نصوص

هموم مهجرية.. مهاجرون متى يستيقظون؟

الطاهر العبيدي / باريس يأتي فصل الصيف فيستيقظ معه الحنين ويصحو الشوق إلى الأهل والعائلة والبلد، وتتزاحم الأسواق الشعبية تبتلع المهاجرين للتبضّع وملأ الأكياس، وتجهيز الحقائب نحو سفر عكسي من الشمال إلى الجنوب، وعودة باتجاه بلدان الذاكرة والتربة والعائلة والحنين، من أجل قضاء عطلة سنوية تتراوح بين شهر أو شهرين.. وترى أفواج المهاجرين يسابقون الزمن في التهافت على المغازات ذات التخفيض في الأسعار، من أجل حشو الكراتين واصطياد ما تقيأته الشوارع من تجهيزات منزلية، وأثاث ما يزال صالحا للاستعمال، تخلص منه أص

0
23 يوليو 2010
مصدر الوثيقة:
الحوار نت
مشاركة

الطاهر العبيدي / باريس
يأتي فصل الصيف فيستيقظ معه الحنين ويصحو الشوق إلى الأهل والعائلة والبلد،  وتتزاحم الأسواق الشعبية تبتلع المهاجرين للتبضّع وملأ الأكياس، وتجهيز الحقائب نحو سفر عكسي من الشمال إلى الجنوب، وعودة باتجاه بلدان الذاكرة والتربة والعائلة والحنين، من أجل قضاء عطلة سنوية تتراوح بين شهر أو شهرين.. وترى أفواج المهاجرين يسابقون الزمن في التهافت على المغازات ذات التخفيض في الأسعار، من أجل حشو الكراتين واصطياد ما تقيأته الشوارع من تجهيزات منزلية، وأثاث ما يزال صالحا للاستعمال، تخلص منه أصحابه قصد التجديد أو التخفيف أو تغيير محل الإقامة.


ومن المفارقات الموجعة أن أغلبية هؤلاء المهاجرين قد اختزلوا الهجرة في الهدف المادي، دون حتى الاطلاع السطحي على معالم البلد الذي يقيمون ويعيشون فيه، فلا أحد من هؤلاء يدفعه الفضول لمجرد زيارة متحف اللوفر، أو مقبرة العظماء، أو ساحة الكونكورد، أو مكتبة فرانسوا ميتران ،أو معهد جورج بومبيدو، أو ساحة الباستيي، أو حديقة النبات، أو موقع الفراشات، آو فرنسا المصغرة، أو المقاهي الثقافية، أو معهد العالم العربي، أو الحي اللاتيني، أو البنتيوم أو شوارع الرسامين... وغيرها الكثير من المعالم والمواقع التاريخية الرائعة، والمفتوحة للعموم دون استثناء ودون حواجز. حيث أن هؤلاء جاؤوا إلى هذا البلد وفي أذهانهم هدف مركزي دون سواه، وهو جمع المال بكل الطرق، بما فيها التسوّل من الصليب الأحمر، والجمعيات التي توفّر بعض الأكلات للمعدمين، والاستفادة من الإعانات الاجتماعية التي تخلّف نوعا من الذل المستتر، وتترك نظرة دونية من طرف المسؤولين تجاه هؤلاء المهاجرين، الذين عوض أن يكونوا سفراء، كانوا مرّوجين لطرق التسول المقنع، ووضاعة الأنفس التي لا تتردّد في التحايل على القوانين، بأشكال مختلفة لتصنيفهم ضمن شريحة الفقراء المعدمين، كي يستدروا عطف المراكز الاجتماعية من أجل الفوز ببعض الأكل واللباس، وبعض المساعدات المادية، وكل شيء في نظرهم مباح على حساب الكرامة والعزة، طالما أن الأهل في البلد لا يعرفون الحقائق..
وحين نتأمل واقع هذه الشريحة الكبيرة من المهاجرين، نكتشف حالة العطب الذهني في الاختيارات، حيث هذه الفصيلة تعيش على هامش المجتمعات الأوروبية، ولعل ما يثير الإشفاق على هؤلاء هو ارتهانهم لغربة سلبية معدمة لهواجس الاطلاع، ومنزوعة الإحساس بالمعرفة والاستفادة، ليظلون في وضع تدلي وتأرجح بين ثقافة مجتمعين، معدلين عقارب الزمن على العودة النهائية والاستقرار بالبلد، واعتبار بلدان الإقامة محطة وقتية لا يمكن أن يؤسس فيها وضعا مستقرا ومريحا، وكأن الزمن ملكهم، وفي المقابل فإنهم يحولون شقاء السنين في بناء بيوت فاخرة في بلدان الأصل، على أمل العودة والاستقرار النهائي، في حين هنا يعيشون أوضاعا بائسة، ومنهم من يسكن في بيوت متواضعة جدا تفتقر لأبسط الضروريات، بل والكثير منهم يلتجأ الاستحمام إلى حمامات البلدية المجانية، وغالبا ما يوجد هؤلاء متناثرون في تجمعات مكدسة، تكاد تكون أحياء معرّبة  من حيث شكل وطبيعة الحياة، وليس تعريبا ايجابيا بل بالطرق التي تنشر صورة رديئة لدى الآخر، ويبقى اللغط لدى هؤلاء هو العودة النهائية للبلد، وتنسحب من أعمارهم السنين فلا هم عادوا هناك ولا هم عاشوا هنا، والأقرب لعودتهم أن الأغلبية يعودون جنائز للبلد، مخلفين القصور التي شيدونها هناك، والأراضي التي اشتروها والبيوت التي بنوها، دون أن يسكنوا فيها... والبعض منهم ممّن وافاهم الأجل هنا،  تكتشف أنهم كانوا يقطنون بيوتا تشبه الجحور، أو هي مساكن أقرب منها للقبور...

صحيفة مواطنون

جميع الحقوق محفوظة لمنصة الذاكرة 2026 ©