نصوص

وزير الدفاع الألماني يستقيل ويقدم درسا للحكام العرب

يقال إن وزير الدفاع الألمانى جوتنبيرج، المستقيل يوم 1/3/2011م، قضى ليلته الأخيرة قبل الاستقالة أمام شاشة الحاسوب.. يرقب رقما مزعجا ويفكّر.. بدأ بعشرات.. وارتفع.. وارتفع.. إلى أن زلزل الأرض من تحت أقدامه فاتخذ قراره!..الحكاية من بدايتها..كان جوتنبيرج يحتل لفترة طويلة المرتبة الأولى فى عمليات الاستطلاع الدورية حول مستوى شعبيّة مشاهير السياسيين فى ألمانيا.

0
3 مارس 2011
مصدر الوثيقة:
الحوار نت
مشاركة

يقال إن وزير الدفاع الألمانى جوتنبيرج، المستقيل يوم 1/3/2011م، قضى ليلته الأخيرة قبل الاستقالة أمام شاشة الحاسوب.. يرقب رقما مزعجا ويفكّر.. بدأ بعشرات.. وارتفع.. وارتفع.. إلى أن زلزل الأرض من تحت أقدامه فاتخذ قراره!..

الحكاية من بدايتها..

كان جوتنبيرج يحتل لفترة طويلة المرتبة الأولى فى عمليات الاستطلاع الدورية حول مستوى شعبيّة مشاهير السياسيين فى ألمانيا.

وكان مرشحا -بسبب إنجازاته وشعبيته- لأن يحتل رئاسة حزب المسيحيين الاجتماعيين الأصغر فى الاتحاد المسيحى ضمن ائتلاف حكومة برلين بزعامة المستشارة ميركل.

وكان اسمه مرتبطا بأحد أكبر المخططات السياسية فى تاريخ القوات العسكرية الألمانية بعد الحرب العالمية الثانية، وهو تحويلها من جيش نظامى قائم على الخدمة الإلزامية، إلى جيش أصغر عددا وأشدّ قدرة على "البطش" بقوّته الضاربة وتقنياته الحديثة، ويعتمد على المتطوعين.. وكان.. وكان.. باختصار: أحد "الساسة الكبار!" كما يقال، وليس واحدا من طاقم سياسى فى دولة انتقلت من مرحلة دمار مطلق، إلى موقع الصف الأوّل بين الدول المتقدمة، وكان قد تزامن تأسيسها مع نشأة جامعة الدول العربية واستقلال من استقلّ من دولها.

أخطأ الوزير.. والبشر معرّض للخطأ.. لم يعيّن أحدا من أقربائه فى مناصب قيادية ما.. ولم تسبّب قراراته مقتل مئات بسبب غرق "عبّارة" ما.. ولا أمر جنودا بإطلاق النار على متظاهرين.. ولا شكّل "محاكم عسكرية" لتتحكّم فى مصائر أسر ما لا يحصى من المدنيين!!..

إنّما كان من بين أخطائه –كمثال- خطأ حوسب عليه بشدّة من جانب مجلس نيابى منتخب، وهو عدم انتظاره وقتا كافيا إلى أن تتوافر المعلومات اللازمة عادة، عندما قرّر "تجميد" صلاحيات قبطان باخرة حربية!.

هذا الخطأ وأمثاله لم يسبب الاستقالة.. ولكنّ الخطأ الأكبر فى نهاية المطاف كان نتيجة كشف "سرّ" من أسراره، فقد حمل لقب الدكتوراة الجامعى بناء على "رسالة دكتوراة" ارتكب أثناء إعدادها جريمة سرقة!.

مهلا.. لا ينبغى أن يتبادر إلى ذهن القارئ الكريم أنّه سرق الملايين أو المليارات ليودعها فى حسابات مصرفية، ربما لإدراكه أن "المسؤولين عن الرقابة المالية" لن يسكتوا عليه كما يسكتون عن سواه من "السياسيين" من زعماء دول أخرى.. ولم يكن باستطاعته –لو سرق الملايين والمليارات- أن يحفظها فى خزائن حديدية فى أحد قصوره.. فمشكلته أنّه لا يملك قصورا!.

 سرق كلمات فقط!

لقد سرق "كلمات".. سرق أفكارا.. نصوصا وضعها فى رسالته الجامعية، ولم يذكر أسماء أصحابها الأصليين.

هذه السرقة الفكرية جعلت منه "سياسيا غير مرغوب فيه".. وبدأت أصوات تطالبه بالرحيل: "ارحل.. ارحل.. الشعب يريد رحيل الوزير".

فعلا الشعب.. فكثير من أقرانه الحزبيين دافعوا عنه، وتمسّكوا به، وشمل ذلك المستشارة الألمانية ميركل، أى رئيسة الحكومة التى تضمّه وزيرا لشؤون الدفاع فيها.. ولكن أسقطته "المظاهرات الشعبية".. بأسرع ممّا أسقطت سواه!.

من يدرى.. ربّما تصوّر أنّ "المظاهرة الشبكية" التى قيل إنه كان يتابعها فى العالم الافتراضى ستتحوّل إلى مظاهرات مليونية فى عالم الواقع!.

كانت تلك المظاهرة الشبكية عبارة عن حملة توقيعات دعا إليها عدد من الطلبة الجامعيين الذين يعدّون لرسالة الدكتوراة، ورأوا أن "دكتور جوتنبيرج" الذى تخلّى عن هذا اللقب بعد كشف أمر السرقة الفكرية، يسيء لمكانة الجامعة والدراسة الجامعية إساءة بالغة.. إذا بقى وزيرا!.

وعندما ارتفع عدد الموقعين –فى الليلة الأخيرة قبل الاستقالة- خلال فترة وجيزة من بضع عشرات إلى عشرات الألوف، (كان الرقم: 60 ألفا، عندما أعلن استقالته رسميا.. ورحل عن الكرسي) لم يتحمّل الانتظار أكثر، رغم أنّه يعلم علم اليقين.. أن "الشعب يحبّه".. وإن لم يزعم أنّه مستعدّ للموت من أجله!.

ربّما تخيّل الوزير الألمانى أن هؤلاء "الشباب" سينقلون ميدان التحرير فى القاهرة، أو ساحة التغيير فى صنعاء، أو ميدان اللؤلوة فى المنامة (أو ساحة الشهداء/المرجة فى دمشق) إلى برلين!.

ربّما أغفل المشاركة فى دورة تدريبية على اتخاذ إجراءات وقائية استباقية من قبيل ثكنة "باب العزيزية" فلم يبن لنفسه ثكنة عندما استلم منصبه قبل 42 سنة.. معذرة.. هذا خطأ مطبعى فعمر جوتنبيرج فى منصب وزير الدفاع كعمر سواه من وزراء الحكومة الألمانية، وعمرها الدستورى لا يزيد فى نهاية المطاف على 4 سنوات.. ثم يُنتخب مجلس نيابى جديد، فتتشكل حكومة أخرى.. ربما من أحزاب أخرى!.

لعل التفسير الأصح لهذه الاستقالة السريعة قبل أن تهب الجماهير بمظاهرات مليونية ويسقط قتلى وجرحى.. هو أنّ جوتنبيرج يدرك أنّه بشر، وليس من جنس ملوك ورؤساء لا يغادرون مناصبهم قبل موتهم.. وإن قرؤوا عبارة من قبيل تلك التى حملتها يدا امرأة متظاهرة فى صنعاء تقول: "سرقتَ حقوقى وحقوق أبنائى ولا أريد أن تسرق حقوق أحفادى أيضا"!.

من إعداد الأستاذ تبيل شبيب

جميع الحقوق محفوظة لمنصة الذاكرة 2026 ©