وأخيـراً ولّى هارباً:بقلم تيسير العبيدي
مبـروك للتونسيين بـهروب " رأس الفساد والمفسدين " من البلاد، والعقبـى لمعاونيه.... لا يـمكن لظلم أن يستـمر، سواءً كان ظلماً من فرد، أو من دولة، فالإنسان بطبيعتـه يتوق إلى الـحرية، وإلى تكوين شخصيتـه المستقلة، هكذا الأفراد، وهكذا المـجتمعات. النظام التونسي منذ عهد بورقيبة، وصولاً إلى عهد بن علي، وفق نشوئه، ووفق بنيته الأمنيّة، ووفق أحاسيس أفراد من العائلة الـحاكمة بالتميّز والتمايز عن باقي المواطنين، شكل بقيادته المتـعاقبة نـموذجاً للظلم داخل تونس، وفي مهاجرها، بـحق المعارضين لسياستـه القمعية. لم
- 15 يناير 2011
- مصدر الوثيقة:
- الحوار نت
مبـروك للتونسيين بـهروب " رأس الفساد والمفسدين " من البلاد، والعقبـى لمعاونيه....
لا يـمكن لظلم أن يستـمر، سواءً كان ظلماً من فرد، أو من دولة، فالإنسان بطبيعتـه يتوق إلى الـحرية، وإلى تكوين شخصيتـه المستقلة، هكذا الأفراد، وهكذا المـجتمعات.
النظام التونسي منذ عهد بورقيبة، وصولاً إلى عهد بن علي، وفق نشوئه، ووفق بنيته الأمنيّة، ووفق أحاسيس أفراد من العائلة الـحاكمة بالتميّز والتمايز عن باقي المواطنين، شكل بقيادته المتـعاقبة نـموذجاً للظلم داخل تونس، وفي مهاجرها، بـحق المعارضين لسياستـه القمعية.
لم يرَ النظام القائـم في تونس، أن تـجاربه المسيئة ستؤدي في زمن ما إلى انـتفاضات قد تؤدي إلى انـحسار فاعليتـه، وإلى تـفككه إلى جـماعات ليس لـها وزن بين المـجتمعات الدولية، ولا بين المواطنين التوانسة لما مارسوه من طغيان وجرائـم إنسانية، وهزات اقتصادية أثارت كراهية العباد لـهم.
إن النظام التونسي اليوم، خاصة بعد هروب الطاغية بن علي، هو أشبه بـمملكة بني عـثمان في أخر أيام " عبد الحميد" اخصامه كُـثر وأقوياء ومـحدقين به من كل صوب، ومصممين على سـحقه ، ولكنهم يتهيبون قوته ويتوهمون مناعته، فهم لو علموا بضعفه الداخلي وبفساد أعمال ما تبقى من رجاله السابقين، لما تأخروا بتسديد ضربة قاضية عليه.
ولكن التونسيين المـخلصين الذائبين في وطنيتهم منكمشون على أنفسهم، يراقبون مـجرى الأمور بألم ومرارة، وما سكوتـهم على " بادرة الغنوشي" ورفقائه من رموز النظام السابق إلا احـتراماً لمشيئة الشعب، ومـحافظة على مؤسسات الوطن التي يقدّسونـها وقد أذابوا أزهار أعمارهم في سبيل إنشائـها وبقائها وسلامتها، ويعلمون أن أيّة حركة عسكرية داخل الوطن قد تؤدي حتماً إلى كوارث.
فإذا حاولوا هدم النظام قبل أن يـعدّ أصحاب الاختصاص العدّة، وتـحضيـر المواد البديلة لتـغييـر النظام، نـحو الأفضل، فسيكون عملهم ناقصاً وبالتالي فاشلاً، وإذا حاولوا الترقيع على الطريقة العربية المعهودة، فستظهر العيوب العتيقة في ثوب النظام والوطن المهلهل.
صرح أحد أبرز المعارضين التوانسة في باريس "إن انتفاضة شعبنا في الداخل تـجاوزت كـثيـراً البرامج السياسية لمعظم المفكرين التوانسة"؟ا...
تًرى هل أطاحت الانتفاضة الشعبية خلال أيام قليلة بـجميع البرامج السياسية، الاقتصادية، الفكرية والاجتماعية الجادة، الداعية إلى ترقية المجتمع التونسي لانتقاله إلى مكان يليق به تـحت الشمس ؟ا....
انتفاضة تنطلق بسبب إقدام مواطن على حرق نفسه بسبب مصادرة بضاعته وإهانته شخصياً من قبل شرطية ؟ا.... تنتشر بسرعة هائلة ويلتف حولـها العباد في معظم الـجهات التونسية، كما في المهاجر، ومن جميع أطياف المجتمع التونسي، مسألة فيها نظر، وآلاف الأسئلة المـحيّـرة ؟ا....
انتـفاضة كهذه هبّت بعد أن انتـصب الحقد اليائس ، لفراغ عميق في نفس إنسان سعى إلى إفناء كل شيء ، انتـفاضة كهذه تكون مرعبة، رهيبة، خطرة، وقد تـحشد في نفسها كل ما في الإنسان من قوى تدميـرية، وقد تـخبئ للتونسيين مصيـرا قاتـماً كمصير أولئك الذين يعدون لـها.
شتان بين الانتـفاضة البناءة، الواعية، وبين الانتـفاضة التدميـرية، العمياء....
الانتـفاضة التي تـحرق الممتلكات العامة، وتدمر الأبنية وتقلع الأشجار وتسرق المخازن هي انتـفاضة عدميّة، انتـفاضة بقايا عصابات "العائلة الـهاربة" التي مولّت، وسلّحت عصابات مرتزقة لتقوم بـخلق الفوضى في كل مكان، ولتبث الشغب والارتباك حيث تـحل.
انتـفاضة تونس حتى الآن، لـها شهوة طاغية، رعناء، تـحطم حباً في التـحطيم، تعبث بالعمران والأرواح، في السجون ومراكز الشرطة، تزمـجر، وتـهدد بالتدميـر والتقويض، ونتائـجها ستكون كالتالي:
عودة أصحاب النفوذ من مافيات بن علي إلى التحكم بالسلطة.
خسائر هائلة في الأرواح والماديات.
غياب تونس عن الحركة العلميّة والثـقافية العالمية المعاصرة.
هروب الأدمغة التونسية.
أزدياد حدّة الانـقسامات الشعبية، السياسية والنقابية والاجتماعية.
تـمدد دولة إسرائيل سياسياً وأمنياً داخل المجتمع التونسي.
ساذجاً كل السذاجة من يعتقد أن هذه الانتـفاضة ستخرج تونس من مـحنتـها دون الاستـعانة ببرامج المبدعين من المفكرين التونسيين المتمرسين بالحياة السياسية، الاقتصادية والاجتماعية.
الانتـفاضة الصحيحة هي التي تتبنى برامج وطنية ناضجة تـختصر توق الشباب التونسي إلى نظرة نبيلة للحياة، برامج عصرية، علميّة أنـجزها متفوقون تونسيون سبق لـهم ودخلوا بيوت ومتاجر العباد، وحقول المزارعين ومصانع العمال، ومدارس وجامعات الطلبة.
مناضلون ساروا إلى ساحات المواجهة مع الفاسدين بصمت هادئ أين منه هدير العواصف والمظاهرات والاحتجاجات، مفكرون يصممون فيقولون، ثـم ينطلقون يقلبون القول عملاً والتصميم تنـفيذاً، ويسيـرون إلى السجون وفي قلوبـهم أيـمان وقوة، وفي نفوسـهم حرية، يضحون بكل شيء في سبيل إعادة الـهناء والعدالة للشعب التونسي، والمـجد والعز للوطن التونسي.
على قادة الانتـفاضة الحالية الاستمرار في الجهاد على بقايا "السلطة الـهاربة" لدفعها بالدرجة الأولى إلى إطلاق جميع السجناء السياسيين، والأدباء والشعراء وأصحاب العقول النيـّرة الذين جاهروا بتقبيح الاستبداد، وإطلاق الحريات الفكرية، وعودة المبعدين.
كما عليهم تنقية صفوف الانتـفاضة من الطفيليين والنفعيين والخونة، ورص صفوف الشعب في جميع المدن والقرى التونسية لجولات جديدة من الصراع لكسب مواقف سياسية أخرى، والمساعدة لخلق نواة باستـطاعتها وضع دستور جديد للبلاد لبناء دولة القانون والمؤسسات، ولإسترجاع الثروات السليبة، واحترام مقدّاسات الشعب، ولدعم انفتاح تونس وتكاملها مع مـحيطها الطبيعي.
نتأمل من هذه الانتـفاضة المباركة أن تستـمر لتضع أساسات للحرية الفكرية والسياسية على أسس ثابتة لا تزعزعها تقلبات العهود لتصبح لـهيبها نوراً ساطعاً ينيـر عقول العباد في جـميع أنحاء تونس وعالمها العربي.
باريس
تيسيـر العبيدي