نصوص

وقفة مع أحداث القنطاوي

قاتل الله من قتل السيّاح الذين كان يفترض أن يكونوا آمنين، فإنّ الضيف أو الرّسول أو المبعوث لا يقتل في الأعراف الإنسانيّة ناهيك عن الإسلام... المؤكّد عندي أنّ القتلة ليسوا مسلمين ولا يمتّون للإسلام بصلة... وغير مستغرب أن يكون هؤلاء ممّن يرون أنفسهم من المسلمين بل من طليعتهم، فقد أخبرنا الرّسول صلّى الله عليه وسلّم عن قوم أحداث الأسنان سفهاء الأحلام، يقولون من خير قول الناس، يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية... والمنتظر أنّ أعداء الإسلام سينسبونهم لا محالة

0
26 يونيو 2015
مصدر الوثيقة:
الحوار نت
مشاركة


قاتل الله من قتل السيّاح الذين كان يفترض أن يكونوا آمنين، فإنّ الضيف أو الرّسول أو المبعوث لا يقتل في الأعراف الإنسانيّة ناهيك عن الإسلام...

المؤكّد عندي أنّ القتلة ليسوا مسلمين ولا يمتّون للإسلام بصلة... وغير مستغرب أن يكون هؤلاء ممّن يرون أنفسهم من المسلمين بل من طليعتهم، فقد أخبرنا الرّسول صلّى الله عليه وسلّم عن قوم أحداث الأسنان سفهاء الأحلام، يقولون من خير قول الناس، يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية... والمنتظر أنّ أعداء الإسلام سينسبونهم لا محالة للإسلام ليحاربوا بهم الإسلام والمسلمين...   

العمليّة جريمة ضدّ الإنسانيّة إذ استهدفت الإنسان، وضدّ تونس إذ استهدفت اقتصادها ووحدتها، وضدّ التونسيين إذ استهدفت ديمقراطيتهم النّاشئة. فقد أنطقت العمليّة رأس الدولة - إن صحّ عنه النّقل - بما ينسف أمن البلاد ويذهب سيادتها... فالقول بأنّ بلاده لا تستطيع وحدها مواجهةَ المتشددين يعني تظافر الجهود الدوليّة الساعية لإرساء ذلك الأمن. وقد يعني مسارعة فاعلي الخير للتحكّم في الأجواء التونسيّة لمنع الخطر الإرهابي الجوّي وبسط السيطرة على الحدود - لا سيّما تلك التي ينتظر منها تسرّب المتشدّدين - لمنع التسرّبات عبر الحدود باستثناء تلكم التسرّبات. ويعني إيفاد المبعوث الأممي الخاص بتونس (فقد اجتهدت الأمم المتّحدة مشكورة في تهيئة مبعوث لكلّ دولة) يعلّمنا الجلوس والحوار المفضي إلى التفاهم والاتّفاق فيما بيننا بعيدا حتّى عمّا سمّيناه نحن التونسيين بعيد الثورة الوفاق!... سوف يفعلون كلّ ذلك وأكثر في إطار ما سمّاه رئيسنا الاستراتيجية الشاملة لمواجهة المتشددين... وسوف يكون ذلك كما قال رئيسنا في إطار توحيد جهود كل الدول الديموقراطية ضدّ هذه الآفة!... وسوف يستمرّ بعد ذلك نشاط المتشدّدين ويزداد إيذاء للتونسيين الذين سوف يبدَون عند المتشدّدين بهيأة قابلي الاستعمار والاحتلال الذي لا يرضاه السمت التونسي الأصيل!... وسوف تكون النّتيجة - لا سمح الله - البحث عن فضلة في حاويات القمامة الفارغة بالملاجئ المقامة للتونسيين!... 

العمليّة جريمة كما قال السيّد الرّئيس وكما قالت الوزيرة صاحبة جريمة العلم، ولكن هل مقاومتها تكون بالارتماء في أحضان الآخر؟!...

أحسب أنّ انتماءنا إلى تونس يمنعنا ذلك... وأحسب أنّ الحل يكمن في النّظر في مآلات الأمور، لماذا آلت بنا الأمور إلى هذه الحافة!... نعود ننبش التاريخ نرى حالنا في مرآته نقارنها بحالنا اليوم. ثمّ نصدق في التقييم: هل المشكل في المرآة أو المشكل فينا نحن، في  قلوبنا!... وعندي أنّ المشكلة في قلوبنا التي هدّها الفساد ففسد بها الجسم بأكمله، جسم تونس الحبيبة!...

تقول بعض الأخبار أنّ المجرمين كانوا في زيّ المصطافين، فإن كانوا كذلك فأين كانت البنادق مخبّأة، ولمَ الاصطياف والسباحة في أماكن يتعرّى فيها السياح بشكل لا يمكّن الصائم من الاقتراب منها، أي كأنّي أسأل أإذا صاموا سبحوا في هذه الأماكن، أي كأنّي أقترح لمَ لا يكون هناك انضباط يحفظ الخصوصيات!... أرى المعلومة وهنانة غير متماسكة. ووهنها دالّ على أمر مهمّ افتقدناه وعلينا العمل على استرجاعه، ذاك هو الثقة التي كنّا نحن التونسيين نتمتّع بها وتفيض معاملاتنا بها...

سوف ينطلق المحلّلون والمتخصّصون كلّهم يلوكون ما رمى به إليهم رئيس البلاد، يتحدّثون كلّهم عن المتشدّدين، يتناولون المصلحين، يبالغون في الإيذاء. والمطلوب أن يكفّ هؤلاء عن الإفساد، فإنّ تونس مطالبة بمقاومة الفساد وأنّ المقاومة لا تكون أبدا بفاسد أو بمشروع فاسد، بل تكون بمن أحبّ بلده ومن أحبّ بلده تعفّف وابتعد عن كلّ ما يجعلها محلّ انتقاد أو موضوع حديث النّاس: مرّة بكثرة ما فيها من الزطلة وأخرى بمتاجرة العبيد الأبيض وثالثة بإفطار رمضان والجهر بالمعصية ورابعة بالمظالم وخامسة بالقنوات التي فكّت جميع عُقُلها حتّى جمحت بأصحابها دون العقل!... سوف يعمل المحلّلون "الوطنيون" على تنسئة القضايا الحقيقية مستثمرين إشارة الكبراء إلى حملة "وينو البترول" ويبدعون في الدعوة إلى الالتفاف حول جهود الدّولة لمقاومة الإرهاب، وهي دعوات وإن وجبت المناداة بها إلّا أنّها فقدت الآذان السامعة لعلم أصحاب تلكم الآذان بنفاق هذه الأبواق ومساهمتها الفاعلة بل الدّنيئة فيما آلت إليه البلاد!...

كلمة أكثرت من تكرارها مفادها أنّ البلاد لن تصلح إلّا بما صلح به أوائلها... وقد كانت تونس جنّة يطيب العيش فيها كما دلّ على ذلك اسمها تونس فإنّ أصله تؤنس... فعلينا قبل الحديث عن الأمن أن نتحدّث عن قيمة رجل الأمن وأخلاقه التي بها يبسط الأمن بدل استعمال العصا، وقد آلمني مشهد رجل الأمن رئيس أقليم المنستير الذي ذهب ضحيّة دسّ المفسدين عليه ممّن يريد لهذه البلاد الانحراف عن تعاليم دينها وعن هُويتها... وعلينا قبل الحديث عن الاقتصاد كذلك مراجعة قيمة العمل ومعنى الحلال والحرام فإنّ الاقتصاد لا ينتعش بالرّاغبين في البطالة ولا يتطوّر بالحرام المفضي بآكله إلى جهنّم عياذا بالله تعالى، ولقد كانت ولازالت صورة بشعة تلك الخمرة التي رأيت في الأخبار أفراد أمننا يصادرونها في أحد معابر الحدود لتعرض فيما بعد في ميناء تونس تباع لمن جاء زائرا عابرا للحدود!...

 مفاسد كثيرة تذكر بمناسبة هذه المفسدة الكبيرة التي حصلت اليوم، يجدر بنا النّظر فيها، إذ ربّما كان بعضها من بعض فلا تجتنب هذه إلّا باجتناب تلك!... واللعنة المسترسلة في الختام على قاتلي الأبرياء اليوم في القنطاوي الذين تألّمت لهم ولعائلاتهم كثيرا... والله من وراء القصد...

 

 

 

عبدالحميد العدّاسي، 26 جوان / يونيو 2015    

جميع الحقوق محفوظة لمنصة الذاكرة 2026 ©