هل يملك الإسلاميّون مشروعاً؟
ثمّة جدل في صفوف الحركات الإسلاميّة من المغرب إلى الأردن يدعونا إلى طرح السؤال: أيّ مشروع تحمله هذه الحركات إلى مجتمعاتها وأوطانها وإلى الأمّة؟ يمكن الحكم على مشروع حركةٍ سياسيّةٍ ما من وجهة نظر حاجة المجتمع إليها، أو من وجهة نظر رؤيتها الأيديولوجيّة والسياسيّة أو الاثنين معا، ويساهم القانون في تيسير دورها ووظيفتها السياسيّة والاجتماعيّة، وبالأحرى في تطويرها أو في وضع عقبات في طريق أداء نفس الدّور، وقد يتسبّب في إيجاد أزمة في العلاقة بينها وبين مكوّنات الواقع سلطةً ومجتمعاً، لكنّ القانون ليس هو
- 18 مايو 2010
- مصدر الوثيقة:
- الحوار نت
ثمّة جدل في صفوف الحركات الإسلاميّة من المغرب إلى الأردن يدعونا إلى طرح السؤال: أيّ مشروع تحمله هذه الحركات إلى مجتمعاتها وأوطانها وإلى الأمّة؟
يمكن الحكم على مشروع حركةٍ سياسيّةٍ ما من وجهة نظر حاجة المجتمع إليها، أو من وجهة نظر رؤيتها الأيديولوجيّة والسياسيّة أو الاثنين معا، ويساهم القانون في تيسير دورها ووظيفتها السياسيّة والاجتماعيّة، وبالأحرى في تطويرها أو في وضع عقبات في طريق أداء نفس الدّور، وقد يتسبّب في إيجاد أزمة في العلاقة بينها وبين مكوّنات الواقع سلطةً ومجتمعاً، لكنّ القانون ليس هو من يحدّد ويفصل إن كانت حاملة لمشروع أو لا تمتلكه. أمّا قيمة المشروع فهي تتأتّى من أنّه يمنح مشروعيّة لحامليه ومبرّرا للوجود والبقاء والاستمرار حتّى وإن ضاق القانون بذلك الوجود أو جار عليه، فلُحمة الجماعات وإصرار المنتسبين إليها على التمسّك بها وتطويرها وفرض حضورها نابعان من الإيمان بذلك المشروع وصحّة مشروعيّته.
أمّا محتوى المشروع فهو إمّا إصلاحٌ لأوضاع ساءت وطالها الفساد أو المحافظة على منجز ومكتسبات وثوابت وتضحيات شكّلت ملامح شخصيّة ومعالم هويّة، وتكون المحافظة تالية بعد تغيير أنتج فعالية وأعطى دفقا حيويّا وحراكا وديناميّة فيكون الجيل المحافظ وريث جيل مؤسّس، جيل ثورة أو انقلاب أو إصلاح عميق يتّسم بالتجديد وفتح آفاق على المستقبل أو تغيير جزئي أو كلّي بمنهج قائم على التّدرج أو تحريك التاريخ أو القفز على الواقع والإعراض عن قوانينه.
ماذا يعني المشروع؟ المشروع فكرة قابلة للتّحقّق والتّنفيذ والتّجسيم، وهو في الغالب اتّجاه إلى الأمام أي رُقيّ بالمعنى الإنساني والدّيني، وتدلّ كلمة مشروع في اللغة الفرنسيّة على معنى الانقذاف إلى الأمام بما أنّه أحد المفاهيم التي قامت عليها بعض الفلسفات المعاصرة مثل الوجوديّة فهو مرتبط بفكرة التّغيير وبإعطاء أولويّة للوجود على الماهية بما أنّه هويّة منقوصة وغير متبلورة بدءا، وما هو في حكم الغيب وطيّاته ذو قيمة أساسية بالقياس إلى المعلوم والمتحقّق. فالمشروع ليس تثبيتا للحظة هاربة منسحبة من الحاضر إلى الماضي وإنّما هو استدعاء للمستقبل ومعانقة له، وجعل النّقص حافزا إضافيّا على العمل وسعيا إلى الكمال ونهوضا بمسؤوليّة الوجود في المكان بين النّاس داخل التاريخ بأشواق الإنسان المريد والمؤمن.
كما يُقصد بالمشروع الأصالة والبديل والحلول، أصالة تجاه المشاريع الأخرى وبديل عن وضع لا ينبغي أن يستمرّ، لأنّ كلفة استمراره أثقل من كلفة تغييره، وحلول لمعضلات تستحثّ الإرادة والعقل على التّحرّك بفنّ الممكن تحقّقا في المستقبل، والممكن زوالا لما استقرّ. ففنّ الممكن له اتجاهان على الأقلّ: إمكان تجديد وإضافة وتجاوز، وإمكان تثقيف وشطب ومحو وهدم، فالمشروع يجُبّ ما قبله ويقطع معه ويُفرغ ويملأ نفوسا تعلّقت همّتها بالتّغيير ويبدّل بها علاقات ومدنيّة وينجز بها حضارة. كما يُقصد بالمشروع إنجاز عظيم وعمل ضخم تاريخي عميق أفقيّا وعموديّا، فالمشروع بمعنىً ما هو الفكرة قبل تفصيلها ويتحقّق عبر البرنامج الذي هو الفكرة قبل تجسيمها أي أنّ المشروع يكون عمليّا عندما يمرّ من الإجمال إلى التّفصيل ومن التّخطيط إلى التّجسيم.
ما الدّليل على وجود المشروع؟ يدلّ عليه وجود حركة كجزء من مجتمع أو فرع من حركة أعمّ وأوسع ولا يدلّ المشروع على وجود الحركة بقدر ما تدلّ هي على وجوده؛ إذ أنّ المشروع يمكن أن يكون مشروع فرد ارتآه لمجتمع بأسره أو دولة بكاملها أو اقترحه على أمّة خاصّتها وعامّتها، فالمشروع تشخيص لأعراض واقع وتصوّر لعلاجه وحلم بالارتقاء به إلى المثال، فالمشروع في جوهره هو المثال أي المرمى البعيد والغاية القصيّة والصّورة الكاملة التي يكون ما دونها غاية أدنى أو وسيلة إليها ليس إلاّ.
ويدلّ على وجود المشروع وجود سلطة تصدّت ولا تزال، وقد يتغيّر موقفها فتتصالح معه وتعترف به لحاجة أو مصلحة، تعزيزا لجبهة داخليّة أصابها الوهن واستجابة لتحدّيات مرحلة صعبة يُحتاج لمجابهتها إلى تجنيد كلّ القوى وإسهام كلّ الأطراف. كما يدلّ على المشروع وجود مشاريع أخرى حليفة أو مخالفة أو مناهضة يتحدّد قياسا عليها وتتحدّد نسبة إليه. فالمشروع المتخيّل في أذهاننا مثاليّ يعدّله الواقع وتُرشّده الممارسة وتختبره وتنضّجه المشاركة وتجذّره المواجهة ويحرّفه الاضطهاد ويدفعه القمع على المغامرة ويجعله عرضة للاختطاف من طرف النّزعات المغالية التي يعلو صوتها عند خنق صوت الاعتدال. كما أنّ المشروع يمكن أن يعيقه أهله عند قلّة الحيلة.
المشروع في أذهان الأعداء والخصوم مشروع اضطهاد وفتنة رغم أنّ أصحابه ضحايا للاضطهاد في امتحان مستمرّ، مشروع ظلاميّ رغم أنّهم دُعاة تنوير وتجديد، مشروع دولة تيوقراطيّة رغم أنّ الشروط التاريخيّة والإبستيمولوجيّة لهكذا دولة منعدمة ومستحيلة، مشروع سلفيّ رجعيّ رافض للحداثة وفي أحسن الأحوال ردّ فعل عليها رغم أنّ أصحابه يعيشون عصرهم من المتفوّقين في التّعليم ومن الموفّقين في أسرهم ومن النّاجحين في أعمالهم ومن المتفتّحين على مناهج العلم ومبتكرات التكنولوجيا. فالمشروع في عيون معارضيه وخصومه مختزل محنّط في صورة نمطيّة تشوّه حقيقته، وتضع قناعا على وجهه أو تطمس ملامحه وأبعاده لذلك أمام أصحابه مهمّة مزدوجة: تجلية حقيقته والرّدّ على شبهات أعدائه، فقدر بعض المشاريع حمل الشّبهات ودفعها. لا يولد المشروع مكتملا ولا يأتي جملة واحدة بل يتبلور حتى يأخذ صيغته المنشودة، ووجود غموض في ما تطرحه الحركة الإسلاميّة للبلاد وما يسمّيه بعض الباحثين المناطق الرّماديّة لا ينفي وجود المشروع ولا يقلّل من قيمته الحضاريّة، فالإسلاميّون المعاصرون حينما كانوا جماعات قيد التّأسيس لم يكن لهم رؤية مكتملة للمجتمع ولا نظريّة في الدّولة، فقط رفعوا شعار دولة العدل أو الدّولة الإسلاميّة دون مضمون للشّعار لكنّها بوضوح لا لبس فيه رفضت الفصل بين الدين والسياسة كفرع من أصل هو عدم الفصل بين الدين والحياة، كما أنّها عارضت صيغا مسقطة من اللاّئكيّة والعلمانيّة المتطرّفتين.
هل يحمل الإسلاميّون نفس المشروع، وهل يحافظ مشروعهم على نفس المقوّمات في كلّ المراحل؟
يشترك الإسلاميّون في السّعي إلى إعادة الثّقة بالإسلام والنّهوض بالمجتمعات الإسلاميّة، ويختلفون في المنهج والأساليب والتّنزيل والتّفاصيل كما أنّه ليست لديهم نفس الأولويّات فأهداف بعضهم اليوم هي أهداف الآخرين غدا أو هي حلمهم للمستقبل. إذا أخذنا حركة النّهضة التونسيّة نموذجا نلاحظ أنّ مشروعها المجتمعي مرّ بأكثر من مرحلة وقد تطوّر وعُدّل مع تقلّب تجربتها من التّأسيس إلى المأسسة ثمّ إلى الأزمة، فقد بدأ في أوّل أطواره أواسط السّبعينيات كمشروع للأسلمة يعتمد الدّعوة المسجديّة ومناهضة التّغريب وإعادة صياغة المجتمع وتكوين الدّعاة وتربية الفرد، أمّا الطّور الثّاني بعد قرابة عقد من التّأسيس فقد أصبح المشروع مشروع سلطة برز فيه البعد السّياسي وانساقت فيه الحركة إلى المواجهة، وانتقلت إلى مرحلة إعاقة وإزاحة المشاريع الأخرى، وعندما أخفقت أهداف هذه المرحلة أو استوفت أغراضها أصبح مشروع الحركة ليس الافتكاك وإنّما المشاركة، وحلّ شعار العمل المشترك مع المعارضة والمصالحة الوطنيّة الجادّة والشّاملة محلّ شعار الأسلمة الكاملة وافتكاك السّلطة وانتقلت إلى الدّعوة إلى الاعتراف المتبادل واعتبار المشروع مهمّة المجتمع بكامله لا مهمّة طرف بمفرده، وقد حصل اليقين باستحالة العودة إلى المرحلة الأولى (الأسلمة) واستحالة الاستمرار في المرحلة الثانية (افتكاك السلطة)، ذلك أنّ المرحلة الأولى تقتضي دورة حضاريّة وهي فوق الطّاقة، أمّا المرحلة الثانية فقد اختزلت التّحدّي وضيّقت سُبله بالاقتصار على المدخل السياسي، وتميّزت المرحلة الثالثة المستمرّة على ما يبدو بالوعي بالإخفاق وبأهميّة عامل الزّمن في أيّ مشروع تغييريّ، ويمكن بشيء من الإيجاز وصف مشروع المرحلة الأولى بأنّه كان مشروعا مجتمعيّا ذا أرضيّة عقائديّة وأفق حضاري، وقد اتّسم بحضور البعد الأيديولوجي. أمّا مشروع المرحلة الثّانية فقد أصبح مشروع سلطة ذا أفق استراتيجي غير واع، فيه حضور بأقدار للبعد الأممي. أمّا الطّور الموالي فقد صار فيه المشروع مشروعا سياسيّا بأفق وطنيّ غير صريح، تميّز بتبلور الهويّة الخصوصيّة للحركة كحركة وسطيّة معتدلة في مقابل السلفيّة والطّالبانيّة والحركات الجهاديّة، فقد حصل انتقال من مفهوم معيّن للأسلمة هو الالتزام بفهم معيّن للدّين إلى مفهوم تفعيل القيم في الواقع، ويُتوقّع أن يتطوّر المشروع على محورين: محور العمل المشترك مع المعارضة، ومحور المصالحة مع السلطة، ويشكّل المحوران جاذبيّتين تعكسان الحوار القائم على صفحات الإنترنت حول تجربة الحركة وموقعها في الخريطة السياسيّة الوطنيّة.