نصوص

وقفة مع الوقف

مساء الخميس 14 نوفمبر 2013 حضرت احتفالا كبيرا نظمته الـ" دوتش تليكوم شتيفتنق" في مدينة بون الألمانية وقد كان حفلا ضخما حضره عدد كبير من رجال الأعمال والمؤسسات البنكية والشخصيات الوطنية الألمانية في مقدمتهم وزير الخارجية الأسبق الدكتور "كلاوس كنكل" أحد مؤسسي "شتيفتونق التيليكوم" وقد كان الحفل بمناسبة مرور 10 سنوات على تأسيس "الشتيفتونق" المذكور، الذي انطلق بخمسين مليون يورو وأصبحت ميزانيته الآن 150 مليون يورو مخصصة لدعم التعليم خاصة في مجال الرياضيات وعلوم الحاسوب والعلوم الطبيعية والتقنية وقد لخ

0
15 نوفمبر 2013
مصدر الوثيقة:
الحوار نت
مشاركة


مساء الخميس 14 نوفمبر 2013 حضرت احتفالا كبيرا نظمته  الـ" دوتش تليكوم شتيفتنق" في مدينة بون الألمانية وقد كان حفلا ضخما حضره عدد كبير من رجال الأعمال والمؤسسات البنكية والشخصيات الوطنية الألمانية في مقدمتهم وزير الخارجية الأسبق الدكتور "كلاوس كنكل" أحد مؤسسي "شتيفتونق التيليكوم" وقد كان الحفل بمناسبة مرور 10 سنوات على تأسيس "الشتيفتونق" المذكور، الذي انطلق بخمسين مليون يورو وأصبحت ميزانيته الآن 150 مليون يورو مخصصة لدعم التعليم خاصة في مجال الرياضيات وعلوم الحاسوب والعلوم الطبيعية  والتقنية وقد لخصوها في كلمة "مينت"*.
وقبل يومين من هذا الحدث ورد في أخبار النشرة الرئيسية للأنباء في القناة "الوطنية" الأولى أن وفدا ألمانيا من أحد "الشتيفتونقات"** زار تونس وقابل السيد مصطفى بن جعفر رئيس المجلس التأسيسي، وقد ورد الخبر بصيغة "وفد من منظمة "الشتيفتونق" الأمانية" دون أن يقولوا لنا ما معنى "الشتفتونق"!
وقد تزامنت الزيارة مع مناقشة المجلس لقانون الوقف، ولا أدري أهو مجرد صدفة أم أمر مخطط له مسبقا!
ولعله قد تبين الآن من السياق أن كلمة "شتيفتونق" الأمانية تعني الوقف، وما أكثر الأوقاف في ألمانيا، حيث أنها تمثل سلطة مالية مدنية موازية لسطة الدولة وليست معارضة لها، وتعود كثير من هذه الأوقاف لشخصيات وطنية ألمانية مثل "كونراد آدناور شتيفتونق" و"فريديريش إيبارت شتيفتونق" و"هاينريش بول شتيفتنق" التي لها إشعاع كبير داخل ألمانيا وخارجها وهي مخصصة أساسا لدعم البحوث العلمية والطلبة، ومؤازرة مجهود الدولة لتحافظ ألمانيا على رياديتها في المجال العلمي والتكنولوجي.
كما أنه لا يمكن إحصاء هذه الأوقاف في ألمانيا أو حصر اهتماماتها ومجالاتها، فيمكن أن تشمل أشياء تافهة أو سخيفة ـ  من منظور بعضنا على الأقل ـ كما يمكن أن ترتقي لمسائل مهمة من قبيل دعم الديمقراطية والحريات الأساسية في بلدان العالم الثالث، وكذلك مقاومة العنف ضد النساء والأطفال أو العلاج وإغاثة الملهوفين والمشردين وضحايا الحروب وغير ذلك من المجالات الإنسانية.

وأنا حاضر بجسدي في الحفل المذكور أعلاه رفقة زوجتي وابنتي ـ أستمع إلى مداخلات المسؤولين عن "الوقف" المذكور وما حققه من إنجازات مهمة خلال العشر سنوات الماضية، وما تخلل ذلك الحفل من عروض مسرحية وموسيقية ورقص كلها هادف وموجه بطريقة بديعة لخدمة الهدف الأساسي لتلك المؤسسة ـ  أنتقل بخاطري إلى ما يحدث في تونس وعلى مواقع التواصل الإجتماعي من زوبعة وغبار على مشروع "قانون الوقف" الذي يناقش في المجلس التأسيسي ممن يسمّون بالنخبة العلمانية  التي يستفزّها مجرّد سماع أي مفهوم أو مصطلح له علاقة بالمفاهيم والمدلولات الإسلامية كما يستفز الثور "السبنيوري" عند رؤيته القماش الأحمر حيث أنه دون وعي وبجهل تام يهاجم وينطح ولو كان نطحه فارغا ومقدمة لهلاكه!
كيف لا؟ وهؤلاء الأصوليين يريدون أن يغيروا منظومة غيرها الزعيم "الحداثي" بورقيبة؟ ... رغم أننا لم نقرأ أو نسمع عن دراسات علمية تحدثت عما حققه بورقيبة بتأميمه "الأحباس/ الأوقاف" وهل صبّ فعله ذلك في المشروع الحداثي الحقيقي أم أنه خدم مشروعه الاستبدادي الدكتاتوري!

ورغم علمي وقناعتي بأن كثيرا ممن يهاجمون مشروع قانون الوقف قد اقتاتوا واستفادوا من أوقاف غربية دعمت أنشتطهم وتحركاتهم فيما يسمى "بالمجتمع المدني" وغطت أسفارهم ودورات التكوين التي يتلقونها في العديد من دول العالم! ولكنه الجهل أو الحول!
الأصل أن ندرس الأمر ونفخر بريادة العالم الإسلامي وسبقه في سن الأحكام الفقهية المتعلقة بالأوقاف وقوانينها، حتى أن كثيرا منها كان شوكة في حلوق الحكام الظلمة يحقق استقلالية للعلماء عن موائد السلطان وغير ذلك من الأمور الأساسية للتحرر!
 
وتجدر الملاحظة أن هذا النص لا يعدو أن يكون مجرّد تفاعل مع الحوار الدائر حول موضوع الوقف، ومن أراد الاطلاع عن  نظام الوقف في الإسلام  وما يحققه من حرية واستقلالية مدنية عن أصحاب النفوذ والسلطة يمكنه العودة لما خطه  المفكر الإسلامي الدكتور محمد عمارة في كتابه عن الإسلام والديمقراطية. وقد يكون لنا عودة للموضوع بأكثر تعمّق.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

Mathematik, Informatik, Naturwissenschaften und Technik.= MINT

** : جمع معرّب لـ "شتيفتونق"

طــه بعزاوي
15 نوفمبر 2013

 

جميع الحقوق محفوظة لمنصة الذاكرة 2026 ©