نصوص
وتحدّثت إلى الموفق الإداري
Normal 0 21 false false false MicrosoftInternetExplorer4 /* Style Definitions */ table.MsoNormalTable {mso-style-name:"Normale Tabelle"; mso-tstyle-rowband-size:0; mso-tstyle-colband-size:0; mso-style-noshow:yes; mso-style-parent:""; mso-padding-alt:0cm 5.4pt 0cm 5.4pt; mso-para-margin:0cm; mso-para-margin-bottom:.0001pt; mso-pagination:widow-orphan; font-size:10.0pt; font-family:"Times New Roman"; mso-ansi-language:#0400; mso-fareast-language:#0400; mso-bidi-language:#0400;} علي بوراوي* نصحني ص
- 29 يناير 2010
- مصدر الوثيقة:
- الحوار نت
0
علي بوراوي*
نصحني صديق بالكتابة إلى الموفّق الإداري للشكوى عن تأخر حصولي على جواز سفري. قال لي إنّه عمليّ وفعّال. يكفيك أن تدخل بوابته الإلكترونية وتملأ الإستمارة، ثمّ تضغط على زر الإرسال، وسوف يأتيك جوابه بعد فترة قصيرة.
شدّني الموقع بجمالية تصميمه ووضوح بياناته ويسر استعماله. أكملت ملء الإستمارة في أقل من دقيقتين!
التفتّ إلى نفسي أعاتبها على عدم إحاطتي بما يجري في بلدي وما يقضي حوائجي من وسائط إدارية حديثة، بينما أتابع بدون ملل تفاصيل الحياة في فرنسا، من النقاش الدائر حول رواتب كبار موظفي الشركات، مرورا بالذكرى المائوية لوفاة "البير كامي"، إلى الإستعدادات الجارية للإنتخابات الجهوية. أنا التائه في أحداث فرنسا وتشعّباتها، أبحث عن خيط يوصل شكواي إلى من يسمعها ويعالجها في بلدي، فلا أجد سوى موظفين معدومي الوسائل، ليس لهم من حيلة يواجهون بها أسئلتي غير كلمات فاترة يحاولون بها طمأنتي، وهم يدركون أكثر مني أنها لا تنفع في شيء.
أنحني على الكمبيوتر وأكتب الطلب بعد الطلب، والشكوى تلو الشكوى، ثم أهرع إلى الهاتف وأجري المكالمة إثر المكالمة، ولا من مجيب!
أرسل الرسالة إثر الرسالة، وأتطلّع إلى ساعي البريد في إطلالته اليومية على العمارة التي أسكنها، فلا ردّ سوى إشعار بوصول رسائلي إلى أصحابها. أدقّق في قراءة رقم من يهاتفني، فلا جواب سوى كلمات تحاول طمأنتي، وتؤكّد على التحلي بالصبر والتفاؤل بالمستقبل، وتعد بأنّ الفرج قريب!
فقدت الثقة في الرسائل والمكالمات الهاتفية ومختلف وسائل الإتصال التقليدية، وحتّى في لوحة مفاتيح الكمبيوتر.
أضغط على حروفها، فتخرج باهتة اللّون ثقيلة الحركة، لا تكاد تستوي على السّطر.
قلت مرّة –وأنا أكتب إحدى الرسائل- لعلّ الورق فعلها فيّ ودسّ دسيسته، إمعانا في إهانتي والتنكيل بي، ولكنّي استحييت من نصاعة بياضه، وهو يومئ إليّ ببراءته ممّا أعانيه. فأتراجع بسرعة عن اتهامه، وألغي توجّسي منه.
لقد سخرت منّي هذه الأدوات طويلا، وأخلفت وعدها. اشتريتها بكدّ يميني وعرق جبيني، لتساعدني على همّ الزمان، ولكنّها خانتني.
أمعنت النّظر في صفحة الموفّق الإداري على شاشة الكمبيوتر وسألته:
ها أنت ترى ما فعله بي السابقون، فهل تنصفني أيّها الموفّق الإداري؟
أيّها الرفيق الجديد:
خانني الآخرون وسخروا منّي! غدروا بي جميعا: الهاتف والبريد العادي والبريد المسجّل وحتى الفاكس! حتى الفاكس انضمّ إليهم وأطلق عليّ ضحكته السّاخرة. ثلاثون شهرا كاملة وأنا بينهم أطالب وأشرح وأوضّح، ولم يشبعوا منّي.
ثلاثون شهرا قضيتها في انتظار الوفاء بوعد، والظّفر بحق، والإنتصار لوطن، ولد فيها من ولد، ومات خلالها من مات، وأفرج خلالها عن المتخلّفين من معتقلي غوانتانامو، وعادوا إلى بلدانهم وذويهم، ولكن جواز سفري ظلّ غائبا، أتطّلع في صباح كل يوم إلى إطلالته، حتى أصبح مثل المهدي المنتظر.
ربما لا يهم هؤلاء تعطّل مصالحي، وحرماني من زيارة أهلي ووطني، وحرمان أبنائي من رؤية وطنهم والتّمرّغ في تراب الواحة واللّعب بين نخيلها. ولكن أليست لهؤلاء المانعين مشاغل أخرى يفيدون بها أنفسهم وبلادهم؟
أخبٍرني أيّها الموفّق الإداري، فمعرفتي بك جد قصيرة، لا تسمح لي بتقييمك. قل لي: هل أنت من نسل سابقيك؟ أم أنت من جيل آخر نهض ليمسح غبار سنوات طويلة، وليعيد إلى بلدي بسمته وأناقته؟
قل لي متى يتوقّف النّزيف وتعمر البسمة شفاه الوطن وأهله؟
لمحت إشارة إرسال "العريضة" تومض على الشاشة، فبسملت واستعذت بالله من كلّ شرّ، ثم ضغطت عليها بفأرة الكمبيوتر، وأرسلتها، ثم عدت إلى أوراقي في انتظار جواز السفر، عجّل الله فرجه.