلم، وأنه ليس من السهل على من يعيش داخل وطنه في الظروف الراهنة أن يمسك بطرفي معادلة الكد المضني من أجل البقاء، والسعي إلى الإصلاح، في ذات الوقت. لكن ما لا يُدرَك كله لا يُترك جله، كما يقال. ثم هل نحن بحاجة إلى التذكير بأن همّ السياسة لا ينبغي أن يشغل عن هموم الثقافة والاجتماع؟ خصوصا بالنسبة إلى من أوصدت في وجهه أبواب العمل السياسي، بينما ظلت أبوابُ الفكر وباقي أعمال الخير مفتحة كثيرا أو قليلا. على أن السنوات الأخيرة لم تخل من دروس وعِبر أفدتُها: من ذلك، ليس على سبيل الحصر طبعا، أنه قد ترسّخ لديّ اقتناع قديم بأفضلية المنهج المدني القانوني والتدريجي في العمل الإسلامي. فقد أكدت الأحداث أن هذا المنهج المنسجم مع مبادئ الإسلام ومقاصده هو الذي يتساوق مع اتجاه التاريخ ومع خلاصة الخبرة البشرية المعاصرة: حيث نلحظ اليوم توجها كونيا عاما نحو صحوة الشعوب ونجاحها المضطرد في فرض إرادتها على حكوماتها بالوسائل المدنية التي لا تعوزها القوة والفعالية (والتحولات التي تحصل في هذا الاتجاه في بلدان أوروبا الشرقية وأمريكا اللاتينية مثلا هي مادة ثرية للاعتبار)؛ لا بل إن "العنف الثوري" ليبدو أمام هذا المنهج مغامرة مراهقة. ولقد تابعت بكثير من الاهتمام والتقدير النجاحات التي حققتها عدة حركات إسلامية في العالم بانخراطها في المنتظم القانوني والتزامها معايير الديموقراطية والأساليب المدنية في التغيير. وأنا لا أتحدث هنا عن نجاحات بالمعنى الحزبي المحدود، أي بحساب المقاعد والمواقع السياسية "المربوحة" فحسب- و إن كانت ذات اعتبار- وإنما أتحدث خصوصا عن نجاحات في التسيير والأداء التنموي الاقتصادي والاجتماعي والثقافي، وما رافق ذلك من وئام سياسي وانصراف إلى خدمة القضايا الحضارية الكبرى، على نحو ما هو حاصل في بلدان مثل ماليزيا وتركيا وإندونيسيا؛ وبدرجات أقل في المغرب والكويت وبلدان أخرى تسير على ذات الدرب. ولست أشك في أن تلك النجاحات قد عادت بالفائدة على عموم المجتمعات التي تنتسب إليها تلك الحركات. ولا أخال الأنظمة التي أتاحت المجال لتلك التجارب إلا مرتاحة لنتائجها. وهذا ما كنت أتمنى حدوثه في بلدي منذ زمن، حيث كانت مناداة الإسلاميين بالديموقراطية مبكرة نسبيا، وارتفعت أصواتهم للمطالبة بتعددية حزبية لا تستثني أحدا، وبضمان نزاهة الانتخابات، وباحترام أحكام صناديق الاقتراع، أيا كان الفائزون، منذ مطلع الثمانينات. لكن جرت الرياح بما لم يشته السفِن، وتم التفويت في أكثر من فرصة تاريخية كانت ستعود على المجتمع كله بنفع عميم. وفي مقابل ما ذكرت من صور مشرقة، قدّمت تجارب إسلامية أخرى في العالم أكثر من دليل ميداني على فساد منهج العنف الذي أوقع أصحابه – بسبب تعجلهم وعدم واقعيتهم وخطآِ رؤاهم واضطراب موازينهم، رغم صدق النوايا في الغالب – في مآزق وفتن تراوحت بين اشتباك شامل مع أنظمة محلية، وأحيانا مع تنظيمات شعبية ذات مصالح مناقضة، (ولا يخفى ما نتج عن ذلك الاشتباك في بعض البلدان من هرج ومرج ومحن وعموم بلوى)؛ وبين حروب مفتوحة مع بعض القوى العظمى وأحيانا مع المجتمع الدولي بأسره، دون أن يحرز المشتبكون أي تقدم حقيقي على طريق التغيير، اللهم إلا تغييرا بخلاف القصد. وهذا مآل لا يسر صديقا ولا يغيظ عدوا. (وتُستثنى من المشهد الأخير، بكل تأكيد، حركات التحرر الوطني: فهذه لها أحكامها الخاصة، لأن المحتلّ الأجنبي إذا حل بأرض المسلمين تكون مقاومته، بكل الوسائل الممكنة، فريضة يمليها الدين، وواجبا وطنيا تحميه الشرائع والقوانين الدولية).
الحوار.نت : علمنا أنك تخصص للكتابة وقتا غير قليل من حياتك فهلا أطلعتنا على بعض من ذلك : ما هي محاوره وعناوينه وهل سيرى النور قريبا وهل يتضمن ذلك تدوين تجربتك الثرية في الحركة الإسلامية وما شابها من محن وفعل خير؟
الأستاذ بن عيسى الدمني:في الواقع أنا حاليا أخصص من الوقت للقراءة أكثر مما أخصص للكتابة، علّني أواكب الكم المعرفي الهائل الذي ينتجه العقل البشري بشكل متزايد يوميا. وأنا أشعر دائما بأنني في منزلة المتعلم. لكن هذا لم يحُلْ دون نشر بعض الدراسات التي أنجزتها في السنوات الأخيرة. وتتركز مجالات اهتمامي حاليا – بالإضافة إلى المستقبليات – على الفكر الفلسفي الذي هو ميدانُ تخصصي الأصلي، وعلى الترجمة. و لعل الله ييسر قريبا نشر مادة في هذا المضمار. أما فيما يخص تدوين تجربتي في الحركة الإسلامية، فأنا أقدّر أن ذلك ليس الآن من الأولويات. وعلى أية حال، فإن هذه التجربة تبقى متواضعة، سواء بالنظر إلى محدودية مداها الزمني أوبالنظر إلى عدم اكتمالها. لكنني مقتنع في المقابل بوجاهة كتابة تاريخ التجربة الجماعية وبضرورة تقويم مسارها العام.
الحوار.نت : بعد مضي فترة طويلة نسبيا يلحظ المراقب للشأن التونسي أن التحدي الأكبر ربما هو هو لم يتغير. أي : مشروع إصلاحي إسلامي يتعرض لتحديين كبيرين : عصا الإستبداد من جهة وثقافة علمانية متحكمة في كثير من مواقع السيادة والريادة والتوجيه من جهة أخرى. كيف ترى ذلك وكيف تفسره؟ أم أن تحديات أخرى أكبر شأنا يراها الأستاذ بن عيسى؟ ماهي؟
الأستاذ بن عيسى الدمني:من خلال التجربة الميدانية، وبالرجوع إلى معطيات التاريخ القريب، يتضح أن التحدي الأساسي الذي يواجه المشروع الإسلامي وعموم مشروع الإصلاح في تونس حاليا يكمن في قابلية المجتمع للاستبداد أكثر مما يكمن في الاستبداد ذاته. فأنا أمْيَل إلى الظن أن معضلة الأمة الراهنة لم تعد تكمن في قابليتها للاستعمار، كما كانت في السابق، على نحو ما صور ذلك بحق المفكر الجزائري مالك بن نبي رحمه الله، عندما حلل ظاهرة الاستعمار المباشر. فالشعوب الإسلامية – ولا أتحدث البتة عن بعض أنظمة الحكم أو النخب السياسية الهامشية – قد تطورت روحها التحررية كثيرا منذ ذلك العهد. والشاهد عل ذلك أنها لم تستقبل المستعمر العائد من بوابة المشرق إلى أرض أفغانستان (في نسختيه: السوفييتية ثم الأمريكية-الأطلسية) والعراق والصومال مثلا بالورود، كما كان يحلم، ولا هي استسلمت حاليا لما يرتكبه الصهاينة كل يوم من جرائم قتل واستيطان وحصار وتجويع في فلسطين، ولا انكسرت إرادتها أمام آلة الدمار الإسرائيلية في لبنان. فوقائع المقاومة في كل تلك الربوع في تصاعد مستمر، ونتائجها تبشر بكل خير.. لكن المعضلة الأكبر تبقى قائمة كلما تعلق الأمر بالإصلاح الداخلي، حيث ظلت شعوبنا على العموم قابلة للاستبداد نتيجة لعوامل تاريخية ومجتمعية مركبة رسخت في وعيها الجمعي ثقافة الاحتراز من الفتنة. وذلك مثلا ما تعكسه عبارات متوارَثة جرت على ألسن العامة وحتى الخاصة مجرى الأمثال كقولهم: " ملكٌ غشوم خير من فتنة تدوم " أو قولهم باللهجة التونسية: " شد مشومك لا يجيك ما أشوَم "...
إن حال النظام عندنا لا يختلف نوعيا عن أحوال عموم الأنظمة العربية أو الإفريقية مثلا. لكن نلاحظ أن مستويات الانفتاح السياسي ودرجات الانتقال الديموقراطي في ظل كثير من تلك الأنظمة هي أفضل مما هو موجود هنا. إذن، كيف نفسر الفارق إن لم يكن ذلك باختلاف الديناميات الاجتماعية والمدنية؟ أنا أميل إلى أننا في تونس أمام تحد مجتمعي مزدوج يكمن تحديدا في تظافر عاملين اثنين هما: التصالح الشعبي مع ثقافة الخضوع من جهة، وسوء أداء الهياكل المدنية والجمعوية من جهة أخرى. ولكل ذلك عوامله الاجتماعية – الثقافية وحتى التاريخية: ومن المفيد الاستذكار، في هذا الصدد، إلى أن تاريخ تونس الحديث في مجال المقاومة، حتى ضد الاستعمار، لم يكد يعرف ثورات شعبية تصاعدية مسترسلة، بقدر ما شهد انتفاضات متقطعة ومحدودة في الزمان وفي المكان، وأحيانا في الأثر: (انتفاضة علي بن غذاهم: 1864، انتفاضة الزلاج: 1911، أحداث الشهداء: 9 أفريل/نيسان 1938، الانتفاضة العمالية: 26 جانفي/يناير 1978، انتفاضة مدينة قفصة: 1980، انتفاضة الخبز: 4 جانفي/يناير 1984…). والمستفاد من ذلك أن تاريخ تونس الحديث لم يوفر عنصر التراكم في مجال المقاومة الشعبية في وجهيها: المسلح ضد المستعمر، والمدني ضد السلطة. فالاتحاد العام التونسي للشغل مثلا، وهو التنظيم النقابي العريق عربيا وإفريقياًّ، الذي كان له دور طليعي في التصدي للاستعمار الفرنسي، وقاد واحدة من أهم الانتفاضات في تاريخ تونس المستقلة (1978)، هو الآن أقل فعالية مما كان عليه في السبعينات. والأمر قد يكون أكثر فداحة بالنسبة إلى جمعيات مهنية وحقوقية وأحزاب سياسية أبلت بلاء حسنا على الصعيد المدني منذ أكثر من ربع قرن، لكنها اليوم تعيش أوضاعا محزنة من التفكك والتراجع. ولا جدال في أن كل ذلك قد خلف رواسب سلبية في الوعي الجمعي. والملحوظ أن تلك الرواسب قد تزامنت مع انتشار ثقافة الاستهلاك وما اقترن بها من تنامي عامل الخوف على المستقبل واستفحال الهاجس الأمني في ظل غلاء المعيشة، وأجواء الإحباط وخيبات الأمل المتكررة الناجمة عن كثرة المحاكمات السياسية… مما أنشأ ظاهرةَ وَهَنٍ عام وعزوفٍ عن العمل الجماعي وعن المبادرة والتضحية في أوساط الطبقة الوسطى المتآكلة أصلا. مع العلم أن هذه الطبقة هي التي عليها المعوَّل في أي تغيير أو إصلاح. لكنها حاليا لا تجد مَن يعبر عن طموحاتها ويقود مطالبها الاجتماعية والسياسية بحكمة وشجاعة. فليس من قبيل المصادفة أن تكون ساحة النضال الاجتماعي اليوم خالية من قائد شعبي جامع من وزن الزعيم النقابي الراحل الحبيب عاشور. وكذا الحال بالنسبة إلى الساحة السياسية بعد اعتزال السيد أحمد المستيري إثر انتخابات 1989، واختيار الشيخ راشد الغنوشي سبيل الهجرة في أواخر الثمانينات، ثم اضطراره إلى البقاء في المنفى. وأنا أزعم أن الساحة الدينية أيضا تشكو من ذات الفراغ: فأين علماء الدين حاليا من جهود الإصلاح، بعد وفاة أعلام فقهية وازنة من أمثال الشيخ مختار بن محمود و الشيخ محمد صالح النيفر و الشيخ محمد الحبيب المستاوي و الشيخ عبد الرحمان خليف والشيخ محمد الأخوة رحمهم الله جميعا، وغيرهم ممن كان لهم مواقف ومبادرات مشرفة وشجاعة، سواء من داخل السلطة أو خارج دوائرها، وأحيانا ضدها… ؟ و حاصل القول: إن آليات المجتمع المدني باتت، فيما يبدو، فاقدة القدرة على صناعة القيادة، ليس بمعناها المشخص (على ما للأشخاص من قيمة)، وإنما بالمعني الذي يحيل خاصة إلى المؤسسة وإلى روح المبادرة والإقدام النضالي، بصرف النظر عن الأفراد والألقاب والمناصب.. ولعل هذا ما جعل كثيرا من الشباب (وبخاصة المتدينين منهم) يبحثون عن نماذج قيادية فوق- قطرية تحضن سَوْرتهم وتشحذ عنفوانهم وتمارس عليهم التوجيه عن بعد – وأيّ توجيه..!–. ولئن كانت السلطة في مختلف مراحلها غير بريئة فيما يتعلق بهذا المآل، فإن للمجتمع المدني مسؤوليته التي لا نزاع فيها. ولنا أن نراجع علماء الاجتماع السياسي لندرك ما يخلفه غياب المثال القيادي من آثار سلبية على حالة الوعي والسلوك وعلى بنية المجتمع. ونحن هنا أمام تحد يواجه الجميع بدون أيّ استثناء، مما يستدعي كثيرا من التفكير والجهد لتدارك الأمر. إذ لا أمل في أي إصلاح اجتماعي أو سياسي بدون تمحض جهة تصوغه نظريا وتقوده عمليا، وتقدِم على ما يقتضيه الظرف من مبادرات شجاعة. ولئن كان سبيل العنف في هذا المضمار مرفوضا مبدئيا وعديم الجدوى من الناحية العملية، فإن الأيام قد بينت أن أسلوب " يا كريم متاع الله ! " التسوّلي هو الآخر ليس أقل عقما…
ولا حل إذن إلا بتصور نهجٍ مدني في العمل، ورسم سبيل إلى أن تكون قيادة هذا النهج مناضلة ليس للشعب فحسب، وإنما بالشعب أيضا؟ ذلك هو التحدي الاستراتيجي الذي إن لم يتم رفعه عمليا، فإن مناضلي الجماعات العاملة من أجل التغيير والإصلاح سيكونون، لا سمح الله، "وقود مرحلة" ليس أكثر؛ وستظل الجماهير العريضة، التي نهض هؤلاء المناضلون من أجلها في الأصل، ملازِمة مواقع التفرج واللامبالاة. وربما لن يزيد تضامنها مع ضحايا المرحلة في أحسن الأحوال على المواساة المحتشمة، أو المشي في جنائز الشهداء، بعد أن تكون صروف المحن وعفن السجون قد فتكت بأجسادهم.
لست أسوق هذا الكلام تحقيرا للجهود ولا تثبيطا للعزائم والهمم. فقدْرُ المناضلين والشهداء يبقى بين الناس رفيعا، وأجرهم عند الله عظيما، ما في ذلك ريب أبدا. و ذا كان الله تعالى يأجر حتى على الشوكة تصيب المؤمن في حياته، كما في الحديث النبوي، فما بالك بأجر المبتلين والشهداء في سبيل الإصلاح؟ "إنا لا نضيع أجر المصلحين" (سورة الأعراف، الآية 170) "ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون، فرحين بما آتاهم الله من فضله.." ( سورة آل عمران، الآية 169). لكن هذا لا يتعارض البتة مع ضرورة البحث عن سبل الصواب والأخذ بأسباب النجاعة والنجاح وفق موازين الدنيا. وإلا فما معنى قول الرسول صلى الله عليه وسلم: "من اجتهد وأصاب فله أجران، ومن اجتهد ولم يصب فله أجر واحد"؟ وما دمتَ قد أشرت في سؤالك إلى التيار العلماني باعتباره يمثل تحديا راهنا، فأنا لست معك على العموم في أن الثقافة العلمانية، بوجهيها الليبرالي واليساري، هي اليوم في حالة مد وريادة تونسيا. بل الملاحَظ أنها في تراجع متزايد سواء على الصعيد الرسمي أو على صعيد الحضور المجتمعي أو في أوساط النخب الجديدة المتعلمة. وذلك بفعل يقظة روح التدين الشعبي العارمة من جهة، وبفعل تعجل كثير من رموز العلمانية وأنصارها، خصوصا اليساريين منهم، تغيير مواقعهم والتحاقهم بالسلطة، لا سيما بعد 1987، من جهة أخرى. فهؤلاء لم يعودوا مؤهلين لأن ينفردوا بقيادة أي حركة للإصلاح الاجتماعي أو السياسي على المدى المنظور، بعد أن استهلكتهم البيروقراطية وأحرقوا قواربهم وفقدوا كثيرا من الإشعاع الشعبي. هذا لا يعني البتة التقليل من شأن هؤلاء وأولئك. فلعل تونس تنفرد في الوطن العربي بامتلاك أوسع نخبة علمانية وأكثرها عنادا، لأنها تتلمذت في المدرسة الفرنكوفونية المعروفة بتطرفها في هذا المضمار. لكن تلك النخبة لئن كسبت معركة المواقع، منذ العهد البورقيبي، إلا أنها لم تكسب معركة الثقافة والتاريخ. وللحركة الإسلامية دور مؤكد في ذلك. على أن المطلوب حاليا في نظري هو تخلي الجميع عن منطق الشقاق والصدام الذي لا طائل من ورائه. فالمصلحة الوطنية العليا تقتضي التقارب بين الإسلاميين وغيرهم، واجتناب أساليب الابتزاز السياسي والملاحقة الفكرية عن أيّ طرف صدرت، والتركيز بدل ذلك على ما يجمع سياسيا لا على ما يفرّق أيديولوجيا، حتى تستقر لدى الجميع روح التسامح والاعتدال وإرادة التطور، وينصرف الكافة إلى رفع التحديات المصيرية التي تواجه الوطن والأمة. والمدخل إلى ذلك هو الحوار الصريح، والعمل المشترك في حدود الممكن وعلى قاعدة الحفاظ على الهوية الوطنية، والدفاع عن الحريات والحقوق، وإرساء دولة المواطنة والعدالة والمساواة التي لا منجاة لأحد خارجها.
الحوار.نت : كيف يرى الأستاذ بن عيسى ظهور الصحوة الإسلامية الجديدة في تونس بعد سنوات جمر حامية وقحط ثقافي شديد الجفاف؟ هل كان ذلك مرقوبا؟ ألا يخشى الأستاذ بن عيسى على الصحوة الجديدة من تنوعها العجيب الذي قد يفضي إلى ما آلت إليه بعض الأوضاع في الجزائر ومصر وغيرهما؟ هل هو مع تأطرها تحت سقف فكري ثقافي محدد أم أن ذلك التنوع هو الأصل الذي لا محيد عنه؟
الأستاذ بن عيسى الدمني:هذه الظاهرة ليست خاصة بتونس. فبإمكانك ملاحظة مثيلاتها وأكثر منها اتساعا في كل بلدان العالم الإسلامي مشرقا ومغربا. وهي من هذا الوجه ظاهرة اجتماعية عامة ذات مضمون ثقافي حضاري، تعكس حالة أمةٍ تبحث عن قيمها المفقودة، وعن سبيل إلى التحرر من واقع الضياع التاريخي الذي تردت فيه منذ قرون. وقد عبرت الأمة في هذا الخضم عن كونها ما تخلت قط عن مراجع استدلالها الحضارية النابعة من إسلامها، ولا هي ضيّعت بوصلتها الاستراتيجية المستلهَمة من تاريخها التحرري، رغم آثار سنين الانحطاط ثم الاستعمار في الماضي، ورغم تسلط الدول الوطنية وتداول الأيديولوجيات، وهيمنة قيم العولمة، ومحاولات فرض ثقافة الاستسلام بقوة القذائف الرهيبة المتساقطة على أرض فلسطين وأفغانستان والعراق ولبنان وباكستان والصومال… في الحاضر. "يريدون أن يُطفئوا نور الله بأفواههم و يأبى الله إلا أن يُتِم نوره" (سورة التوبة، الآية: 32)
لا شك أن الحالة الدينية العامة في تونس قد شهدت تراجعا وانكماشا ملحوظين في عقد التسعينات، متأثرة بالأحداث التي وضعت السلطة و"حركة النهضة" وجها لوجه. لكن تلك الأوضاع لم تدم أكثر من سنوات معدودات، ما لبث أن عبّر المجتمع بعدها عن عراقة منبته في ثقافته الدينية، وأكد أن نزاعات السياسة ليست كفيلة بأن "تجفف ينابيع" الإيمان فيه أو بأن تجعل شعبه يوما بمعزل عن معاناة أمته الكبرى وعن توقها إلى الانعتاق والكرامة؛ لا سيما بعد أن تفاقمت مظاهر استضعافها وتعددت محاولات السيطرة على مقدّراتها من قبل القوى الدولية العظمى، وغدا ذلك محسوسا أكثر فأكثرعلى المستوى الاقتصادي والاجتماعي المحلي. فما كاد نظام الحكم يعلن "طي صفحة التطرف الديني" في تلك المرحلة، و ما كاد المثقف الفرنسي المولع بتونس فريديريك ميتيران(Frédérique Mitterrand) يفرغ من التبشير عبر الفضائية الفرنسية الخامسة (TV5) بأنه "لم يعد ثمة مِن خطر أصولي في تونس"، حتى اكتضت المساجد بروادها أكثر من ذي قبل، وفاضت على أهل البلاد روحُ إيمانٍ غضٍّ لا يلوي أصحابه على شيء، وغدت العين لا تخطئ آثار ذلك حيثما نظرت. وقد ساعد على هذا التحول عوامل ثانوية منها: تطور المبتكرات الاتصالية وانتشار الفضائيات التي وفرت للجمهور العريض عِوضا عما افتقده في ساحة الثقافة والتوجيه الديني المحلي، خصوصا في ظل تطبيق قانون المساجد. فراح الجميع ينهلون المعارف حول دينهم و دنياهم ويتلقفون أخبار المسلمين في العالم، وحتى أخبار بلادهم، بلا واسطة ولا رقيب. فاستأنف الوعي صحوته بعد غفوة اضطرارية عارضة. تسألني: إن كان ذلك منتظرا… ؟ الجواب متوقف على مدى سعة اطلاع المتابعين واستقلال إرادتهم. فكل مَن قرأ التاريخ و فقه سننه وتعرّف إلى المجتمع التونسي عن قرب كان عليه أن يتوقع حصول شيء من ذلك. لكن يبدو أن النزعة الاستئصالية قد هيمنت على نفوس عدد من الساسة والمثقفين في مختلف المواقع، فتعطلت معارفهم وما عادوا قادرين على النظر بعيدا. وقد تجلى هذا العجز الاستشرافي بالخصوص في كتابات عدد غير قليل من حَمَلة الأقلام التونسيين الذين اكتفوا بالوصف دون التحليل، وراحوا طوال التسعينات يشرحون للرأي العام "كيف هُزم الإسلاميون"، غافلين عما خلفه ضرب "النهضة" من تداعيات سلبية على أوضاع الحريات العامة وعلى الشأن الديني الخالص، وغير منتبهين لما سينشأ عن ذلك لاحقا من ظواهر وردود أفعال اجتماعية وثقافية وسياسية (انظر كنموذج عن ذلك: مقالا بعنوان " Comment les Islamistes ont été vaincus ? " للصحفي رضا الكافي منشور في مجلة "جون أفريك " ( Jeune Afrique) بتاريخ: 11 – 5 – 1999). وإذا كان مردّ هذا التوجه القاصر هو خوف كثير من المثقفين المستقلين والإعلاميين الحِرَفيين من التعبير عن مواقف قابلة للتأويل وربما للتوريط السياسي، فإن مردّه بالنسبة إلى بعض المؤدلجين والمنتمين حزبيا هو تقديرهم أن إقصاء تنظيم سياسي ذي خلفية دينية عن الشأن العام، بأسلوب أمني، هو كفيل بأن يريحهم من خصم عقائدي قوي وصعب المراس، وبأن يعفيهم إلى الأبد من معالجة إشكالية العلاقة بين الدين والدولة، ومن ثم بين الدين والمجتمع، وفق تصور ديموقراطي جاد. وقد توخى بعضهم في كتاباته أساليب السب الوضيع وحاولوا تقديم "حركة النهضةّّّ" على أنها أنموذج للإرهاب في العالم الإسلامي، على غرار ما فعل الكاتب القريب من السلطة عبد الله عمامي في كتاب له. فكان هذا الصنف الأخير من الكتّاب خادمين موضوعيين للحل الأمني. ولست أدري إن كانوا قد انتبهوا الآن إلى مخاطر المعالجة الأمنية للقضايا السياسية، وأدركوا أن الإشكالية الأصلية المتهرَّب من معالجتها لم تزل قائمة، وأن التطورات اللاحقة قد أعادتها إلى جدول الأعمال، وزادتها راهنية وتعقيدا.
صحيح أن موجة التدين الحالية هي في ذاتها موجة ثقافية، كما أسلفت. لكننا نعلم أن الحدود بين الثقافة والسياسة ليست مقفلة. فمن حيث الإمكان النظري، قد تكون هذه الموجة رافعة لأكثر من ظاهرة سياسية. والثابت أن أسلوب تعامل كل الفاعلين مع هذا الموضوع هو الذي سيحدد طبيعة ما سيتشكل مستقبلا من تداعيات متصلة بالصحوة، تزيد أو تقل نفعا للمجتمع. لذلك فليس من المصلحة أن ينظر الأطراف السياسيون إلى الصحوة بمنظار أيديولوجي أو حزبي ضيق، أو أن يجعلوها موضوع رهانات سياسية محدودة الأفق. فلا هي في الواقع "مكسب حزبي" للإسلاميين، ولا هي خطر على مستقبل نفوذ الحزب الحاكم، مطلقا. ذلك أنه بالاعتماد على المتابعة الدقيقة والمخالطة اليومية، يمكنني أن أجزم بأن أتباع الصحوة ليسوا متجانسين من حيث الوعي السياسي ولا حتى من حيث الانخراط الفعلي قي الشأن العام. بل المسيَّسون منهم يُعدّون قلة قليلة. أما المتمردون أو الذين استهوتهم النزعة المسماة بـ "الجهادية" فهم قلة ضمن القلة. ولعل النبيه قد لاحظ أن "الجبة لا تستر شيخا" في كل الأحوال، كما يقال. بل إن ظواهر سلوكية وهندامية، جرت أحيانا مجرى الموضة، قد خالطت أوجها من هذه الموجة وجعلتها بالتالي في حاجة إلى تقويم وإلى معالجة دينية فقهية خالصة، بعيدا عن أساليب السياسة وعن الاعتقالات والمحاكمات الاستباقية التي قد تحرف صحوة التديّن عن جوهرها الخيّر وتدفع بأصحابها إلى الغلو والتشدد وعيا وسلوكا. وإذا كان حريّا بأهل الذكر في علم الاجتماع الديني والفلسفة السياسية وبالفقهاء وعلماء أصول الفقه وغيرهم من ذوي الاختصاصات المعرفية ذات الصلة، أن يجتهدوا في دراسة هذه الظاهرة ويقوموها باعتماد المفاهيم والمناهج العلمية الصحيحة، فإن المطلوب من الفاعلين السياسيين أن ينظروا إليها باعتبارها مكسبا لهوية البلاد الحضارية ودعما لتماسك نسيجها المجتمعي العام. و ليت السلطة تقتنع بأنه لا بديل عن ترشيد الصحوة وتشريك كل ذوي الكفاءة العلمية والخُلُق الكريم في ذلك، دون الالتفات إلى انتمائهم الحزبي أو ولائهم السياسي. ولا يخفى ما للمسجد وللإعلام الحر من دور رائد في هذا المضمار. وحبذا لو أُتبِع قرارُ بث "إذاعة الزيتونة للقرآن الكريم"، الذي كان خطوة في الاتجاه الصحيح، بخطوات أخرى على ذات الدرب، تكون كفيلة بإخراج مساجدنا من العطالة الحضارية، وتمكينها من أداء وظيفتها الاجتماعية على وجه أكمل، تحفيظا لكلام الله وتربيةً للأجيال وترشيدا لعلاقتهم بدينهم ودنياهم. فأن تكون لنا صحوة دينية راشدة وقائمة بالقسط، لا يتعارض لدي أبنائها الولاءُ لله مع الولاء للوطن، هو أفصل ألف مرة من أن يكون أبناء هذه الصحوة عصاميين لا دليل يهديهم، وشتاتا لا راية تجمعهم، فيظلون بذلك عرضة للاستقطاب من قِبل تنظيمات عالمية متربصة قد تزج بهم في أتون مغامرات عنيفة لا يعلم عقباها إلا الله.
وإلى اللقاء مع الجزء الثاني بحول الله
(المصدر: موقع « الحوار.نت (ألمانيا) بتاريخ 18 ماي 2008)