هل تتسع الساحة السياسية التونسية للمستقلين؟
الساحة السياسية التونسية ، هل تتسع للمستقلين؟ بقلم:بحري العرفاوي 1:التحزب والتعصب تتأسس الأحزاب السياسية غالبا على رؤية عقدية شاملة تشمل الإنسان والطبيعة والثقافة والقيم ،وتتأسس عليها نُظمٌ اقتصادية وسياسية واجتماعية،أحزاب الإيديولوجيا أكثر قدرة على الإستقطاب وعلى الإستعراض السياسي عند الحاجة. وهي أحزاب تتوفر على عوامل الترابط والتضامن بين عناصرها، غير أنها قد تنتهي إلى حالة من "العصبية" العقدية بحيث يتجند أفراد الحزب للدفاع عن إيديولوجيتهم أكثر من استعدادهم لخوض حوارات فكرية هادئة بدافع التوصل
- 24 أكتوبر 2009
- مصدر الوثيقة:
- الحوار نت
الساحة السياسية التونسية ، هل تتسع للمستقلين؟
بقلم:بحري العرفاوي
1:التحزب والتعصب
تتأسس الأحزاب السياسية غالبا على رؤية عقدية شاملة تشمل الإنسان والطبيعة والثقافة والقيم ،وتتأسس عليها نُظمٌ اقتصادية وسياسية واجتماعية،أحزاب الإيديولوجيا أكثر قدرة على الإستقطاب وعلى الإستعراض السياسي عند الحاجة.
وهي أحزاب تتوفر على عوامل الترابط والتضامن بين عناصرها، غير أنها قد تنتهي إلى حالة من "العصبية" العقدية بحيث يتجند أفراد الحزب للدفاع عن إيديولوجيتهم أكثر من استعدادهم لخوض حوارات فكرية هادئة بدافع التوصل إلى ما هو أقرب للمصلحة وللحقيقة. تلك "العصبية" معيقة للتواصل والتثاقف والتدافع لما تنتجه من عداوة وحالات تناف وتصادم وتآمر... حين يتحول الحزب إلى غاية وتصبح الايديولوجيا مقدسة تصغر صورة الإنسان فلا يكون هو الهدف وإنما يصبح وسيلة، وقد تستباح ـ في مراحل التشنج ـ حرمته الجسدية والمعنوية وتصادر حريته وممتلكاته وكرامته.الصراع الإيديولوجي والتغالب الحزبي يضعفان الدور الإيجابي للمتحزبين وخاصة لدى أحزاب المعارضة فينشغلون عن مواجهة التحديات الحقيقية وعن توسيع مساحة التحرر الإجتماعي وعن تكامل الجهد في مغالبة أسباب الضعف ... محاولاتُ تحالف بين أحزاب عديدة فشلت رغم ما يبدو من توفر عوامل الإلتقاء في أهداف محورية ومطالب مشتركة، وكأن العناوين الحزبية ـ بما هي أوعية خارجية ـ أصبحت هي جوهر الصراع وغاية المتحزبين "يعادون" من أجلها كل وعاء مختلف في شكله حتى وإن كان من نفس المعدن أو كان مُثقلا بنفس السوائل النظرية... هذا "التنافي" الحزبي تترتب عنه نتائج سلبية خطرة، منها تهديد النسيج الإجتماعي بتوتير العلاقات المدنية بين شركاء الوطن، ومنها أيضا إفقادُ الناس الثقة في العمل الحزبي وفي جدية الناشطين السياسيين .ولعل هذا ما يفسر العزوف العام عن المشاركة في التنظم الحزبي أو الأنشطة السياسية أو المناسبات الإنتخابية،يلحظ المراقبون بكل يسر أن جُل الأحزاب ليس لها قواعد شعبية ولا تمثل ثقلا حقيقيا يمكن أن يشكل عامل توازن سياسي مع الحزب الحاكم ... الأحزاب الحاكمة هي الأحزاب الشعبية غالبا لكون معاش الناس بين أيديها.
2: الإستقلالية المنفتحة
"المستقل"،مصطلحٌ لا يُحيل إلى الإستقالة واللامبالاة ولا يُحيل إلى ترك العمل السياسي وقضايا الوطن للمتحزبين، "المستقل" ليس منقطعا عن مجتمعه وليس غائبا عن مشاغل ناسه، إنه ذات واعية، منتبهة وفاعلة...إنه متحرر من أيّ نص جامد ومن أيّ جهة مُزكية ومن أيّ دور مسطورٍ.... إنه لا يقف في طابور ولا يُعادي ـ بغريزة سياسيةـ مختلفين أو معترضين،المستقل نشطٌ سريع الحركة والإستجابة لا تثقلهُ ارتباطاتٌ حزبية ولا تبطئهُ التزاماتٌ سياسية،يتحرك كيف وحيث ومتى يشاء تدفعه روحانية وطنية وأشواقٌ إنسانية تتجاوز به التلوينات الحزبية والأوعية الإيديولوجية ينظر فيما قال ولا ينظر فيمن قال وحيث تُقدر مصلحة البلاد والعباد يبصمُ شهادتهُ وقرارهُ ويمشي دائما باتجاه المستقبل الدائم.
"المستقل" ليس كائنا سلبيا وليس رقما سياسيا يُستعملُ في سدّ الفراغات الحزبية، وليس جنديا في معارك الخاسرين دائما حين يُنتجون "جماعة" ثم يأكلونها وليسوا جائعين.
"المستقل" طاقة متحررة ومندفعة دائما بقرار ذاتي وبرؤية مستشرفة ومستجمعةٍ
من آراء كثيرة غير معادية ولا مرتخية.وهو أيضا "مفردٌ جمعٌ" تتقاطع فيه مشاربُ شتى يؤلف بين مُختلفاتِ ائتلافها في هدوء واصطبارٍ وعزم على تفريغ خزانات الأحقاد الإيديولوجية والحزبية.
3: المستقلون أو "الخيار الثالث"
تحت شعار "الإصلاح والتنمية" ومستظلين باللون الزيتوني،تقدمت نخبة من التونسيين في قائمة مستقلة للإنتخابات التشريعية، نخبة تعتز بانحدارها من جذور الوطن وتؤكد عزمها على الذهاب إلى أقصى المدى الحداثي والتنويري مستلهمة وقود حراكها من مواقد التاريخ البعيد والقريب لا تكف جمراتها عن خرق الظلمة والإيماء إلى مساحات النور الرحبة، نخبة لا تدعي امتلاك حقيقة ولا تصرخ في الناس اتبعوني، إنما يَدْعُون الجميع إلى الإشتراك في فعل التفكير من أجل حياة مشتركة على التراب المشترك... هي نخبة يشهد لها الوطن بالوطنية ويشهد لها دستور البلاد بسلامة الإنتماء... "الخيار الثالث" يريدون أن يكونوا... لا يقطعون مع أحدٍ ولا ينامون في أيّ حضنٍ ولا يستقوون بأيةِ ريحٍ على أعمدة الوطن.
يفكرون ويستمعون في آن.. ويريدون أن يعبروا في هدوءٍ... ذاك مُقوّمُ المدنية العاقلة وذاك شرط الإندفاع إلى المستقبل المتسع... لا أفق للواقفين على طلل الروح ولا للمُقيمين في محاريب الحقائق المستعارة... زيتونة معتدلة ـ يقولون ـ هادئة ومصطبرة ومنغرسة في أعماق التراب ذات زيت منير لا تميل ذات اليمين أو ذات الشمال ولا تستفزها ريحٌ ولا تعبأ كثيرا بتبدل الطقس والطقوس... هم قادمون من عزم مشترك ومن فكرة تريدُ أن تكتمل في الأسئلة البسيطة: كيف نشترك في المشترك؟نبتدئ من حروف الهجاء إلى إشارات المرور إلى الثروات الباطنية... نتقدمُ في تحسس المسالك إلى حدائق بناتنا وأولادنا القادمات والقادمين.
كيف نعلم أولادنا الإقلاع عن اللعب بالمتفجرات؟ كيف نعلمهم عدّ حبات السنابل وهم يمشون مستقيميّ القامة إلى مقاعد الرغبة الأولى... في نشيد جماعي للحياة؟
4: اتساع الفكرة والوطن
"الخيار الثالث" يُريدُون أن يكونوا... هم السؤال المفتوح على السلطة وعلى المعارضين وعلى المؤمنين والملحدين وعلى الرغبة الأولى حين هبط آدمُ على الأرض يتحسس نهجهُ إلى المكان وإلى التاريخ ... نتفق أولا على أننا مُختلفون، ثم نذهب باتجاه السؤال إن كان يمكن أن نتفق في أمرٍ؟ هذه النخبة يمكن أن تتسع بالسؤال بحيث ينجذبُ إليها كل ذي رأي وكل ذي رغبة في التوافق على الحد الأقصى من المعاني الوطنية والإنسانية وعلى واجب التمدن الضروري.
"مستقلون" عن المفردات الخاوية وعن العصبيات المكتسبة أو الغريزية وعن العناد المفتقر لدليل عملي أو عقلي... "مستقلون" هم عن الغالبين وعن المبالغين .
في الوهم و"مستقلون" عن المنتصرين للهزيمة دائما... ليسوا مستقيلين يقولون ولا واهمين ولا فاهمين لكل ظاهرة.
هم نخبة لا يحتاجون دليلا على كونهم تونسيين ولا يحتاجون أن يحلف أحدُهم نيابة عنهم أنهم يحبون البلاد وأنهم من نبت تربتها... يُريدون أن يتكلموا مع شركاء المكان في السياسة والرغيف والمعاني وفي الماء الوطني وفي تفاصيل التراب، هم يتوفرون على الفكرة الحيّة وعلى اللسان المُبين، وإنما يُريدون أن يُؤذن لهم حتى يتشكلوا في المشهد المنتظم بقانون البلاد.
نقلا عن موقع السياسية التونسية