نصوص
هل يكفي معرفة الحقوق؟
بين الحق وأصحابه مساحة حكمة، والحكمة اتجاه البصيرة نحو المصلحة أو ما يحقق المصلحة. لكم أضاع حقوقا أصحابُها حين أخطأوا الطريق إليها أو حين أبصروا الطريق ولكن أساؤوا تقدير المواقيت أو أبصروا الطريق وأحسنوا تقدير المواقيت ولكن أساؤوا تقدير نسق السرعة ومنهاج الخطاب.... إنّ الواقع ليس ما نريد إنما ما نقدر وما تتوفر أسبابه وشروطهُ. أخي صابر ـ أو طه البعزاوي* ـ لا نختلف وما ينبغي أن يكون في عناوين المواطنة والحقوق والعدالة والحريات، ولا نختلف وما ينبغي أن يكون حول ضرورة التكلم في الحق وفي ما يجب أن يكو
- 20 مارس 2010
- مصدر الوثيقة:
- الحوار نت
0
بين الحق وأصحابه مساحة حكمة، والحكمة اتجاه البصيرة نحو المصلحة أو ما يحقق المصلحة. لكم أضاع حقوقا أصحابُها حين أخطأوا الطريق إليها أو حين أبصروا الطريق ولكن أساؤوا تقدير المواقيت أو أبصروا الطريق وأحسنوا تقدير المواقيت ولكن أساؤوا تقدير نسق السرعة ومنهاج الخطاب.... إنّ الواقع ليس ما نريد إنما ما نقدر وما تتوفر أسبابه وشروطهُ.
أخي صابر ـ أو طه البعزاوي* ـ لا نختلف وما ينبغي أن يكون في عناوين المواطنة والحقوق والعدالة والحريات، ولا نختلف وما ينبغي أن يكون حول ضرورة التكلم في الحق وفي ما يجب أن يكون.
نتفق على أنّ التلميذة التونسية تقوى الحسني قد تعرضت إلى مظلمة بشعة على يدي مدير معهدها الثانوي بالحرايرية. لقد أدمى جسدها الغضّ ضربا وركلا وأدمى جهازها النفسي سبا وشتما ووعيدا... ذاك اعتداء بالمعنى الإنساني وإيذاء بالمعنى الصحي وظلم بالمعنى الحقوقي وتجاوز بالمعنى القانوني وفوضى بالمعنى المدني ولامسؤولية بمعنى الواجب.... نتفق في كل هذا يا أخي وقد تتفاوت مشاعرنا بمقدار عواطفنا، لقد تألمتُ أيما ألم وأنا أسمع وأقرأ عن تلك الحادثة المؤلمة والمسيئة في آن.. أي قساوة تملكتْ هذا "المدير" حتى امتدت يداه ضربا ورجلاه ركلا في جسد غض لتلميذة هي رمز "المرأة " مطلقا ورمز التونسية في المكان؟! استجمعتُ عواطف الأبوة وتخيلتني والدها، واستجمعت صرامة المسؤولية وتخيلتني وزيرا، واستجمعتُ عنفوان الشباب وتخيلتني شقيقها... وتناوبتني كل احتمالات ردود الفعل تجاه هذا الصنيع الهمجي... كل الاحتمالات تجمعُ على ضرورة أن يتحمل هذا "المدير" عاقبة تهمجه.
ولكن ما هو السبيل لبناء روح العدل والحرية والمواطنة في شخصية هذه التلميذة المصدومة؟ هذا هو السؤال يا صابر: كيف يمكن النأيُ بالواقعة في بعدها الحقوقي الصرف عن كل الماكينات السياسية حتى لا تضيع أوجاعُ البنت في تأويلات السياسة قد يستفيد منها مصدر الأذى؟.
سيكون من الخبط ومن القصور الربطُ بين تصرف هذا "المدير" وبين سياسة الدولة! إنّ السلطة لم تعد تعادي بناتنا لمجرد غطاء رؤوسهنّ ومثل هؤلاء موجودات في المؤسسات العمومية والإدارات والشوارع لا يُضايقهن أحدٌ، سيكونُ حبل نجاة لهذا "المدير" لو قدم على أنه مدافع عن موقف السلطة من غطاء الرأس بل قد يكون هو يتمنى ذلك لتعويم مشاكل أخرى.
ـ هل المطلوب تسويق "الحادثة" أم رفع المظلمة وتحقيق الحقوق؟
إن الطريق الأمثل في مثل هذه الحادثة هو التوجهُ بكل ثقة واطمئنان وعزم إلى الجهات المختصة، فالمظلمة شاهدة على نفسها وشهد عليها تلاميذ ومدرّسون والسلطة تدرك حجم ما يمكن أن تخلفه مثل هذه التجاوزات في نفوس الناس وما يُمكن أيضا أن يُستنتج حين تمر مثل تلك المظلمة بدون إجراء.
أخي صابر: يهمني ألا يقع التشويشُ على حق التلميذة فيضيع، يهمني ألا يصرف أحدٌ أوجاعها في مصارف لا تعرفها هي وليست معنية بها... لذلك قلتُ لك يا أخي، إن مثل هذه الواقعة لا تحتاج نداء من خارج "المكان" ولا يليقُ تصريفها خارج مساراتٍ نحن متأكدون من أنها موصلة إلى إنصاف التلميذة التونسية "تقوى الحسني". وذا يا أخي موقف لا يتعدى الحادثة تعنيني كمُربّ، ولنا في الحوادث الأخرى خطاب.
بحري العرفاوي
تونس/ 18/مارس/2010
* (توضيح: حتى ننزل النص في سياقه فإنّ الأستاذ بحري العرفاوي قد كتبه بعد حوار هاتفي بيننا عن الاعتداء على التلميذة تقوى الحسني، وكان رأيه أنّ الحديث في الإعلام واتخاذ المواقف قد يضيع حقّ البنت وكان لي رأي آخر، فكان منه هذا النص، وسيكون مني تفاعل إن شاء الله في نص مستقل.
طه البعزاوي)
طه البعزاوي)