نصوص

نعم حقّ لتونس أن تفرح بعيدها!!

نعم حقّ لتونس أن تفرح بعيدها!! نصرالدين السويلمي (عيد الأضحى) عيد القربان، عيد النحر، أو العيد الكبير، كيفما كانت التسمية فهو أحد العناوين البارزة في جبين التاريخ وأحد معاني الإعجاز وتجليات الإبداع الإلهي، هي ليست التضحية في سياقها المتأنّي او المتردد بل هي ذروة سنام التضحيات، هي لحظة مفعمة مشبعة بالعبر يرشح من ثناياها الأمل، لحظة تجهز على اليأس وتثبت الرجاء كوشاح يزين صدور أمناء دعوة الإسلام الخالدة. ولادة مبهرة تلك التي أعقبت أشدّ حالات المخاض عسرا، لقد نشأت فرحة العيد بطريقة فريدة خارقة معجزة

0
15 أكتوبر 2013
مصدر الوثيقة:
الحوار نت
مشاركة

 

نعم حقّ لتونس أن تفرح بعيدها!!

 

نصرالدين السويلمي

(عيد الأضحى) عيد القربان، عيد النحر، أو العيد الكبير، كيفما كانت التسمية فهو أحد العناوين البارزة في جبين التاريخ وأحد معاني الإعجاز وتجليات الإبداع الإلهي، هي ليست التضحية في سياقها المتأنّي او المتردد بل هي ذروة سنام التضحيات، هي لحظة مفعمة مشبعة بالعبر يرشح من ثناياها الأمل، لحظة تجهز على اليأس وتثبت الرجاء كوشاح يزين صدور أمناء دعوة الإسلام الخالدة.

ولادة مبهرة تلك التي أعقبت أشدّ حالات المخاض عسرا، لقد نشأت فرحة العيد بطريقة فريدة خارقة معجزة، عيد ولد في رحاب محضن مدهش، هي الفرحة حين تطلّ بعد إذْ خيّم الموت ثم همّ وكاد.. ، بين رقبة نبي ابن ويد نبي أب وتحت حدّ السكين، وفي لحظة فارقة تفتحت الفرحة وولد عيد الأمة، مابين استجابة الخليل إبراهيم لأمر الله واستسلام ابنه البرعم لقضاء الله ولد العيد، استعان أبو الأنبياء بابنه البارّ ليؤسّس لفضيلة اليقين ويرسي دعائم الولاء لله سبحانه .

مبهجة هي الفرحة حين تأتي في مناخها وترسل مراسيلها لتبشّر بدنوّها، ورائعة تلك الفرحة التي تبزغ دون مقدّمات ، وتصبح الفرحة مدهشة إلى حدّ الانتشاء حين يحلّ ركبها في لحظة بارقة وبعد عسر شديد، وفرحة العسر البارقة هي عنوان عيدنا الكبير، الذي نستقبله اليوم في تونس كما تستقبله الأمّة وشتاتها عبر أرجاء المعمورة.

تونس تفرح بعيدها وحق لها، تفرح لأنّ قيمة هذه المحطة الدينيّة التاريخيّة عميقة وحمّالة ، لا يمكن أن تشاغبها تفاصيل السنوات والعقود، وما الأحداث العابرة إلا فواصل مجهريّة أمام شعيرة القرون الطوال، حق لتونس أن تفرح لأنّه أصبح بإمكانها أن تتصرف في شأنها، حلّ العيد الكبير ليجد تونس وقد ملكت من الخيارات الكثير، يمكن للخضراء اليوم أن ترفض وتَقبل، أن تغضب وترضى، أن تسحب وتزكّي أن تُقبل وتدبر أن تثبت وتُسرح أن تؤهل وتتخلى أن تقرّر وتحسم.. تفرح تونس بعيدها لأنّها أصبحت وقد ملكت إرادتها.
كيف لا تفرح تونس اليوم بعيدها وهي التي فرحت به في أمسها رغم أنّ أموالها كانت تُنهب وأراضيها تقسم والويل للمعقّب والوبال للمحتجّ، تونس كان يسام فيها الناس ويحجر على شعبها التأوه في الطرقات والفضاءات العامّة، وتجرّم فيها المجاهرة بالتذمّر حتى من فرجة النافذة وكوة الباب، تونس التي كانت تُقَدّم فيها الشركات العملاقة هديّة لعيد ميلاد فلانة وفلان، تونس التي كانت مفاتيح بنكها المركزي يلعب بها محمد زين العابدين في فراشه المذهب فتنتزعها أمه برفق “كِخَّ”، تونس التي كانت توهب فيها بلدية حلق الواد “للزطالة” ، وقبل أن يلجها يفحج على البخور ليزيد من قهر الشرفاء ويعمل أقدامه الغلاظ في الجرح بقوة ، تونس التي كان المواطن فيها يسترضي ابنته “بشنقومة” في حين يسترضي رئيسها ابنته من الزوجة الأولى”درجة ثانية” بمحطة إذاعية ضخمة مؤثثة بأحدث المعدّات وبمواصفات عالميّة.

كنّا نفرح بالعيد حين كانت الدولة معلقة بإصبعين من أصابع وسيلة ثم سعيدة ثم ليلى، أولا نفرح حين أصبح المجلس التأسيسي الذي يفترض ان يكون سيد نفسه ومن فرك جرعة الديمقراطية اصبح يئن تحت المراقبة والمحاسبة، كنّا نفرح بالعيد حين كانت القرارات المصيريّة تصدر من غرف النوم، ألا نفرح والقرارات تصدر من مؤسّسات منتخبة تمرّ عبر المجلس التأسيسي وتملك المعارضة فيها حق النقض، كنّا نفرح حين كانت الأسرة الحاكمة بين سارق عابر للقارّات وتاجر مخدّرات مطلوب للأنتربول، أفلا نفرح بعد أن أصبحت النخبة الحاكمة بين مناضلين وحقوقيّين وكفاءات مستقلة، كنّا نفرح بعيدنا حين كنّا تحت حكم رئيس لا يحسن تركيب جملة مفيدة، رئيس عشش أكثر من عقدين لم يُنَشط فيهما ندوة صحفيّة واحدة، ولم يرتجل خمس خطاب أو حتى عشرة، أفلا نفرح وبيننا رئيس يتكلم العديد من اللغات، يتحدّث من فوق المنابر الدوليّة فيقنع، كنّا نفرح بالعيد حين كانت السجون تغصّ بآلاف السجناء السياسيّين وكانت النخبة السياسيّة والنقابيّة والإعلاميّة والثقافيّة تتسابق إلى سوق المناشدات تناشد سلطة جاءت فجرا على دبابة، أفلا نفرح وكل هذه النخب تتسابق اليوم لمعارضة سلطة جاءت ضحى عبر الصناديق لا بل وتسعى لإسقاطها بأدوات هجينة ، كنّا نفرح بالعيد وبين ظهرانينا بالحسن الطرابلسي الذي كان يسجل كل يوم شركة جديدة باسمه ، ومن كثر عقاراته أصبح يتقاسم مع الشعب دفتر خانة مناصفة، ولا تسمع في أرجاء البلاد إلا “ما شاء الله ربي يبارك ويزيد” وبالكاد نستنشق عن بعد كلمة تنديد منزوية ومحتشمة، أفلا نفرح اليوم بعيدنا وقد أصبحنا نحاسب الوزيرة عن ثمن حذاء والوزير عن سعر ليلة في نزل ، كنّا نفرح بالعيد حين كانت النخبة تتدافع من أجل صورة مع الأمين العامّ للتجمّع، أفلا نفرح اليوم وقد توسّعت النخبة حتى أصبحت تنتقد تدخل رئيس الحزب الحاكم في الشؤون السياسيّة للبلاد ، كنّا نفرح بعيدنا حين كانت لجان الأحياء والشُّعب والجامعات الحزبيّة ومؤسّسات التجمع ترسل بجرّة قلم صفوة شبابنا خلف الشمس, أفلا نفرح بعيدنا والذين حرقوا أكثر من 80 مقرّ للحزب الحاكم ينعمون بحريتهم!!.
بلى سنفرح بعيدنا وبأعيادنا وجميع مناسباتنا، سنثمّن ما حصل ونبارك فضائل ثورتنا ونستبشر بمستقبلنا ونتطلع إلى ما هو أحسن ، سنبقى متحفّزين ، نراقب ونسدّد ونندّد ونغلظ القول والفعل إن لزم الأمر ، سنبقى يقظين ، لكن يقظة المواطن الغيور على وطنه المستبشر بمستقبل بلاده وليست يقظة الانتهازي المتشائم الذي استشرى في كيانه سرطان النرجسيّة السياسيّة فأحاله إلى كتلة مدمّرة.
عيد سعيد لكل أبناء وبنات تونس ولجموع أمتنا الإسلامية أينما كانوا ، رحم الله من رحل ولم يدرك عيدنا ، أمّا الذين فارقونا بعد أن سقطوا في ساحات الشرف وقضوا في سجون الطواغيت ، أولئك الذين رحلوا لتفرح تونس ، نعدهم أنّ الخفافيش التي تربت على الكره وتناولت جرعات عالية من الحقد المركز لن نسمح لها بان تغير ساقية الدم وتلوث مجراه ، فدماء الأحرار سالت لتسقي نبتة الحرية والأمل ، ولن يخون الشعب أمانة الشهداء ويحول وجهة دمائهم لتغذي سماسرة الانقلابات الذين باتوا يقتاتون على فضلات ديكتاتوريّة أفلت وأصبحت في الغابرين.

جميع الحقوق محفوظة لمنصة الذاكرة 2026 ©