هل سقط الصنـم؟: فتحـي نصـري
بقلم الأستاذ فتحـي نصـري ثــــــلاثيــــــة : الثـــــورة واللصـــــوص والحـــــــراس " ما أجملك يا وطن ، وما أطيب ريحك يا شعب ، وما أسلس الكتابة بمداد من عبق الثورة " ان المتأمل في المشهد السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي لمرحلة ما قبل الثورة وخلالها وما بعدها يستطيع ان يقف دون عنـاء على عـدة حقائـق لهـا تمظهراتها وتجلياتها وتتالياتها ، افرزت مشهدا سياسيا ثلاثي الأضلاع والزوايا ، ولكن جوهره واحد : لقد حدثت ثورة ، وسؤاله واحد : هل سقط الصنم ؟ 1/ اذا الشعـــب يومــا اراد الحيــــــاة .... تس
- 19 فبراير 2011
- مصدر الوثيقة:
- الحوار نت
بقلم الأستاذ فتحـي نصـري
ثــــــلاثيــــــة : الثـــــورة واللصـــــوص والحـــــــراس
" ما أجملك يا وطن ، وما أطيب ريحك يا شعب ، وما أسلس الكتابة بمداد من عبق الثورة "
ان المتأمل في المشهد السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي لمرحلة ما قبل الثورة وخلالها وما بعدها يستطيع ان يقف دون عنـاء على عـدة حقائـق لهـا تمظهراتها وتجلياتها وتتالياتها ، افرزت مشهدا سياسيا ثلاثي الأضلاع والزوايا ، ولكن جوهره واحد : لقد حدثت ثورة ، وسؤاله واحد : هل سقط الصنم ؟
1/ اذا الشعـــب يومــا اراد الحيــــــاة ....
تسارعت الأحداث بسرعة رهيبة ، وحتى اكثر المحللين تفاؤلا ما كان يمكنه ان ينبس بأن الطوفان قادم،وبأن الثورة ستزداد توهجا، لذلك حاول البعض في البداية اختزال ما وقع في عربة خضار أو شاب يائس احرق نفسه
تلك مغالطة كبرى ان نعزل تحركا شعبيا كبيرا وممتدا في جغرافيا البلد ، وبهـذا التوهج والاندفاع عن الظروف السوسيوسياسية ، والسوسيواقتصادية التي سبقت الثورة .
لقد عاشت البلاد على امتداد ستة عقود تصحرا سياسيا ،وحيفا اجتماعيا ، وتمركزا اقتصاديا ، وتوحشا ثقافيا قاده الحزب الحاكم ، ودافعت عنه بشراسة نخب علمانيــة منبتة عن واقعها في محاولة عاتية لإجتثاث المجتمع عن هويته وتربته ، وتحويلــه الى نموذج علماني قابل للتصدير الى المنطقة العربية .وكانت خطة تجفيف الينابيع اجلى تجليات هذه السياسة ، مما جرالبلاد الى مواجهة عنيفـتة بين تحالــف الفسـاد والمال واليسار الانتهازي ، وبين الحركة الاسلامية انظمــت اليهــا بعض القــوى الوطنية بعد ان شملتها رحى الاستبداد ، فارتوت تربة البلاد بدماء عشرات الشهداء ودموع امهات المهجرين من خيرة شباب تونس ، وآلام ودعــاء آلاف المساجيــن السياسيين بزوال الظلم ، فكانت الثروة نبتة طيبة لهذه التربة ، لذلك من الاجحاف اعتبار الثورة غريبة ومنبتة عن تربتها التي احتضنتها وعن ظروفها السياسية والا حولناها الى نبتة شيطانية ليس لها بذور او عروق وحصادها فوضى أمنية وحكومة علمانية؟
لقد كانــت ثورة الحريــة والكرامــة ثورة مستضعفيــن بحــق ، اكتملــت شروطهـا ومواصفاتها فأثمرت طوفانا شعبيا ازداد عنفوانا بعد ان تلقف الاعلان السياسي الذي كتبه البوعزيزي بجسده كما عبر عن ذلك المفكر و الأكاديمي حسن بن حسن ، فلم تكن الثورة عقيمة او حملا كاذبا ، ولم يتم اجهاضها في الرحم ، ولم تكن ابدا بغية ، او انتبذت من اهلها مكانا قصيا كما يروج لها الآن ، بل ولدت شرعيــة ، ونطــق جنينها في المهد ليقول لم تكن ثورتي من اجل الخبز او الشغل ، بل نريد الحرية قبل الخبز، والكرامة قبل الشغل .
قد لا يتسع المقال للغوص قي عمق هذه الثورة ومقاربتها من كل زواياها ، ولكن يمكن ايجاز بعض الخلاصات الناطقة التي فرضــت نفسها بقوة فــي هـذه النقــاط كعناوين يجب دراستها من طرف المختصين :
ـ الملفت للنظر هو عدم سقـوط اي عون امن فـي هــذه الثورة البيضاء بياض قيم الحرية ونقاء دماء الشهداء،مما يسقط مقولة ان الشعوب العربيــة في حاجــة الـى آلاف او ملايين الشهداء كضريبة للإنتقال الى الديمقراطية الحقيقية اسوة بما عاشته اوروبا قبل الثورة
ـ ان المراهنة على الشعوب في المنطقة العربية من اجل التغيير خيار منتج ومثمر باقل تكلفة في الارواح ، ودون هدر عقود من المراهنة على النخب والطلائع ، او الاندفاع نحو المحارق السياسية في محاولة للتغيير العمودي
ـ ان ارادة الشعوب اذا كان منطلقها غير مناف للفطرة تكون من ارادة الله ، وارادة الله لا تقهر، " يا ايها الانسان انك كادح الى ربك كدحا فملاقيه " آية 6 سورة الانشقاق
ـ ان مطالب الشعب اذا كانت حقيقية يمكن ان تمأسس المجتمع ، اذا تألم عضو منه تداعى له باقي الجسد بالثورة ، لذلك استجابت باقي المدن لصرخــة اهالــي سيدي بوزيد في شعارات موحدة ومطالب واحدة ومحج واحد
ـ ان المعجزة الحقيقية في تونس لم تكن اقتصادية كما كان يروج لها ، بل كانــت معجزة شعبية ، استلهمت شعاراتها من شاعر الثورة ابي القاسم الشابي
ـ ان هناك هوة كبيرة بين الشارع والنخب ساهم النظام السابق في توسيعها لتحويل الحياة السياسية الى مستنقع مخيف
ـ ان دور النخب السياسية والمدنية في حماية الثورة والانتقال بها من الهلامية الى تنزيل مطالبها على الارض دور ضروري بعيدا عن الحسابات الحزبية الضيقة
2/ هــرب علــي بــابــا وبقــي الاربعــون حرامــي :
كما لكل ثورة ثمارها ، فلكل ثورة لصوصهــا ، ولصــوص هذه الثورة محترفــون ومتعودون على اللصوصية السياسية. فالمتأمل في التاريخ السياسي الحديــث لتونس لا يجد عناء في الوقوف على احترافية التجمع الدستوري في السرقة . فبعد ان تزايد الغضب المسلح ضد الاستعمار الفرنسي واصبح المستعمر غير قادر على مواصلة معركة استنزاف في جبال وعرة ، وأصبحــت كــل الظروف توحـي بقرب رحيـل الاستعمار العسكري ، كانت اول سرقــة سياسية في تاريــخ تونس ليوقــع الحــزب الدستوري على وثيقة الاستقلال ، ويصادر مصير الشعب فــي اختيار من يحكمــه وشكل الحكم ، بكل بساطة سرق هذا الحزب الاستقلال . ثم جاء الصيف الساخـن لسنة1987 ليشهد معركة طاحنة بين السلطة والحركة الاسلامية قدمــت خلالهــا الحركة عديد الشهداء وآلاف المساجين ، وترنح نظام الراحل بورقيبة وأصبح بينه وبين الانهيار خطوة ، فكانت السرقة السياسية الثانية واستولى الجنرال بنعلي على السلطة وقطف التجمع الدستوري ثمار هذه المواجهة ، فهل نستغرب الآن ونحن نشاهد محاولات عاتية من هذا الحزب لسرقة الثورة ؟
لقد رحل زعيم العصابة وبقي الأربعون حرامي ، بل ان نائب علي بابا هو من شكل الحكومة الحالية وأصبح يتصرف في شخوصها ، وهــو من خطــط لرحيـل رئيس العصابة ، فأكل الحزب نفسه قبل ان تأكله الثورة ، وضحى بالعضو ليستمر الجسد ، أملا في ان تنبت العروق التي لم تجتث أذرعا أمنية جديدة أكثر صلابة .
لصوص تونس أصبحوا أكثر احترافية ، فنائب علي بابا الذي شكل الحكومة الحالية كان متواجدا في آخر حكومة في عهد بورقيبة ، وكان متواجدا في آخر حكومة في عهد بنعلي ، وهو الآن في أول حكومة لقيطة ، فكيف لا يكون لصا سياسيا محترفا، مشكلتنا مع لصوصنا قديمة قدم السياسة ، فحكام تونس ولصوصها كأنهم يحكمـون بتفويض الاهي ، ويخططون ويتحركون بناء على الهامات الاهية ، يقتلون ويسجنون ويهجرون وكأنهــم ينجزون مهامــا مقدسة ، فهم ينزعــون عنــا آدميتنــا وكرامتنــا وحرياتنا ومواطنتنا متى شاؤوا ، ويمنحونها متى شاؤوا ، وحتــى وهـم تحت المطرقة الشعبية يطلون علينا ليقولوا لنا بكل وقاحة فهمناكم وسنمنحكم بعض الحرية ، ونسوا ان الشعب لم يكن يستمع اليهم لأنهم وبكــل بساطة عرف طريــق الحرية .
واذا كان لصوص التجمع الدستــوري وتحالــف الفساد والمــال وقيء اليسـار الانتهازي لصوصا احترفوا اللصوصية وأصبحوا لصوصا بامتياز ، فــان للثــورة لصوصا جدد عبارة عن طفيليات تصاحب كل الثورات ، وهو في الحقيقة أخطر من لصوص الحزب الحاكم لأنهم غير مكشوفين ، بل ان بعضهم يعتبر نفسه وصيا على الثورة ومتكلما باسمها في محاولة لإستنساخ تجربة بنعلي سنة 1987 ، لذلــك فان الذئاب السياسية التي تحـوم حول الثورة عديدة تستوجب تيقــظا مستمــرا لحمايــة الثورة .
3/ أيـــن حــــــراس الثــــــــورة ؟:
اذن هرب زعيم العصابة وخلف وراءه الأربعين حرامي ، وقلد نائبه شــارة الزعامة وأعطاه كلمة سر فتــح المغــارة ، ترك وراءه جهــازا حزبيــا امتدت أذرعه الى كامل أجهزة الدولة ، فأصبــح الحزب هو الدولــة ، والدولــة هــي الحزب ، ترك وراءه أحزابا غير شرعية ولدت لأب غير شرعي ، ترك وراءه أبنــاء غير شرعييــن امتهنــوا الزور والبهتــان وقلب الحقائــق . فهنــاك عديد الأحزاب التي شكلها التجمع الدستــوري لتزين الواجهــة السياسيــة ، وتؤثــث مجلس الشعب ، ينحصر دورها في المساندة والتأييد ، بكل اختزال هي احزاب فولكلورية ومهرجي انتخابات .
هذه الأحزاب اللقيطة أصبحت الآن يتيمة بعد ان فقدت الأب الذي كان يحميها سياسيا ، وفقدت المعيل الذي كان يمولها ، وسقطت ورقة التوت التي كانــت تواري سوأتها ، فدخلت جحورها كالجرذان.
لقد خلف فرعون تونس وراءه سحرة ومتملقين غصـت بهــم وسائــل الاعــلام المرئية والسمعية من امثال برهان بسيس وبوبكر الصغير والهاشمي الحامدي وعبد الوهاب الهاني وخالد شوكات ....، بل تفننت بعض الصحــف المأجــورة فــي تأليـه الجنرال الهارب ومدح سياسته الرشيدة ، كل هؤلاء اللصوص والمهرجين والسحرة يتربصون بالثورة في محاولة للإلتفاف عليها وعلى مطالبها ، فهل صحيح ان بنعلي رحل عن تونس ؟
قد تبدو الاجابة صادمة اذا قلت ان بنعلي الجسد رحل ، اما سياسة بنعلي فقد بقيت جاثمة على صدور الشعب ، واينما تولي وجهك في تونس ستجد بنعلي يطل عليك ، وحتى ما سميت بالحكومة الانتقالية فهي ظل بنعلي فــي تونس ، كيـف لا والبــلاد تسير بحكومة ظل يرأسها الهادي البكوش شريك بنعلي في انقلاب 1987 ، اذن قد لا أخفي سرا اذا قلت ان هناك اعادة لهيكلة التجمع الدستوري لتوافق مع متطلبات المرحلة ، وما تجميد الحزب في انتظار حله قضائيا سوى خطــوة ضرورية فــي مخطط اعادة بناء الحزب بعد ان اصبح اسم الحزب صادما للشعب ، وما الحكومة الحالية سوى عرائس تحركها ايادي الهادي البكوش وفق خطة رسمت قبل رحيل بنعلي الجسد .
ان الخطوة الأولى بابقاء وزارات السيادة بيد الأخطبوط الجديد / القديم لم تكن سوى محاولة لجس نبض الشارع ومدى استعداده للدفاع عن مطالب الثورة ، ثم جــاءت الجرعة الثانية بتعيين 19 واليا من أباطرة التجمع في إيحاء واضح بان هنــاك مـن يرسم ملامح المستقبل من وراء الستار ،اما قبول ما يسمى بالمعارضــة العلمانيــة بوزارات خدماتية فهو رسالة من حكومة الظل للشعب التونسي ونخبه بان مطالب الثورة لم تكن سوى تحسين الوضعية الاجتماعيــة ، وحتــى اختيــار حزب الشابــي وحزب احمد ابراهيم ليكونا في الحكومة لم يكن سوى صفعة لشباب الثورة واستهانة بتمثيليتهم في الحكومة ، ذلك ان الحزب الاشتركي التقدمي لم يفــز بــاي مقعد فــي الانخابات التشريعية لسنة 2009 وتحصل على نسبة 03, 0 في المئة من اصوات الناخبين ، في حين ان السيد ابراهيم احمد تحصل في الانتخابات الرئاسية الأخيــرة على نسبة 57, 1 في المئة من اصوات الناخبين .
ان من كان من واجبه الاصطفاف ضمن منظومة حماية الثورة واعني بــه حزب الشابي اخطأ التقدير واجتهد حيث الاجتهاد السياسي امام الاجمــاع الشعبــي زيـغ سياسي سيدفع الحزب ثمنه باهضا اذا لم يراجع توجهاته وينحاز الى مطالب الثورة ، فكيف يعقل ان نقبل من السيد الشابي بان يقول لنا بأن الشعب قام بدوره وانجــز الثورة ، فان كان ذلك كذلك فاننا مطالبون بان نصدق ان الشعب انتفض وثار ليسقط بنعلي الجسد ويقول لنا تصبحون على خير ثم يدخل بيته وينام ...
ان الثورة ليست مطلبا في ذاتها وانما هي تحقيق لمطالبها ، ومطالب الثورة كانت رحيل بنعلي الجسد ، وبنعلي النظام ، وبنعلي الحزب ، وبنعلي وكل عصابته من تحالف بين السلطة والمال وقيء اليسار
ان الاصطفاف الحاصل في المشهد السياسي مخيف وغير مطمئن ، وما تحقق بعد رحيل بنعلي الجسد هو ضرب من المقايضة : الأمن مقابل الحرية ، الفوضى مقابل المشاركة في رسم ملامح المرحلة القادمة ، فقفز مطلب الأمــن الــى الواجهــة في استنساخ لنظرية الجمهوريين الجدد " الفوضى الخلاقة " ، فادخال البلاد في فوضى امنية كان الغرض منه خلق واقع جديد بمطالب جديدة للإلتفاف حول مطالب الثورة ، وللأسف كان السيد الشابي احد وسائل هذه الدعاية ، فأصبح يروج لمطلب الأمـن قبل الحرية في سعي لكسب انتخابي دون الوعي بان ذاكرة الشعب التونسي اصبحت متيقضة ، وان الشعب اصبح بفعل الثورة يتنفس وعي الثورة
المشهد الآن يوحي بكون الأبواب السياسية مفتوحة على كل الممكنات ، وبوابات المدن والشوارع مشرعة امام كل الاحتمالات ، فقوافل الحرية تجـيب بــأن تحــت الرماد اللهيب ، فهل يستطيع الشعب حماية وحراسة ثورتـه ، والانتقال بهــا الــى تحقيق مطالبها ، قد تبدو الاجابة نوعا من الطوباوية او الخطاب الشعبوي ، لذلك فمن واجب النخب الوطنية والاحزاب الحقيقية والمنظمــات المهنيــة والجمعيــات المدنية ان تقترب من هموم الشارع وتشكل جدارا منيعا في مواجهة محاولة سرقة الثورة
ان الثورة كشفت عن عجز النخب والمعارضة على مساوقة نسق الشارع وحركته ، كما كشفت ان سقف مطالب الشعب مرتفع عن سقف المعارضة ، وان المعارضة كانت فعلا معزولة عمــا يختلــج الشارع ، ففوجئــت كغيرهــا بالتحركـات الشعبيـة وتدحرجها ككرة اللهــب لتتحول الــى ثورة شعبيــة ، ورغـم محاولــة المعارضـة الانخراط فيها الا ان ذلك كان بشكل غير واع وغير منظم مما فـوت علـى البــلاد فرصة حقيقية لتحقيق مطالــب الثورة ، ومفروض عليها الآن حمايــة الثورة مــن اللصوص الذين يحاولون استنبات اذرعـا جديــدة للإستبــداد ، وبقدر مــا يكــون اللصوص محترفين بقدر ما تكون مسؤولية الحراس اكبر وأعظم ، وفي ثورة مصر عبرة ، وتستمر الثورة ....