هل من مبررات لتأخير المصادقة على القانون الأساسي المتعلق بالانتخابات البلدية؟
إن مزيد تأخير المصادقة على القانون الأساسي المتعلق بالانتخابات البلدية والجهوية يحمل عديد التساؤلات ونقاط الاستفهام حول نوايا وغايات الأطراف التي تدعي تسخير كل جهودها وأولوياتها لاستكمال وتركيز مؤسسات الانتقال الديمقراطي وعلى رأسها تكريس الانتخابات كآلية للتداول السلمي واكتساب المشروعية -لا كأداة يتم استدعاؤها عندما تستجي
- 30 ديسمبر 2016
- مصدر الوثيقة:
- الحوار نت
إن مزيد تأخير المصادقة على القانون الأساسي المتعلق بالانتخابات البلدية والجهوية يحمل عديد التساؤلات ونقاط الاستفهام حول نوايا وغايات الأطراف التي تدعي تسخير كل جهودها وأولوياتها لاستكمال وتركيز مؤسسات الانتقال الديمقراطي وعلى رأسها تكريس الانتخابات كآلية للتداول السلمي واكتساب المشروعية -لا كأداة يتم استدعاؤها عندما تستجيب نتائجها لرغبات أطراف بعينهم – وتعميم اللامركزية عنوان إعادة هيكلة النظام السياسي والإداري للدولة بإعطاء استقلال إداري ومالي حقيقي للجماعات المحلية ودمقرطتها كأولوية الأولويات لتحقيق تحول ديمقراطي سلس وتشاركي وهو الكفيل بتشريك أكثر المكونات والفعاليات والحساسيات التي لا تجد نفس فرص الأحزاب المتموقعة بالعاصمة بالرغم من حجم بعضها الذي لا يزيد عن تمثيل مجلس قروي.
هذا التمطيط الذي يبدو متعمّدا يمدّد حرمان التونسي بمكوناته المحلية والجهوية والإقليمية الوازنة والمعبّرة عن خصوصيات المناطق المختلفة بعيدا عن التمثيل الحقيقي والمباشر والمهيكل في أطر ديمقراطية تكفل استدراج المجتمع أو غالبيته للمشاركة في إدارة شؤونه العامة واستشعاره بشراكة في أخذ القرار دون وصاية من أحد وهو ما يضمن تلمس حقيقي للمتغيرات السياسية والاجتماعية البناءة ولمفهوم المشروعية ما بعد الثورة، دون استبدال ذلك بالبرامج السنوية للاستثمار البلدي أو ما يعرف ببرامج الاستثمار التشاركي السنوي وليس لها من التشاركية إلا الاسم سيما أن كيفية إعدادها وصياغتها من الكتاب العامين للبلديات ما هو إلا تكريس لبيروقراطية مكبّلة وغير مؤهلة لإعداد برامج طموحة وقريبة من حاجيات الأهالي.
عدم استدراك التأخير في المصادقة على القانون الأساسي المتعلق بالانتخابات البلدية والجهوية سيمدد حالة السقوط في اللامبالاة والفتور تجاه المشاركة والاهتمام بالشأن العام وهو الأمر الذي يحبذه أصحاب صناعة الاستقالة واللامبالاة خدمة لأجندة أفراد وقوى…
إن التجارب الحديثة والمعاصرة تأكد أن انتقال ديمقراطي أو إصلاحي لا يمكن أن يكتب له النجاح والاستمرارية إلا بإشراك أكبر مكون إجتماعي. ويكفي مثالا نسوقه في تجاربنا الحديثة تجربة محمد علي باشا صانع نهضة مصر في بدايات القرن 19م وتحديدا من سنة 1805 إلى سنة 1848 تاريخ اعتزاله، حيث أن هذه التجربة الرائدة والتي نقلت مصر نقلة كبيرة جعلتها تتبوأ مراتب متقدمة في سلم الدول القوية وذات السيادة واستقلال القرار وأصبحت مصر محمد علي تتقدم بأشواط على دول أوروبية وآسياوية متقدمة اليوم على غرار اليابان…حيث أصبح لها أسطول بحري يحسب له حسابه وقوة عسكرية رادعة مسنودة بمنظومة صناعية حديثة ومنافسة, وازدهار فلاحي نقل مصر من بلد مستورد إلى مصدر لعديد المواد على رأسها القطن وازدهار تجاري نتيجة توسيع قناة العبور عبر السويس…لكن لم تشهد مصر مع هذا الازدهار وهذه النهضة الاقتصادية نهضة ووعيا سياسيا ولا تنظيميا في مستوى إعادة هيكلة حقيقية لمفاصل الدولة حيث بقي القرار والإدارة والتسيير شديد المركزية مغيبا للمجتمع، مما جعل نهضة مصر مرتبطة بالنخبة الحاكمة ممثلة في الملك ومعاونيه، وبالرغم من وطنيتهم تلك وغيرتهم على مملكتهم لم يشفع لهم المحافظة على هذه النهضة التي سرعان ما تم الالتفاف عليها باعتزال محمد علي الحكم في سنة 1948 ووفاته سنة 1949.
احتكار السياسة كما احتكار القرار مع محمد علي هو سبب اندثار نهضة مصر بوفاته وعدم ايلاء الشعب أو مجرد وعيه لأهمية الإصلاحات التي قام بها بالرغم من تركيزه إدارة حديثة غير أنها شديدة مركزية القرار والتنظيم مع اعتمادها على سلطة أفراد وقادة كرسوا منطق الهيمنة وقهر الخصوم وانتقائية فرض الضرائب.
إذا لا سبيل لضمان حماية التحول الديمقراطي إلا بتحول ديمقراطي أفقي و”توريط” الجميع في إدارة الشأن العام عبر إعادة هيكلة إدارة المحليات والجهات والأقاليم وفق صيغ تضمن وحدة الدولة والتمثيل السياسي والسيادي الموحد مع مراعاة للخصوصيات. وهذا هو الامر الكفيل لمنح المواطن مباشرة اختيار من ينوبه ويعبر عن خياراته في المحليات وتنزيل معاني وروح توطئة الدستور وفصوله المؤسسة لدمقرطة إدارة الشأن العام في كل المناحي وعلى امتداد تراب الجمهورية دون أن نغفل أن ذلك سيكون في البداية مربكا لكثير من القوى والأحزاب والعائلات السياسية خاصة في تمثيلها لكن على المدى المتوسط والبعيد سيضمن تمثيلا واسعا وحقيقيا لكل أطياف وقوى ومرجعيات المجتمع يتبعه استقرار اجتماعي يفضي حتما لاستقرار سياسي متين..
إذا لم يقع ذلك في أقرب الآجال فإن هزة اجتماعية أو سياسية قوية قد تطيح بكل المنجز السياسي والدستوري والمفاهيمي التي كرستها الثورة بما فيها مفهوم المشروعية، لأن الشعوب التي لم تشرّك في وضع السياسات والخيارات والقرار غير معنية أو ملزمة بالحفاظ على ما تحقق من ذلك بل ـــ وللأسف ـــ يوجد اليوم طبقة سياسية واجتماعية لا تتوانى في التعبير عن خيبة أملها في المنجز دون موضوعية بل واستعدادها لإهدار كل شيء والعود على بدء غير شاعرة خطورة هذا التمشي الذي قد يعيدنا إلى نقطة الصفر…لذلك على النخبة أن تدرك أن حراكا عنيفا قد لا يمكن استيعابه وقد يودي بنا إلى المجهول إذا لم نرم تقييم أولوياتنا والتعجيل بتركيز مؤسسات الانتقال الديمقراطي..