نصوص
ههنا كانت ثورة، فلنحترم أرواح الذين ضحّوا من أجلها
ههنا كانت ثورة، فلنحترم أرواح الذين ضحّوا من أجلها إذا تعلّلنا في السابق بالخوف من الظالم وعصاه الغليظة وبعدم معرفة الحقائق التي قد تحفّزُنا على الفعل الإيجابي الرّافض الاستكانة، فإنّ الثورة الكريمة – أحسب – قد أعانتنا على الحصول على المعلومة؛ إذ بات تقريبا كلّ ما يُفعل يُدرك، كما علّمتنا كيف لا نخاف ممّا لا يُخاف منه وكيف نبادر دون انتظار أو تردّد بمحاربة المظالم ورفعها حالما انتبهنا إلى مصدرها؛ حتّى لا تتكرّر التجربة البورقيبية والنوفمبريّة المريرتين السالبتين للكرامة... هكذا كنت أحسب!... غير
- 1 مايو 2011
- مصدر الوثيقة:
- الحوار نت
0
ههنا كانت ثورة، فلنحترم أرواح الذين ضحّوا من أجلها إذا تعلّلنا في السابق بالخوف من الظالم وعصاه الغليظة وبعدم معرفة الحقائق التي قد تحفّزُنا على الفعل الإيجابي الرّافض الاستكانة، فإنّ الثورة الكريمة – أحسب – قد أعانتنا على الحصول على المعلومة؛ إذ بات تقريبا كلّ ما يُفعل يُدرك، كما علّمتنا كيف لا نخاف ممّا لا يُخاف منه وكيف نبادر دون انتظار أو تردّد بمحاربة المظالم ورفعها حالما انتبهنا إلى مصدرها؛ حتّى لا تتكرّر التجربة البورقيبية والنوفمبريّة المريرتين السالبتين للكرامة... هكذا كنت أحسب!... غير أنّ ما يدور في تونس اليوم يجعل الرّاشدين منّا - على الأقلّ - يلحظون أنّ نزوعا إلى الفوضى اللاهثة المضرّة المقترفة من طرف مستويات جدّ متخلّفة في المجتمع التونسي قد بدأ يفرض نفسه وذلك في ظلّ غياب "هيبة الدولة" كما أشار إلى ذلك بعض المسؤولين المحنّكين... أو في ظلّ – كما أرى - ضعف المواطنة الصحيحة التي تغنّى بها "الوطنيون" طويلا لمحاربة الوطنيين، وضعف الوازع الديني الذي استعمله صانع التغيير الفاسد لخنق الفضيلة وقتل الحياء وبالتالي توهين الرّابط الاجتماعي وطرد الثقة من عالم النّاس... فقد سعى هذه الأيّام بعضُ فاسدي السلوك ممّن لا يراعون حرمة أو دينا أو جوارا إلى بثّ الرّعب في صفوف الضعفاء بما يقترفون من صنائع سود لا يحرّض عليها حتّى أخلاق مَن حُرموا التعرّف على الإسلام... ولقد وقفت عند الانفلات الأمني الذي خبّرت عنه "كلمة" بتاريخ 29 أفريل 2011، والذي دارت أحداثه في مدينة قصر هلال، إثر أو خلال مباراة كرة قدم دارت أحداثها في إسبانيا... والذي تُرجِمَ بإحراق مقرّ إدارة اتصالات تونس والقباضة المالية بالمدينة... وقلت: ما علاقة أناس في تونس - قد لا يعلم عنهم بعض النّاس أو الكثير من النّاس أو كلّ النّاس في إسانيا أيّ شيء - بما يدور في إسبانيا من أحداث جعلوها للترفيه عن الأنفس والتقارب فيما بينهم!... كيف يهتمّ تونسي – إلاّ أن يكون بسيطا أو تافها أو عدوّا – بأحداث مقابلة يَحرق من أجلها منشئات خاصّة أو عمومية في بلده وكتائب القذّافي تجتاح أرضه في الجنوب أو تحاول؛ وأجساد الشهداء قد تكدّست في تونس وفي مصر وفي ليبيا وفي سوريا واليمن وقبل ذلك في فلسطين دافعة للخبث والخبثاء... كيف يطمئنّ التونسي البسيط إلى الثورة ونتائجها إذا ما بات فاقدا للأمن على قارعة الطريق وفي بيته، منعدم الثقة فيمن حوله من النّاس!... لا بدّ من الضرب على أيادي هؤلاء التافهين، فإنّ الثورة أنبل وأكرم ممّا يدعو إليه هؤلاء الغجر ممّن امتهنوا الحرق والخلع وقطع الطرق (البراكاج) والتهجّم على المثقّفين (كما حدث في المنستير) والسطو على الممتلكات والأعراض على حدّ السواء!... كيف للثورة التونسية أن تكون مثالا وكيف للتونسيين أن يطالبوا باقتراحهم – من أجل ثورتهم – على لجنة جائزة نوبل للسلام إذا لم تستطع الثورة التخلّص من هؤلاء الخبث دعاة الحرق والنهب والترويع!... ولقد وقفت عند مشهد هروب المساجين من السجون التونسية، فعادت بي الذاكرة إلى إحصاء مفاتيح السجن الذي كنت بداخله ذات يوم - مظلوما غير مجرم ضمن مجموعة سمّاها صاحب التغيير المبارك وآله "مجموعة مفسدين" – فوجدتها أحد عشر مفتاحا، وتفكّرت في السور المرفوع فرأيته مانعا، ونظرت إلى الساحات فوجدتها كافية لإيواء الفارّين من حريق يُزعَم نشوبه داخل البيوت، ودقّقت في الحريق فوجدته مهلكا غير ممكّن من الهروب إذا ما حدث!... فالهروب إذن مدبّر ومنجز من طرف أعداء الثورة المباركة، ثورة الكرامة!... والسجون لا تتوفّر فيها – حسب ما عرفنا – أيّ ذرّة من كرامة... والسجّانون السابقون ومدراؤهم على وجه الخصوص وإداراتهم وطلائعُهم ومتفقدّوهم كلّهم – إلاّ من رحم ربّي وأخفى - مجرمون أو هم فاقدو كرامة!... ولقد رأيت أن يخضع كلّ هؤلاء للمساءلة كي ينالوا بعض استحقاقاتهم من العقوبة جرّاء ما أهانوا وداسوا على الرّقاب وتفنّنوا في التعذيب وقتّلوا!... ولقد رأيت أن تعاد هيكلة السجون من حيث القوانين المتوخّاة بها والإطارات العاملة فيها وأهداف التحويل عليها وظروف الإقامة بها... وظننت أنّ السجن ليس وحده المُصلح، بل قد لا يكون الإصلاح إلاّ بتجنّبه... وإذا كان الكثير من المجرمين يخطّطون – استخفافا - إلى الرّجوع إلى السجن قبل مبارحتهم له، فإنّ عملا بالصحراء التونسية لاستصلاح الأرض - هناك حيث كان يُزجّ ظلما بالطلبة الصالحين؛ إطارات المستقبل – في رجيم معتوق وفي قرعة بوفليجة قد تجعل المجرم يفكّر حقّا في إصلاح ذاته وفي الرّجوع إلى حضيرة العقلاء، لبناء المجتمع الآمن الفاضل!... أقول في الختام: بدل أن يجتمع النّاس الوافدون فجأة على مائدة نتائج الثورة؛ على نهش لحوم قوم قد نحلوا جدّا من آثار السجون الظالمة التي كانت سلّطت عليهم بتواطئهم، عليهم أن يفكّروا في مصلحة البلاد والعباد فيعملوا جميعا على ردّ الاعتبار لأجواء الثقة والرّاحة في المجتمع، فبذلك نكون خادمين للثورة مخلصين للشهداء الذين ضحّوا بأرواحهم الزكيّة... وليعلم الجميع أنّه يمكننا العيش بعيدا عن ظلم أولئك وسفاهة هؤلاء وانحطاطهم، وذلك فقط بتذكّر أنّنا شعب مسلم، و"المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه" كما سمع ذلك من رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم؛ عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما... عبدالحميد العدّاسي الدّنمارك في 01 ماي 2011