نصوص

هيبة الأمن بين التعليمات والقانون

ورث "بن عليّ" عن سلفه بورقيبة جهازا أمنيا كانت مهمته الأولى والأساسية هي حماية "النّظام"، ثمّ فرّ وترك جهازا متشعبا ومعقدا ومتداخلا بُني أساسا على القطيعة مع المواطنين والولاء المطلق لرأس السلطة. كانت الأجهزة الأمنية تسهر بالليل والنهار لفرض استقرار أمن "بن عليّ" وهيمنته وأسرته على كل المجالات، فنكلت بكل من عارض النظام جماعات كانوا أو أفرادا، منظمين أو مستقلين. وأفلح "بن علي" ـ بحكم مرجعيته الأمنية ـ في تجنيد الأجهزة الأمنية تجنيدا كاملا لتحقيق أهدافه ورغباته في استمرار تمسكه بالسلطة وتمسك أسرته

0
28 يونيو 2011
مصدر الوثيقة:
الحوار نت
مشاركة

ورث "بن عليّ" عن سلفه بورقيبة جهازا أمنيا كانت مهمته الأولى والأساسية هي حماية "النّظام"، ثمّ فرّ وترك جهازا متشعبا ومعقدا ومتداخلا بُني أساسا على القطيعة مع المواطنين والولاء المطلق لرأس السلطة.

كانت الأجهزة الأمنية تسهر بالليل والنهار لفرض استقرار أمن "بن عليّ" وهيمنته وأسرته على كل المجالات، فنكلت بكل من عارض النظام جماعات كانوا أو أفرادا، منظمين أو مستقلين.

وأفلح "بن علي" ـ بحكم مرجعيته الأمنية ـ في تجنيد الأجهزة الأمنية تجنيدا كاملا لتحقيق أهدافه ورغباته في استمرار تمسكه بالسلطة وتمسك أسرته بالنفوذ، وعوّل على تنافس تلك الفرق في إرضائه وخوّف بعضها من بعض، إن هي قصرت في آداء واجب الخدمة.

استطاع أن يحفر هوّة بينها و بين عموم المواطنين حتى تستمر القطيعة ولا تنحاز تلك الفرق لشعبها.

عمّ النّهب والفساد وكانت تلك الأجهزة شريكة أو متفرجة، ربّما أنكر بعضها بقلبه ولكننا لم نسمع أن أحدا منهم أنكر الفساد ونفوذ "الطرابلسية" بلسانه أو بيده.

أحسن "بن علي" قياد الأجهزة الأمنية بسياسة "جوع كلبك يتبعك" وعقلية "الخبزة" والتعليمات، ولكن لما استعصت هبّة الشعب التونسي على عِصيّ تلك الأجهزة ورصاصها، فرّ "بن عليّ" هاربا، وحينها تذكرت الأجهزة انتماءها للشعب وأنها ("توانسة")، فتحررت من خوفها وخرجت في مسيرات تطالب بتحسين أوضاعها الإقتصادية والمهنية وبتكوين النقابات التي تدافع عن مصالحها، وحينها فقط عبّرت عن مدى الاضطهاد الذي كانت تعانيه من رئيسها "الهارب"!

المقايضة بين الأمن والمصالح

الأمن نعمة عظيمة امتن الله بها على عباده وجعلها رديفة الإطعام من الجوع "أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف"، ولاشك أن أقدارا من الأمن كانت متحققة زمن "بن علي" حيث أن ظاهرة "البراكاجات" وقطع الطرق لم تكن ظاهرة منتشرة، وكانت الفرق الأمنية تحقق قدرا من الأمن على الأقل المتعلق منه بحماية الأرواح.

حيث أنه لو خُيّر عموم المواطنين بين أن يدفعوا بعض الدينارات لأعوان المرور، أو أن يقطع المجرمون عليهم الطريق فيسلبونهم أموالهم ويعرضونهم للإذاية يختارون الأولى، كما يقول المثل التونسي "في الشرّ ما تختار" أو "شرّ أهون من شرّ"! وعلى ذلك فقس في كل المجالات.

هذه المعادلة المتمثلة في المقايضة بين توفير حدّ من الأمن ومكافحة الجريمة في مقابل استمرار المصالح غير المشروعة لأعوان الأمن بما تعنيه من هيبة مغلوطة وتعالي على القانون وإفلات من العقاب وإذلال للمواطنين، هي ما يجب أن يقاوم ويوضع له حدّ، رغم حرص أطراف في الأجهزة الأمنية على استمرار تلك المعادلة المنافية للتحرر والمخالفة للقانون.

التطهير وإعادة التأهيل

بقطع النظر عن الخلفية التي كانت تعتمد في انتداب رجال الأمن، وعن النوعية التي كانت تتقدم لهذا المجال، فإن جهاز الأمن في تونس يحتاج إلى تنقيته من الذين ارتكبوا الجرائم الكبرى في حقّ الشعب التونسي والمتمثلة في الإشراف على القمع والتعذيب والتنكيل بالشرفاء وحماية الفساد والمتنفذين من رئيس العصابة وآله وأصهاره ومن لفّ لفهم، لابدّ من محاسبتهم ومعاقبة من تثبت إدانته من قبل القضاء المستقل.

وأما الغالبية العظمى من عناصر تلك الأجهزة فلابدّ من الصفح والتجاوز عمّا ارتكبت من أخطاء لا ترتقي إلى مستوى الجرائم الكبرى، واعتبارهم ضحايا للاستبداد، وجب إعادة تأهيلهم وتكوينهم على احترام القانون والمواطن وتثقيفهم بثقافة حقوق الإنسان والديمقراطية، بما يؤهلهم للقطع مع الأساليب الأمنية القديمة. مع ضرورة مشاركتهم في دورات تأهيلية تختم بامتحانات تساعد على إعادة تصنيفهم. وبذلك يعطوا الفرصة من جديد ليحاسبوا على ما يكون منهم في مستقبل أيامهم وليس على ما كان.

مسار لا قرار!

الديمقراطية، الحرية، ثقافة حقوق الإنسان، دولة القانون والمؤسسات ... وغيرها من العناوين الكبرى التي هي بمثابة أعمدة صلبة تقيم عليها الدول عمرانها، كلها مسارات تحتاج لدربة وإصلاح وتغيير وتحسين وتعديل حتى تحقق المطلوب منها.

ومن زعم أن تلك العناوين كلها تتحقق بقرار فهو مخطئ أو مغالط، لأننا لا يمكن أن نغير العقليات والسلوك في لحظة بمجرد قرار، خاصة إذا كان القرار غير نابع من ذات الفرد.

لذلك فهدم الباطل بالثورة أيسر بكثير من إقامة الحق بالعدل، وإذا كانت الثورة بمعناها البسيط والمتداول هبّة في زمان ومكان محدّد قد لا تحتاج نفسا وصبرا طويلا، فإن البناء والإصلاح على خلاف ذلك تماما، وهو المعنى الحقيقي للثورة، لأن الثورات الحقيقية ليست لحظات زمنية عابرة.

لإصلاح جهاز الأمن لابد من تحريره

قد يكون عنوان هذه الفقرة مستفزا في ظاهره حيث أن هذا الجهاز قد فعل الأفاعيل في شعبه وإخوانه بكل "حرية" ودون رقيب أو عتيد، زيارات ليلية واعتقالات عشوائية وسحل وتعذيب وتلفيق لقضايا من صنع الخيال، وقتل دون حساب ...، ولكني أرى أن أفعاله تلك نابعة من عدم حريته وقلة أمنه على "خبزته" ولذلك تنافسوا في تنفيذ التعليمات بكل حَرفية ودون اجتهاد، فلا اجتهاد مع نص التعليمات، هذه هي العقيدة التي عليها ينشّؤون ويربون.

والسؤال الآن كيف نحررهم؟ ... وجوابه هو أن يدرّبوا على علوية القانون وجعله حَكَما على التعليمات.

كما أن راتبهم يجب أن يكون كافيا لحاجاتهم الضرورية، فلا يعقل أن يكون راتب عون أمن له أطفال في المدرسة 400 دينار منها يؤجر البيت ومنها ينفق على العائلة! ... هذا معناه "دبّر راسك، وخبّش نبّش" ـ كما ذكر أحد الأعوان ـ أي إنه دفع لهم للطمع والرشوة والعمل فيما يخالف القانون ويضر البلاد!

أعطه كفايته ثم راقبه وحاسبه وإذا مدّ يده بعد ذلك، لما ليس له "اضربه" عليها حتى يكون عبرة لمن خلفه!
إذا تربى أعوان الأمن على ثقافة المواطنة، وأن القانون أعلى من تعليمات "الشاف" الذي ليس له أن يصدر تعليمات مخالفة للقانون، يكون لأي عون أمن أن يرفض التعليمات المخالفة للقانون مهما ضعفت رتبته ومهما على مصدر التعليمات، دون أن يخشى من العقاب لأن القانون إلى جانبه.

نعتقد أنه آن لتونس التى ضحى أبناؤها بدمائهم وبحريتهم سجنا وتشريدا حتى بلغت بنضالات شعبها "يوم 14 جانفي"، وشدت أنظار العالم إليها كعنوان للتحرر السلمي وأنموذج يُتّبع، أن ينعم مواطنوها جميعا بحياة أأمن وأفضل، وبحرية مسؤولة، ومسؤولية محرّرة من الخوف والتعليمات التي لا تحترم الإنسان وكرامته!

ولعل مدار كثير من كلامي آنف الذكر ملخصه:" لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، الذي خلق الناس أحرارا وحرّم الظلم على نفسه وجعله بين الخلائق محرما"!

جميع الحقوق محفوظة لمنصة الذاكرة 2026 ©