نصوص

وجوب تآلف الأحزاب في تونس

المتتبع للإعلام الإلكتروني التونسي بعد الانتفاضة يلاحظ ظهور كتابات مسـمومة، مضطربة، باهتة، بليدة الأحاسيس، لا تـحمل هـماً إصلاحياً، ولا رفضاً لواقع مرير، ولا ثورة مـخبأة في النفوس، بل تـحمل لغة اختفت فيها الـمحبة الوطنية، وحلّت مـحلها لغة التباغض والتباعد حيث ينتصر فيها الانغلاق على الانفتاح، وإن لمـحت من وقت لآخر إلى أنـها تـحمل هـماً وطنياً، وقلقاً على المصيـر. والمؤسف أن معظم كتّاب هذه المقالات ينتمي إلى الأحزاب التونسية التي ما تزال مـحافظة على عصبيتها القديـمة، أكانت أحزاباً من بقايا السلطة

0
23 فبراير 2011
مصدر الوثيقة:
الحوار نت
مشاركة


المتتبع للإعلام الإلكتروني التونسي بعد الانتفاضة يلاحظ ظهور كتابات مسـمومة، مضطربة، باهتة، بليدة الأحاسيس، لا تـحمل هـماً إصلاحياً، ولا رفضاً لواقع مرير، ولا  ثورة مـخبأة في النفوس، بل تـحمل لغة اختفت فيها الـمحبة الوطنية، وحلّت مـحلها لغة التباغض والتباعد حيث ينتصر فيها الانغلاق على الانفتاح، وإن لمـحت من وقت لآخر إلى أنـها تـحمل هـماً وطنياً، وقلقاً على المصيـر. والمؤسف أن  معظم كتّاب هذه المقالات ينتمي إلى الأحزاب التونسية التي ما تزال مـحافظة على عصبيتها القديـمة،  أكانت أحزاباً من بقايا السلطة، أو تلك التي كانت في المعارضة، أو تلك  التي أنشأتـها شـخصيات سياسية على قياسـها، أو تلك التي تتستر بالدين، أو العلمانية، أو القومية والشيوعية، والتي يتبنون فيها برامـج وتصاريح سياسية تساعد في الانقسام وتفريق الكلمة بين التونسيين، وتدفع بـهم إلى التقهقر والانـحطاط. لست في حاجة لدحض تلك الكتابات الشنيعة وبيان فساد اعتقاداتـها، فإن بطلانـها ظاهر كالشمس، وقد آن الاوآن للكف عن هكذا مناظرات، وأن نطوي الصفحات الماضية المؤلـمة في علاقاتنا الـحزبية بـما حوت من سلبيات وجراحات لمواجهة التحدّيات الوطنية التي ينتظرها وطننا. في هذه الظروف العصيبة التي تـمر على شعبنا ومؤسساتنا الوطنية علينا أن نبذل كل الـجهود للإرتقاء بـمستوى التخاطب، خاصة في أجهزة الإعلام، وبـما يساعد على دفع الـحوار وإثرائه بين مفكري الأحزاب التونسية، وتركيـزه على القضايا والمصالـح الأساسية للوطن، كما علينا فتـح جـميع منابرنا الإعلامية المتوافرة لـجميع المفكرين من أجل الإسـهام في المزيد من التفاعل الفكري، وأن نسعى إلى تنظيم سلسلة من الندوات والـحوارات والدراسات على المستوى الوطني بين جميع الأحزاب والأطراف حول القضايا الفكرية، وفي مقدمتها صياغة المشروع النهضوي الوطني بـجميع أبعاده الاقتصادية، السياسية، الاجتماعية، الثقافية والإعلامية. وقد  يسفر هذا الصراع الفكري بين الأحزاب التونسية عن إشارات إلى معالم منهاج يـمكن أن يزيل من ساحة اللقاء بين الإسلاميين والعلمانيين والاشتراكيين وغيـرهم  من أصحاب العقائد ألغاماً فكرية قد زرعت في حياتنا السياسية واستنفدت طاقاتنا في صراعات داخلية، وذلك إذا ما تـمّ تـحرير مضامين الكتابات من أسر بعض المصطلحات السليبة، وإن لم تنهٍ الاختلاف فإنّـه يزيل حدتـه، ويـحول بينه وبين أن يصبح عقبة في سبيل الالتقاء، بل كفيل بفتـح الأبواب لتنمية مساحات الوفاق الفكري، ومن ثـم تعظيم طاقات العمل المشترك بين جميع الأحزاب في مواجهة المستقبل. نـحن نعلم أن التطابق الفكري التام مستحيل التحقيق، حتى داخل الـحزب الواحد إسلامياً كان أم علمانياً، لأن السُنة والقاعدة هي التنوع والاختلاف، إلا أن توافق أهل القلم على الفهم المشترك للعمل الوطني، على أساس أن مصلحة تونس والتونسيين فوق كل المصالـح،  ستفتـح أبواباً واسعة لتنمية مساحة المشترك الوطني  بيننا، وتقليص عوامل الاختلاف والـخلاف، الأمر الذي سيزيد من طاقاتنا الوطنية . ثـم ما من لغة من لغات العالم إلا وورد فيها هذا القول المشهور " القوة في الاتـحاد"، أو ما بـمعناه من الأقوال المأثورة الدالة على أن النـجاح في كل الأعمال الوطنية قائـم بالتآلف والتـعاون. ويقول أهل الـحل والعقد في العلوم السياسية والاجتماعية، إن التقدم الاجتماعي في أي بلد متـحضر يقوم باتـحاد القوى الـحزبية، وتـعاونـها على السعي وراء الـهدف الواحد، والاتـحاد لا يقوم بدون الألفة، لأن الاشتراك في العمل الوطني يقتضي تـجانس الآراء، واتفاق الأفكار، وتقارب القلوب، وتكاتف السواعد، وهذه الصفات تدفع الإنسان إلى مصافاة أخيه الإنسان في الوطن، وتـحفظ نظام البقاء في التعاون والمناصرة. إن هذا التمدن الـحضاري القائـم أمامنا بعظمتـه وجـماله في الأمم المتـحضرة، ليس نتيجة فكر واحد، أو قوة حزب معين، بل هو نتيجة قوى فكرية وحزبية متعددة، وسواعد كثيـرة بارعة ساهـمت لارتقاء المواطن والوطن. فكل تونسي عاقل، لا يشترك في هذا العمل، فهو يسعى إلى نقض شريعة الله في خلقه، وكل حزب سياسي يقف عثرة في سبيل تعاون الأحزاب فيما بينها لمصلحة الوطن الواحدة، يساهم في تدميـر وطنـه. على الأحزاب التونسية أن تتـعاون، وتتعاضد، و"يد الله مع الـجماعة". تيسيـر العبيدي ـ باريس   

 

جميع الحقوق محفوظة لمنصة الذاكرة 2026 ©