نصوص

وزير مغربي سابق: مكاسب صحفنا الخاصة ما زالت مؤقتة

الرباط- برغم إقراره بأن الصحافة المغربية الخاصة تمكنت من طرق موضوعات حساسة تتعلق بما يعرف بالمحرمات الثلاثة (الملك- الإسلام- وحدة التراب الوطني)، وهو ما عدَّه مكسبا حقيقيا لها، اعتبر وزير الإعلام المغربي السابق محمد العربي المساري أن "المكاسب التي حققتها الصحافة الخاصة ما زالت مؤقتة". وبرر المساري ذلك بقوله لـ"إسلام أون لاين.نت":

0
12 فبراير 2010
مصدر الوثيقة:
الحوار نت
مشاركة

الرباط- برغم إقراره بأن الصحافة المغربية الخاصة تمكنت من طرق موضوعات حساسة تتعلق بما يعرف بالمحرمات الثلاثة (الملك- الإسلام- وحدة التراب الوطني)، وهو ما عدَّه مكسبا حقيقيا لها، اعتبر وزير الإعلام المغربي السابق محمد العربي المساري أن "المكاسب التي حققتها الصحافة الخاصة ما زالت مؤقتة".

وبرر المساري ذلك بقوله لـ"إسلام أون لاين.نت": "إن تمويل الصحف الخاصة في المغرب يعتمد على ميزانيات صغيرة أو متوسطة؛ حيث يقوم بإنشائها في الغالب عدد من الصحفيين كمشروع شخصي، ويقتصر هذا العدد في بعض الأحيان على 9 إلى 61 صحفيا على الأكثر؛ ما يؤثر في أدائها المهني أحيانا، والدليل على ذلك أن من بين 21 صحيفة يومية تستحوذ صحيفة واحدة على ثلث المبيعات، وأخيرا انضمت إليها صحيفة أخرى فصارتا تمثلان معا أكثر من نصف المبيعات".

واعتبر أن تعدد الإصدارات: "لا يعني بالضرورة ارتقاء مهنيا"، وإنما معظم الإصدارات الجديدة هي صحف "انشقت عن الصحف الأم" شبيهة بالانشقاقات التي تجري في صفوف الأحزاب السياسية.

وبرغم ذلك امتدح المساري ما حققته الصحف المغربية الخاصة من التطرق لموضوعات كانت تعتبر في عداد "المحرمات"، مثل التعرض للثروة الشخصية للملك، والتي  قال إن الصحافة المكتوبة تتعرض لها بـ"طلاقة غير معهودة"، وإن الصحفيين "فرضوا حقهم في تناول تلك الموضوعات بجرأة يصاحبها اللباقة والحذر"، وهو ما رأى فيه "النقطة الأكثر إضاءة في المسار الإصلاحي بالبلاد".

إلا أن وزير الإعلام المغربي السابق الذي رأى أن تلك الخطوة "مكسب كبير للصحافة الخاصة"، نبَّه إلى أن هذه المكاسب "ما زالت مؤقتة"، محذرا من "محاولات بعض أصحاب المصالح وقف حالة الحراك التي أوجدتها الصحافة الخاصة".

وفي الحوار التالي يقرأ المساري واقع الصحافة المغربية الخاصة ومستقبلها:

- مؤخرا تزايد الحديث بالمغرب عن التأثير السياسي للصحافة الخاصة.. فكيف ترى حجم هذا الدور مقارنة بتضاؤل دور الأحزاب؟

الصحف الخاصة تتميز بأن لكل منها خطا تحريريا يخدم بطبيعة الحال التمويل الذي يقف وراءها، ولكن برغم ذلك فإن تأثيرها السياسي يعود لكونها طرقت موضوعات كانت مستبعدة فيما قبل، فهي صحافة لا تتقيد إلا بالتزامها مع القارئ.

ولا يصح ربط التأثير الذي اكتسبته بتضاؤل دور الأحزاب السياسية؛ لأن الأحزاب لها مجالها والصحافة لها مجالها، إلا أنه يمكن الحديث عن تضاؤل رواج الجرائد التي تصدرها الأحزاب؛ لأنه أمر واقع لا يحتاج لدليل.

وفي هذا السياق يمكن القول إنه كما حدث في المشهد الحزبي الشديد التفتت بسبب الانشقاقات، فإن تعدد المنابر الصحفية (21 يومية، و27 أسبوعية) راجع إلى سبب واحد، وهو الميل إلى الاستقلال بالأمر بدلا من ضم الجهود في تجمعات مهنية كبيرة يتطلبها إنجاز جريدة ذات كفاءة في إشباع تطلعات القراء.

فكل جريدة جديدة هي نتيجة الانشقاق عن جريدة أم؛ مما يجعل السوق مكتظة بالإصدارات، ولا يعتبر تكاثر العناوين مظهرا للارتقاء بالممارسة المهنية، بل هو فقط دليل على ليبرالية القانون المغربي الصادر في نوفمبر 1958.

- وفي رأيك ما هو حجم وتأثير التمويل في واقع الصحافة المغربية الخاصة؟

الصحافة الخاصة تصدر بتمويلات صغيرة أو متوسطة، وهذا يرجع إلى أن من أنشأها في الغالب صحفيون لا يستطيعون أن يضخوا فيها تمويلا كبيرا، وهذا ينعكس على حجم هيئات التحرير، حيث يضم أكبر طاقم 61 صحفيا، ويضم آخر 33، وهناك صحيفة يومية يصدرها 9 أفراد فقط؛ ما ينعكس على الأداء المهني والقدرة على اقتحام صفحة التحقيقات.

وهناك مجهودات كبيرة تبذل لتقديم مادة مشبعة للقارئ لكنها تبقى قاصرة، ذلك أن أي جريدة يومية مغربية لا يتعدى زمن إعدادها 5 أو 6 ساعات، في حين أن مثيلاتها تبقى مفتوحة حتى منتصف الليل لتعالج موادها بتأن طيلة 10 ساعات أو أكثر.

- ألم يتأثر تمويل الصحف المغربية الخاصة بالأزمة المالية العالمية؟

من المتوقع أن يحدث في المغرب تأثير غير مباشر، خاصة فيما يتعلق مثلا بتكلفة العتاد الذي يدخل في الصناعة الصحفية، والمواد التي يتم استيرادها مثل الورق وباقي متطلبات الطباعة، إلا أن التأثير الخارجي سيكون محدودا؛ لأن تمويل الصناعة الإعلامية في المغرب لا يرتبط بالخارج، كما أن قطاع الإعلام غير مرتبط بالتصدير كالنسيج مثلا.

ثم إن الصحف كما ذكرت مسبقا لا تشغل عددا كبيرا من المستخدمين حتى تضطر لتسريحهم في الأزمات.

وما يصنع ديناميكية السوق الإعلامية في المغرب هو نسيج من المبادرات الاستثمارية الصغيرة الحجم، النابعة من الصحفيين أنفسهم في الغالب، فمن بين 21 يومية في المغرب تحقق جريدة واحدة ثلث المبيعات في أكشاك الصحف، وفي الشهور الأخيرة أصبحت جريدتان اثنتان تمثلان ما يزيد على نصف ما يروج من مجموع الجرائد.

- في الآونة الأخيرة أصبحت علاقة الصحافة بالسلطة علاقة متوترة، فما هي المحرمات التي تجاوزتها الصحافة وتسببت في هذا التوتر؟

العلاقة متوترة بسبب استياء البعض من هامش الحرية التي اكتسبتها الصفحة الخاصة، وهذا التوتر ناتج عن محاولات لتدجين الصحافة.

وفي المغرب هناك محرمات لا يقبل اقترافها، مثل المس بالنظام الملكي والعقيدة الإسلامية ووحدة التراب الوطني باعتبارها مقدسات لا تقبل النقاش، وهناك قبول واسع بهذه الثوابت.

وفي السنوات الأخيرة، خلافا لما كان يقع حتى التسعينيات من القرن الماضي، لوحظ أن تلك الحساسية تضاءلت بكيفية ملموسة، حيث إن الرغبة في فرض الاحترام للنظام الملكي لم تعد تعني الحظر التام لتناول الأخبار التي تتعلق بالملك نفسه وبالأسرة الملكية وبالأصهار والأقارب.

وقد حدث منذ حوالي أربع سنوات أن مدير جريدة أسبوعية تلقى تحذيرا من مدير التشريفات الملكية حول أخبار نشرتها صحيفته تهم الملك وأسرته، فأجابه مدير الجريدة على صفحاتها بأن ما صنعته الصحيفة أمر لا يعني مدير التشريفات، وأن الموضوع يدخل تحت طائلة القانون ومجاله هو المحاكم إذا كان هناك ما يستوجب ذلك.

وفي كل مرة يتم فيها التعرض للثروة الشخصية للملك نجد الصحافة المكتوبة تتعرض لها بطلاقة غير معهودة من قبل، فقد فرض الصحفيون حقهم في تناول تلك القضايا بجرأة يصاحبها اللباقة والحذر.

إلا أنه في الظروف الراهنة حدثت نوازل عرضت بعض الصحف لأداء غرامات وتعويضات باهظة في سلسلة محاكمات يُظَن أنها مدبرة ضد الصحافة لتصفية حسابات سابقة.

- وكيف تقيم التزام الصحافة الخاصة بهذه الثوابت خلال أدائها؟

الثوابت يجب أن تراعى، وعلى الصحافة أن تتعامل بمسئولية في الموضوعات التي تتطرق إليها، فكلما كانت هناك دقة مهنية في معالجة الموضوعات ازداد احترام القارئ للصحيفة.

وكل مادة صحفية تتوفر فيها الشروط المهنية تنعدم فيها الثغرات التي قد تجدها النيابة العامة، وكل مقال متقن تم تحريره بدقة مهنية يكون مصنفا في خانة المسئولية.

- وفي ضوء كل ما ذكرت كيف ترى مستقبل الصحافة الخاصة بالمغرب؟

هناك صعوبات ولا شك، إذ تعرف الساحة المغربية صراعا حول المصالح والأفكار، ولهذا فإن البعض يحاول أن يوقف الديناميكية التي تحركت في المجتمع، ويحاول عبثا العودة إلى الماضي، غير أن المستقبل بكل تأكيد هو لمجتمع ديمقراطي ومؤسسات قوية وأحزاب ناضجة، تكتسب فيها الصحافة الخاصة إيجابية تكريس مناخ يسود فيه التعدد والانفتاح وتكسير التابوهات.

فالمجتمع المغربي هو الآن أكثر تحررا مما كان في السابق، والشعب المغربي الذي تذوق هذه المكاسب لن يقبل بالعودة إلى الوراء.

وكل ما تحقق من مكاسب الصحافة الخاصة في التعامل مع ما يسمى بالتابوهات أو "المحرمات" ليست مكاسب نهائية، ولكنها تدل على تطور ملموس جاء بفضل تكيف النسق السياسي المغربي مع ما جلبته العولمة وتطور تكنولوجيا المعلومات، ويمكن أن نسجل أن الصفحة المكتوبة المستقلة تمثل النقطة الأكثر إضاءة في المسار الإصلاحي والانتقالي الذي قطعناه منذ منتصف التسعينيات من القرن الماضي.

جميع الحقوق محفوظة لمنصة الذاكرة 2026 ©