هل ضحكوا علينا؟ بقلم محيي الدين عميمور
عندما مررت خلال «السكانير» في مطار استامبول دوت أجهزة إنذاره، وراح الشرطي يدعوني إلى التقهقر والمرور ثانية عبر باب الجهاز، وتكررت أصوات الإنذار رغم أنني لم أكن أحمل أي شيء معدني بما في ذلك الحزام وقطع العملة وحتى المناديل المعطرة المألوفة في السفر. وأخذ الشرطي يطوف حولي بجهاز يدوي كاشف، وكانت المفاجأة أنه لم يسمع اي صوت أو تردد أزيز أوتصاعد جرس إنذار، وهكذا سُمح لي بالمرور، فاتجهت نحو الطائرة وأنا أتساءل عن جدوى جهاز السكانير الكذاب، الذي تواصل الشرطة استعماله رغم أنه أصبح واضحا بأنه لا قيمة لوج
- 30 مايو 2010
- مصدر الوثيقة:
- الحوار نت
عندما مررت خلال «السكانير» في مطار استامبول دوت أجهزة إنذاره، وراح الشرطي يدعوني إلى التقهقر والمرور ثانية عبر باب الجهاز، وتكررت أصوات الإنذار رغم أنني لم أكن أحمل أي شيء معدني بما في ذلك الحزام وقطع العملة وحتى المناديل المعطرة المألوفة في السفر.
وأخذ الشرطي يطوف حولي بجهاز يدوي كاشف، وكانت المفاجأة أنه لم يسمع اي صوت أو تردد أزيز أوتصاعد جرس إنذار، وهكذا سُمح لي بالمرور، فاتجهت نحو الطائرة وأنا أتساءل عن جدوى جهاز السكانير الكذاب، الذي تواصل الشرطة استعماله رغم أنه أصبح واضحا بأنه لا قيمة لوجوده ولا تأثير لأدائه.
والواقع أن إجراءات الأمن في المطارات الدولية أصبحت أمرا يثير مزيجا من السخرية والقرف، فما فائدة السكانير إذا كان الشرطي مضطرا إلى إجراء التفتيش الجسدي للمسافر، وهو ما يعني أنه لا قيمة لوجود الجهاز الذي دفعت الملايين ثمنا له، والذي سمعنا عن جهاز أكثر تطورا سوف يخلفه، يُصور جسم الإنسان عاريا، ويعلم الله أثره على الخلايا الحيوية في جسم الإنسان. ثم ما معنى أن تسحب من مسافر قنينة عطر أو زجاجة مياه معدنية لمجرد ما تردد بأن هناك من حاول تفجير طائرة بسائل كان يحمله معه، وكأن المسافر الذي يريد سوء يعجز عن وضع السائل في كيس بلاستيكي صغير يضعه بين فخذيه.
هذه اللوثة الأمنية العالمية عرفناها إثر تفجيرات سبتمبر 2001 في نيويورك والتي أعطت الرئيس الأمريكي الأسبق فرصة رفع لواء الحرب ضد ما يُسمى «الإرهاب»، وهي ترجمة خاطئة لكلمة (Terrorisme) والتي تعني الترويع، حيث أن مفهوم كلمة الإرهاب مفهوم دفاعي يعني ردع الاعتداء قبل وقوعه. وعمليات الترويع (Terrorisme) ابتكار يهودي بدأته العصابات الصهيونية في مصر في منتصف الأربعينيات باغتيال البريطاني اللورد موين، وقبل أن تعرف أرض الكنانة أي اغتيالات سياسية، باستثناء اغتيال الجنرال الفرنسي كليبر على يد سليمان الحلبي، والذي كان عملا بطوليا من أعمال مقاومة الاحتلال مارسها الفرنسيون أنفسهم بعد ذلك ضد الألمان خلال الحرب العالمية الثانية وحاول البريطانيون تنفيذها ضد المارشال روميل.
لكن تفجيرات سبتمبر كانت مطلوبة لإثارة الذعر العالمي، وبينما انتهز بوش الفرصة ليفرض قوانينه القمعية على المجتمع الأمريكي بما يذكر بأيام ماكارثي راحت بعض دول العالم الثالث التي يتضور أبناؤها جوعا تبحث عن آخر صيحات أجهزة الإنذار، وهو ما استولى على سوقه موظفون كبار وأبناء مسؤولين سامين وعناصر من أسوأ أنواع التجار.
واتخذت تفجيرات سبتمبر ذريعة لهجوم ظالم على أفغانستان قامت به أقوى قوات عسكرية في العالم منذ تسع سنوات، وكانت الفضيحة الكبرى أنها لم تنجح حتى اليوم في القضاء على حفاة عراة يحملون اسم «طالبان»، حُملوا وزر الهجوم علي برجي نيويورك ظلما وعدوانا لتبرير عمليات حربية بخلفيات نفطية ولأهداف ما زلت أراها مشبوهة وظالمة، تواصلت بعد ذلك لتطال العراق، ولم يقف ضدها من قيادات القوى الكبرى إلا الرئيس الفرنسي جاك شيراك، وهو ما كافأه عليه الشعب الجزائري باستقبال تاريخي أطلق عليه بعض «العُربان»، الذين راحوا يرقصون على الطبول الأمريكية، صفة «الترحيب الهستيري»، لمجرد أن شعبنا كان يرفض المنطق الأمريكي.
وأتذكر هنا أمرا بالغ الغرابة، يتعلق ببرنامج وثائقي أمريكي شاهدته بنفسي وشارك فيه كل من ألكسندر هيغ وهنري كيسنجر، وزيرا الخارجية الأمريكيين السابقين، واعترف فيه رامسفيلد، وزير الدفاع الأمريكي الأسبق بأن اللقطات التي قدمت عن هبوط «آرمسترونغ» على سطح القمر (Alunage) في يوليو 1969 كانت لقطات صورت على الأرض في استوديوهات كوبرنيك في لندن ولم تكن صورا أرسلت من سطح القمر عن الهبوط الشهير، وكان سبب التلفيق عجز العلماء الأمريكيين عن تصوير الحدث الذي كان الرئيس كينيدي قد وعد الأمريكيين به إثر إطلاق السوفييت لقمرهم الشهير «سبوتنيك» في أكتوبر 1957 ، وكان من نتائج الفضيحة أن تمت تصفية شخصين كانا يعرفان الحقيقة التي تؤكدها موسوعة «الويكيبيديا» الشهيرة، وتوبع آرمسترونغ نفسه. وإذا كان الأمريكيون يجرؤون على القيام بعملية تزوير كبرى كهذه فكم عملية أخرى شربناها عبر التلفزة، ومن بينها قضية الهجوم على البرجين، والتي تتردد الآن أقوال كثيرة بأن ما روي عنه كان فبركة تخدم أهدافا أمريكية عسكرية ونفطية وسياسية.
وأعود إلى قضية ما يُسمى الإرهاب وأتساءل :
كم استفاد باعة السيارات المصفحة في بلدان العالم الثالث، وكم دفعت عمولات مقابل استيراد ألاف من السيارات لا يقل ثمن أصغرها عن مائتي ألف دولار أو يزيد؟. وكم استفادت مصانع الكاميرات التي تستعمل في مراقبة الأبنية والشوارع والمؤسسات العامة بل والبيوت الخاصة، وكما استفاد باعتها ومن يقومون بصيانتها وإصلاحها؟.
وكم استفادت مصالح الأمن في العالم كله من هواجس الخوف الذي استثير على كل المستويات، وما هي حصيلة ذلك على سير العمل في مؤسسات الدولة بعد أن أصبح الأمن هو صاحب القرار الأول والأخير؟.
ولأن الشئ بالشئ يُذكر أتساءل : كم استفادت مصانع اللقاح ضد أنفلونزا الخنازير وكم قبضت منظمة الصحة العالمية، بشكل مباشر أو غير مباشر، مقابل عملية التخويف الهائلة التي أثارت ذعر الملايين؟.
هنا نكتشف أمرا بالغ البساطة يفرض علينا أن نطرح سؤالا بالغ الخطورة وهو : كيف أمكن تمرير كل تلك الترهات عبر أجهزة الإعلام في العالم كله، وإلى أي درجة كان الإعلام مخدوعا أو متواطئا أو شريكا في عملية تترجم بعشرات الملايير، وتمس مجالات الحياة في كل دول العالم، كبيرها وصغيرها.
ونفهم الآن لماذا تحاول كل القوى السيطرة على الإعلام.
محيي الدين عميمور
كاتب جزائري ووزير سابق