هل حقا بركان الثورات العربية يضيف طاقة للشاحن الصهيوني؟
لست من عشاق تثبيط العزائم ولا أرغب في صحبة مؤبدي الوضع العربي الراكنين للبلاطات والمؤمنين بقضاء وقدر مُسَلَّطَيْنِ مُصْطَنَعَيْنِ فالشعوب الحيّة هي التي تنفض غبار تخلّفها وتنهض كما العنقاء من تحت رماد هيكلها وأمّتنا ليست بأقلَّ من شعوب أمم تجاوزت مراحل تكلّسها وبدأت تصنع حداثتها ووعيها بِبَصْمَتِها الخاصّة وصارت رقما صعبا في المعادلات الدّوليّة والإقليميّة كما الحال مع نمور آسياوغيرها من الدّول الصاعدة ولكنّ الأحداث جعلتني أستقرئ الأمر كما يبدو لي وكما فهمته بحسب فكري المتواضع إذ تلوح لي بوادر ع
- 18 يونيو 2011
- مصدر الوثيقة:
- الحوار نت
لست من عشاق تثبيط العزائم ولا أرغب في صحبة مؤبدي الوضع العربي الراكنين للبلاطات والمؤمنين بقضاء وقدر مُسَلَّطَيْنِ مُصْطَنَعَيْنِ فالشعوب الحيّة هي التي تنفض غبار تخلّفها وتنهض كما العنقاء من تحت رماد هيكلها وأمّتنا ليست بأقلَّ من شعوب أمم تجاوزت مراحل تكلّسها وبدأت تصنع حداثتها ووعيها بِبَصْمَتِها الخاصّة وصارت رقما صعبا في المعادلات الدّوليّة والإقليميّة كما الحال مع نمور آسياوغيرها من الدّول الصاعدة ولكنّ الأحداث جعلتني أستقرئ الأمر كما يبدو لي وكما فهمته بحسب فكري المتواضع إذ تلوح لي بوادر علائق سببية بين وهج الثورات العربية والتّغذية الرّاجعة التي تستفيد منها الصهيونيّة العالميّة لكن دون تنسيق ودون وعي من الجماهير الهادرة وبحسن تدبّر من حماة الهيكل وفرسانه وثلّة المتصهينين شرقا وغربا ففي الوقت الذي يناور فيه الثوار والطامحون إلى الكرامة جلاوزة القرن العرب كان مهندسو السياسة الكونية من الصهاينة ومن سار في ركابهم قد أكملوا الحساب وعرفوا المناطق الجديدة التي تدار منها الدفّة وبمعاصم من سيحركون المقالع والمجاديف فكيف استطاع هؤلاء القفز بسلام في سفينة النجاة وماهي مبررات تدخلهم في ركح السياسة الجديد؟.
قد يحق لنا إذا ما أردنا أن نسند لتونس شرف التقويم العالمي الجديد أن نقول إن السياسة الدولية اليوم ليست هي نفسها ماقبل تاريخ14جانفي/يناير2011لأن المنطقة برمتها ستتحرك بمشروعية جديدة ليست مشروعية الأبواق والدعايات الحزبية المتغوّلة وسلطة الزعيم الأوحد الواحد فلا صانع التغيير ولا الفاتح من كل الشهور ولا سيد الوحدة ولا جدار التحدي والصمود فالشعوب استفاقت وبدأت تضع بصمتها في التاريخ المعاصر بهباتها التي استحقت أن تكون ثورات رائعة ضد الظلم والفساد والترهل والتبعية المقيتة التي ألحقت بأمتنا العار وباِقتصادياتنا التخلّف والتقهقر وبمواردنا البشريّة الخنوع وصار العربي رمزا لكل ماهو شائن ومقيت وبحكم أن هذه الهبّات كانت في الغالب دون حسابات وتفتقر لقيادات توجّهها الوجهة التي تستحقّ استطاعت مافيات الصهاينة أن تندسّ في مجرى الأمور بطريقة مباشرة أو بإنابة من ينوبهم وقد بدأت تتكشف ملامح حضورهم القويّ بكل جلاء وشفافيّة .
فما هي أهم تجليات هذا الحضور؟
وما النتائج المحتملة التي سيجنيها الصهاينة؟
يبدو المشهد بين الجمهوريتين دون رئيس متقاربا وكأن الأمر يتعلق بنسخ ولصق للتجربتين إحداهما للأخرى فما يجدّ بتونس يعاد بحذافيره بمصر والعكس كذلك يشي بوحدة السيناريو الذي يقبع خلف إخراجه الأعور الصهيوني الذي يضع جلدة موشي دايان على عينه ويصوب على هدفه بدقة ولعل طرح مشكلة الهويّة أولى تجليات هذا التدخل فبم نفسر سكوت نخبنا أيام العسف عن هذا الإشكال؟
هذا الهمّ المصطنع الذي يريدون من خلاله تعويم السياسي بالاجتماعي بالثقافي والنّخبويّ بالعام حتى تكثر وجوه الصفحة الواحدة وتُجيّر الجهود وتغيب الرؤية وبذلك يستطيع النافخون في الرماد تحديد ملامح المرحلة القادمة وعندما يشتد النفير ويكثر الضحايا يطلّون من وراء المشهد ممسكين باقتراحات الحلول والوصفات الجاهزة وتظهر جديّة هذا التخمين جليّة من خلال قوائم من يسهرون على الشأن السياسي بتونس ومصر من خلال الهيئات المقترحة بعد الثورتين وتكنوقراط الهزائم الذين خلعوا لِتَوِّّهم جلباب الرئيسين السابقين وعصوات الفرق النحاسيّة التي كانوا يسيرونها ويشرفون على كرنفالاتها لمباركة إنجازات القائدين المُلهمين وتثورجوا في برهة وعادوا للسدّة التي كانوا يشرفون منها على المسرحيّة السّابقة فهذه اللّجان والهيئات لم نسمع لها ركزا في ما مضى ولعل جل قانونييها هم من كانوا وراء التمديد الدستوري والتمطيط والتوريث بل مروا على فصول الميراث ليلحقوا به بابا جديدا عندنا في تونس هو حق ميراث الزوجة للرئاسة فاستطاعوا أن يبرهنوا أن ليلى الطرابلسي هي ربّان المرحلة القادمة ورافعة التحدّيات وماشطة العراقيل وخيار المستقبل وعندما زحف الشعب وألغى ترهاتهم كمنوا له في منعرج المصطلحات وبدأوا يديرون الدفّة من وراء طاولات صالوناتهم الفخمة ومقاهي النجوم السبعة ءءءءءءءءءءءءءء
لكن هل يعجز الشعب عن مجابهة حفنة ترغب في دمار حلمه؟
نعم يعجز الشعب عن مجابهة هؤلاء لأن لهم مساند قوية تحميهم ورساميل ينفقونها تغيّر الآراء ووسائل إعلام تقلب الألوان وتغيّر الأذواق مهما علا شأن أصحابها فهؤلاء تسندهم القوى الكبرى وصورهم مستحبّة هناك في ضفة سيد الثلج و بلد العم سام وحتى في ربوعنا في سفارات العمل الاستخباراتي لكن قد نلحظ اختلاف مشارب هذه الحفنة مع الغرب الذي استدرك في آخر لحظة واِلتحق بالمحتجّين وبارك ما يقومون به بعدما كان يزود جلاديهم بقنابل الغاز وكرباجات جلود الخنازير فمثقّفونا جلّهم مما تيسر من اليسار الاستئصالي والمتغربنون المفتونون بالليبرالية بحلوها ومرّها.
فكيف يجتمع اليسار بالّلبرلة؟
إنّه الزواج الرّمادي الذي يستطيع بفضله الشّاب الحصول على أوراق الإقامة بعد زواجه بعجوز لا تصلح لقضاء المهام البشريّة فالغرب يستخدم عجز اليسار-الكسيح الذي تلوّن مع كل جبابرة "الدولة الوطنية"في الرقعة العربية- ليوفّر به شهائد إقامته عندنا وبعدما دحر السوفيات أيام الحرب الباردة بسذاجة أبنائنا هاهو يعيد الكرة ويشحذ نفس الأسلحة لكن بصورة معكوسة فبعدما كان يقاتل البلشفي ب"الجهادي"هاهو يصنع "ابن لبنين" بدل "ابن لادن" ليدخل به معركة ما بعد بعد الحداثة فلقد استوفوا كلّ أسماء الحروب والمعارك فمن الحرب الكونية إلى الباردة إلى " ثعلب الصحراء" و"الحرب على الإرهاب" و"الرصاص المصبوب" و"اتحاد الشفق" و"شارك" هاهم يدخلون حرب الهوّية وكل هذه الحروب تمّت على أرض غير أرضهم لكن بسلاحهم والفضل في هذه الحرب الأخيرة والراهنة أنها تختلف عن سابقاتها فلا الأرض أرضهم ولا السّلاح سلاحهم فهي بنا ومنا وفينا لحما ودما وإلاّ بم نفسر الهجمة الشرسة دفعة واحدة على معتقداتنا وتراثنا وهويتنا؟ ! وهل تحددت الطعنات بهذا الجزء من جسم مكوننا الثّقافي والتاريخي أم الرقعة أوسع وأشمل؟
يبدو أن ما بدأته النخب- الترانستاندالية المتعالية والباحثة عن مصالحها الفئوية الضيقة الصاعدة مع كل موجة والمرددة لكل الألحان عدا لحن يطرب طموحات الناس ويصنع المجد الجماعي – من هجوم على المقومات اللامادية توسعت رقعته ليصل إلى المعيوش والمحايث فبعد الهوية والتراث امتد الأمر للمتاجرة بالقضايا الجوهرية التي تمثل عصب وجودنا وجوهر قضايانا الرئيسة كمناهضة الاحتلال وكف سرطان الصهيونية ومشاريعها التوسعيّة على حساب تاريخنا ومصير أمتنا فالتطبيع ليس إلا قبولا للآخر من منظورهم في تكرار بباغائي لمقولات فلاسفة الموجة الجديدة وعدم فهم لما أصل له هابرماز وفوكو وفصلته اليونسكو عبر كراسي الفلسفة المبثوثة في ربوعنا ومنابر "حوار الحضارات" متناسين صراخ هنتغتون المنادي بصدامها وتصارعها فالأرض الفلسطينية عند الأمميين الجدد أضحت قضية فلسطينية صرفة والتطبيع يخدم الجارين المتنازعين وهذه رؤية أقطاب التجديد عندنا وهذا ليس بغريب على من كانوا منذ وجودهم يعتبرون انتشار إيديولوجيا لينين أولى من منافحة الاستعمار لانهم معنيون بمناهضة الإمبريالية في نسختها المادية لا في مختلف وجوه تجلّيها وما موقف هؤلاء "البروليتاريين"من حرب الفيتنام ودفاعهم المستميت عن عدم مشروعيتها والأمر صائب لكن مواقفهم كانت أنذاك مشرفة مع الفيتناميين ومخزية مع الفلسطينيين فجل ّ أحزاب اليسار العربي كانت تتبنى هذين الرأيين وفي نفس الوقت وحينما فضحت مؤامراتهم تعللوا بتقدّميّة اليسار الصهيوني وبجهود روسيا ستالين التي كانت سبّاقة في الاعتراف بالكيان الصهيوني بعيد ساعة من قيامه زمن النكبة. وبهذا لو استمر الأمر على هذا الحال فيبدوأن المستفيد الأول من زلزال ساحاتنا السياسية هم الصهاينة دون شك لأنهم يقومون بحرب استنزاف في بوتقتنا دون أن يتكبدوا أية خسائر فالسالخ والمسلوخ في بيتنا والعدوّ رابض في مكمنه يعدّ الضّحايا فهل تستفيق نخبنا وتحول حقدها تجاه تاريخ وتراث تراه ميّتا صوب عدوّ حيّ يتنفّس ويتربّص بنا ولا يكلّ ولا يملّ من تدبير المصائب التي يوجهها لنا ويسوق كل طيور النّحس إلينا على أنّنا لا نتطيّر ولا نلزمهم طيرهم بأعناقهم.!!!!!!!!!!
مساء 18/6/2011م