وضوح الرّؤيا
وضوح الرّؤيا عبدالحميد العدّاسي بمعرفة الصندوق الأسود للإرهاب التونسي، بدأت الصورة تتوضّح شيئا فشيئا... فقد وجدت جهات خبيثة في البلاد في عرّاف ابن علي وليلي الطرابلسي بائع الزطلة ذي العلاقات الدوليّة المشبوهة، أحمد الرّويسي، الذي كان بُعَيد الثورة في سجن المرناقيّة، الشخصيّة التي يمكن بها لعب أدوار مهمّة في البلاد لضرب خصم سياسي (النّهضة) وأصحاب توجّه ديني (الصحوة الثانية التي اختارت لنفسها اسم أنصار الشريعة)، فقد مرد أحمد على النّفاق وجرّب الجبّة والتمتمة وكلّ ما ولع به بعض التونسيين من الشركيا
- 11 فبراير 2014
- مصدر الوثيقة:
- الحوار نت
وضوح الرّؤيا
عبدالحميد العدّاسي
بمعرفة الصندوق الأسود للإرهاب التونسي، بدأت الصورة تتوضّح شيئا فشيئا... فقد وجدت جهات خبيثة في البلاد في عرّاف ابن علي وليلي الطرابلسي بائع الزطلة ذي العلاقات الدوليّة المشبوهة، أحمد الرّويسي، الذي كان بُعَيد الثورة في سجن المرناقيّة، الشخصيّة التي يمكن بها لعب أدوار مهمّة في البلاد لضرب خصم سياسي (النّهضة) وأصحاب توجّه ديني (الصحوة الثانية التي اختارت لنفسها اسم أنصار الشريعة)، فقد مرد أحمد على النّفاق وجرّب الجبّة والتمتمة وكلّ ما ولع به بعض التونسيين من الشركيات التي ألصقوها بالدّين... تمكّنت هذه الجهات من تهريب أحمد من سجن المرناقيّة وأعطت له مهمّته قصيرة في نصّها واضحة دقيقة: [أترى هؤلاء!... اجعل بأسهم بينهم شديد، ثمّ اجعل لنا منهم إرهابيين متلاعنين وكرّههم للنّاس بما يرتكبون أو ما لا يرتكبون]!... لم يكن أحمد عاريا بل كان مغطّى بجيش من الإعلاميين الذين لم ينجحوا في ستر حسرتهم وتأسّفهم على أيّام حامي حمى الدّين والوطن، مدعومين بطوابير لا يُحصى الواقفون فيها من محلّلين سياسيين و"متخصّصين" في الحركات الإسلاميّة ومنظّرين للإرهاب و"عارفين" بالإرهابيين... ثمّ كان - إلى جانب ذلك - مسنَدا بحمايته ضدّ البوليس والأمن (من الاحتمالات: من طرف البوليس والأمن) بحيث لا يُعدم الحركة المرنة والسريعة التي تمكّنه من الوجود متى شاء في أيّ شبر من تراب الجمهوريّة مستعملا فنّ العرافة (من المبكيات) في تعميّة المساكين من أبنائنا الذين تقرّر لهم أن يكونوا وقود حرب لا بدّ لها من خسائر... فالهدف كبير وثمين ولا بدّ للوصول إليه من دفع الثمن الذي لن يكون بالنسبة للمخطّطين العاملين على الساحة باهظا، إذ لن يطال صفوفهم كائن ما كان!... ويدخل اختيار الأهداف ضمن النجاعة في استهداف الهدف الرّئيس، فما كان شكري بلعيد ليقتل لولا جرأته على النّهضة والإسلاميين والإسلام عموما، وإذا قتل فلن توجّه أصابع الاتّهام بقتله إلّا إلى الذين اعتدى عليهم في حياته وآذاهم، وكذلك الأمر بالنسبة للحاج محمّد البراهمي!...
مهمّة تخذيليّة وخطّة شيطانيّة، قابلها عدم نضج الإسلاميين، فقد استجابوا لتأثيرات الدّفع باتّجاه التفتين بينهم، حتّى ما كان أبشع على وجه الأرض لبعض أبناء الصحوة الثانيّة من أبناء النّهضة شيبهم وشبابهم، وحتّى ما كان أكثر جرما عند معظم أبناء النّهضة من أبناء الصحوة الإسلاميّة الثانيّة حتّى لسمّي أنصار الشريعة بالكامل "جماعة إرهابيّة" من قبل القيادة النّهضاويّة في الحكم!...
كلّ ذلك والخبثاء لا يشبعون ولا ييأسون من بلوغ مآربهم، فاعتمدوا - مع "الإرهاب" والحرب عليه بعد الاطمئنان على تأصيله في إسلاميين قال عنهم تونسيون عاديون محايدون إنّهم أهل خير وصلاح وهبّة ونجدة - على الاتّحاد العام التونسي للشغل في إنهاك الاقتصاد التونسي بما رصدوا له من إضرابات ووقفات احتجاجيّة وحرق ونهب للمصانع والمصالح والمؤسّسات وطلبات تعجيزيّة وعمليات قطع طريق ازدادت بالحديث عنها وبتجريم المتحدّث عنها (الدكتور الصادق شور)...
وليس "الحوار الوطني" ببعيد عن عمل الخبثاء في تونس. بل لقد كان مبيّضا لصفحات المجرمين بشكل لا يقدر معه أحد على التشكيك في عمل "الوطنيين"، فهم من أجلسوا النّاس للحوار وهم من أزالوا الفتيل والصاعق لتلافي الخطر المحدق بالبلاد!... ومن شكّ في ذلك راجع النّتائج: فبانسحاب النّهضة والترويكا، بدأت النّجاعة في الحرب على الإرهاب، فحصدت الأرواح سريعا وقبض على الإرهابيين بسهولة استثنائيّة!... ثمّ شاء القدر أن ماتت الأسرار مع حامليها فقد قتلوا جميعا أو كادوا!... ولم يبق إلّا صندوق أسود قد يطول البحث عنه حتّى يُختم باليأس أو العفو!... والخبثاء قد فعلوا كلّ ما فعلوا بالعفو!... عفو أراده لهم الطيّبون دون موافقة الثوّار فكافؤوهم بالإزاحة من الحكم وبأن أرَوْهم للعالم فاشلين مشجّعين للإرهاب مغطّين للإرهابيين!...
قد يكون ما جال بخاطري قريبا من الحقيقة وقد يكون هو الحقيقة وقد لا تكون له أيّ علاقة بالحقيقة، ولكنّ ذلك لن يفسد عندي قناعة آكدة راسخة أنّ المسلم مهما تدنّى مستوى تديّنه لا يقوم بما قام به المجرمون الذين أرادوا ضرب مصالح البلاد، ولن يتزحزح رأيي في أنّ الخبثاء في البلاد نجحوا في استعمال المفردات المدغدغة للعواطف التونسيّة أو المثبتة للتهم التقليديّة. كما أنّ قناعتي الأخرى تظلّ قائمة وهي المتمثّلة في أنّ أنّ الإسلاميين جميعا قد كانوا أسرى العاطفة ولم يكونوا أهل فكر أو عقل أو حزم في التعاطي مع الفاسدين... والله من وراء القصد...
الدّانمارك في 11 فيفري 2014