وقفة مع "شارلي هبدو"
مقال ممتاز كتبه محمّد بدران في صحيفة الأهرام، بتاريخ 07 جانفي / يناير 2015... وفيه تكتشفون أنّ حريّة التعبير التي بها ينتهك الغرب حرماتِنا؛ لا تمنع هذا الغرب من غلق مقرّات الصحف، إذا ما تناولت شخصيات سياسيّة أو سياسات متّبعة لدول غربية، فقد أغلقت صحيفة "هارا كيري"، التي بنيت شارلي هبدو (Charlie Hebdo) على أنقاضها، بسبب تناولها شخصيّة شارل ديغول ذلك الذي تعرفه دول المغرب العربي زمن احتلالها من طرف فرنسا الرّسول، رسول الحريّة والمحبّة والمساواة!... فلشارل ديغول حرمة تذهب بحريّة التعبير ولشارلي حرم
- 11 يناير 2015
- مصدر الوثيقة:
- الحوار نت
مقال ممتاز كتبه محمّد بدران في صحيفة الأهرام، بتاريخ 07 جانفي / يناير 2015... وفيه تكتشفون أنّ حريّة التعبير التي بها ينتهك الغرب حرماتِنا؛ لا تمنع هذا الغرب من غلق مقرّات الصحف، إذا ما تناولت شخصيات سياسيّة أو سياسات متّبعة لدول غربية، فقد أغلقت صحيفة "هارا كيري"، التي بنيت شارلي هبدو (Charlie Hebdo) على أنقاضها، بسبب تناولها شخصيّة شارل ديغول ذلك الذي تعرفه دول المغرب العربي زمن احتلالها من طرف فرنسا الرّسول، رسول الحريّة والمحبّة والمساواة!... فلشارل ديغول حرمة تذهب بحريّة التعبير ولشارلي حرمة تذهب بحرمة محمّد صلّى الله عليه وسلّم ومليار ونصف مسلم فداء لحريّة التعبير!... ومنه أفهم وأحسب أنّكم تفهمون أنّ حريّة التعبير ستظلّ إلى حين قرينة القوّة، فمن ملك القوّة عبّر ومن ضعف ليس له الحقّ في تناول الطريقة التي بها القويّ عبّر!... ولن نُحتَرم مادام فهم حريّة التعبير مستندا إلى القوّة إلّا بامتلاك القوّة!... وليست القوّة نزهة أو "غزوة" بالكلاشنكوف، وإنّما القوّة هيبة تنزع مهابة من مستعملي "حريّة التعبير" بميل، فيستعملوها بالقسط!... هيبة كتلك التي منعت "أصحاب حريّة التعبير" من تناول المحرقة أو تناول الاحتلال الصهيوني الغاشم أو تناول الانقلاب على الديمقراطيّة في بلاد ما يسمّى الرّبيع العربي أو تناول حقيقة "تنظيم الدولة الإسلاميّة"!... وفيه (المقال) تكتشفون أنّ القضاء المتمركز في بلاد حريّة التعبير ليس مستقلّا استقلاليّة تُبلغه درجة القسط، فالاعتداء على المسلمين عنده ليس اعتداء على كلّ المسلمين بل هو تعبيرة عن رفض "تطرّف" أو "إرهاب" ألصقوه إلى حين بالإسلام!... وفي المقال، ومنه تفهمون أنّ (شارلي) لم تفعل ما فعلت وتفعل إلّا بفضل الدعم اللامتناهي من السياسيين والقضاء والجيران المناصرين لحريّة التعبير؛ تلك الحريّة التي بها صيغت وثيقة بروكسال صائفة 2012 المندّدة بل المعاقبة لكلّ من يقحم الشريعة (في إشارة إلى لقاء القاهرة زمن مرسي الرّجل) في مجال حقوق الإنسان التي يعتبرونها - كحريّة التعبير - صناعة غربيّة وماركة مسجّلة لا يمكن التعامل بها وفيها خارج أطرها المخصّصة لها!...
إنّي لأقول - مستثمرا حريّة التعبير - أنّه من العار على "المدافعين" عن الدّيمقراطيّة وعن حريّة التعبير أن يستقبلوا سفّاحا انقلب على الديمقراطيّة اليافعة في مصر أو ينخرطوا في محاولات قلب الموازين في تونس أو في ليبيا أو في سوريّا أو في اليمن مباشرة أو بالوكالة، أو يمنعوا - في المواقع الرّاجعة إليهم بالنّظر كاليوتوب أو الفايسبوك - شريط فيديو أو مقالة ما، لمجرّد تناول بعض الحقائق التي تمسّ جزئيّا ذلك المحمي بـ"حريّة التعبير"!...
إنّي لأصبو حقّا إلى انتباه الجميع إلى الفرق بين حريّة التعبير وحسن التعبير، فإنّه لا يعقل أن يُساء للعلاقات بين الدول والشعوب والأمم بسوء تعبير اقترفه السفهاء!... وإنّه ليس من العقل الدّفاع عن سفاهة تزيد العلاقات تردّيا، بل العقل أن ننظر في أسباب التأزّم فنزيل العقبات القائمة في وجه التعارف والتعاون والانسجام!... وإنّه إذا لم يأخذ العقلاء في جهة ما على أيادي السفهاء فيها كان منتظرا ردّ سفهاء الجهة المقابلة للفعل، وكان العتب - إن كنّا من العقلاء - على الجهة الأولى قبل الجهة الثانيّة!....
ثمّ إنّه - ومن خلال التاريخ الذي اعتمدته من مقال محمّد بدران - يمكن باسم حريّة التعبير منع المنشورات المسيئة للنّاس وللعلاقات بين النّاس فإنّ النّاس لن يكونوا أقلّ شأنا من ديغول، إلّا نفعل نكن من السفهاء ونسيء كثيرا لمبادئ أرسيت لمنع الظلم بين النّاس: "الديمقراطيّة" و"حريّة التعبير"!...
عبدالحميد العدّاسي الدّنمارك في 11 جانفي / يناير 2015