نظام بن علي التزوير والانتحال .. من المهد إلى اللحد
نظام بن علي التزوير والانتحال .. من المهد إلى اللحد عبدالباقي خليفة كسر نظام بن علي جميع القواعد المتعارف عليها ، ودنس قدسية كل الأشياء الجميلة من الأسماء إلى المعاني والمدلولات والماهيات . وقلب المفاهيم السائدة حتى أصبحت تعني خلافها ونقائضها . واستفزز ( حرض ، وهي خلاف استفز ) وسائل الاعلام العامة ، كالتلفزيون ، لتسبح بحمده صياح مساء ، مؤكدة من حيث لا تدري أنها تدلل بذلك على مستوى الاستبداد والديكتاتورية السائدة في تونس . فبقدر حضور رأس النظام الديكتاتوري في وسائل الاعلام الرسمية ، بقدرما يحدد م
- 9 مايو 2010
- مصدر الوثيقة:
- الحوار نت
نظام بن علي التزوير والانتحال .. من المهد إلى اللحد
عبدالباقي خليفة
كسر نظام بن علي جميع القواعد المتعارف عليها ، ودنس قدسية كل الأشياء الجميلة من الأسماء إلى المعاني والمدلولات والماهيات . وقلب المفاهيم السائدة حتى أصبحت تعني خلافها ونقائضها . واستفزز ( حرض ، وهي خلاف استفز ) وسائل الاعلام العامة ، كالتلفزيون ، لتسبح بحمده صياح مساء ، مؤكدة من حيث لا تدري أنها تدلل بذلك على مستوى الاستبداد والديكتاتورية السائدة في تونس . فبقدر حضور رأس النظام الديكتاتوري في وسائل الاعلام الرسمية ، بقدرما يحدد معيار الاستبداد . حتى أصبح ذلك أمرا شائعا بين مختلف الأمم والشعوب . فحضور الزعيم في كوريا الشمالية مثلا ، ليس مثل نظيره في كوريا الجنوبية على سبيل المثال . وكذلك الامر لو قارنا حضور بن علي في الاعلام ( التونسي ) مع حضور، ساركوزي ، وبرلسكوني ، ( حتى في امبراطوريته الاعلامية ) وميركل في اعلام دولهم .
وهذا التزييف والانتحال ليس وليد مرحلة ما بعد الانقلاب ، بل يعود إلى مهد بن علي ، فقد سموه زين العابدين ، وليس له من ذلك نصيب . لا من حيث الاسم المجرد ، ولا الصفة المكتسبة ، ولا الشخصية التاريخية لزين العابدين ، سليل آل البيت رضي الله عنه . إذن التزييف ليس وليد لحظة معينة ، وليس تنزيلا لمفاهيم السلطة عند " نيكولا ميكافيلي " فحسب ، وإنما هو أصل ثابت في شخصية هذا الطاغية الذي ابتليت به تونس في نهاية القرن العشرين ، ومطلع القرن الواحد والعشرين . وهذا ما يجب أن تعرفه الأجيال القادمة في تونس والمنطقة والعالم . وإذا علمنا أن هذا الشخص قد تجاوز السبعين ، ولم يراجع منهجه ، ولم يتراجع عن جرائمه ، فإنه بذلك قد جمع بين مختلف الشرور والجرائم ، من تزوير وانتحال وظلم واستبداد وديكتاتورية .
نقول هذا الكلام ، ونحن نستقبل مرحلة جديدة من التزوير والانتحال ، وتسمية الأشياء بغير مسمياتها الحقيقية . إنها الانتخابات البلدية القادمة ، والمحطة الجديدة التي يمارس فيها نظام بن علي ألاعيبه ، ويكشف فيها عن شخصيته النرجسية الاجرامية ، واستماتته في البقاء في السلطة رغم شيخوخته التي لم تستطع الأصباغ و" الميكابات "إخفاءها . هذه البقرة المقدسة أصبحت تدرك ، أن الورقة التي لعبتها في تسعينات القرن الماضي قد احترقت ، وأن الغرب بات يدرك تماما ، مدى التزييف الحداثوي الذي يخدع به نظام بن علي الداخل والخارج معا . فالانتخابات التي ينظمها نظام بن علي ، تفتقد لأبسط قواعد الشفافية ، والتنافس النزيه ، وتكافئ الفرص . وربما لهذه الأسباب يكون النظام التونسي ، وبن علي تحديدا ، في حالة نفسية سيئة جدا ( كما ذكر بعض من هم في داخل السلطة ذاتها ) عند كل محطة انتخابية مزورة ،منذ أكثر من 20 سنة ، وهوما بدا جليا في جوقة تجديد اغتصاب السلطة، والتي تسمى في تونس تجاوزا " الانتخابات العامة " الأخيرة .
هذا الوضع السياسي ، جعل الكثير من كبار وصغار المنخرطين في الحزب الحاكم رغما عن الشعب ، يعتبرون أنفسهم ملاك للبلد وللشعب ، يفعلون ما يروق لهم ، حتى طالب بعضهم بمصادرة جثامين الموتى بقوة القانون ، وتحويلها غصبا عن أهلها إلى قطع غيار بشرية . وهكذا نجدهم يصادرون التونسي حيا وميتا . ناهيك عن السيطرة المطلقة على مؤسسات الدولة ، ومؤسسات المجتمع المدني ، التي تحولت إلى ملاحق وشعب للنظام الحاكم ، وأصبح البوليس أكثر سلطة من القاضي ، وممليا عليه . وأصبح المخبر أو " القواد "باللهجة التونسية الصارمة في تعريف السافلين ، أكثر سلطة من مدير المؤسسة والمثقف ، وأحيانا السفير أو الموظف في هذا السلك أو ذاك . فالنظام والذي يفترض أن يكون طرفا لا قاضيا في الانتخابات هو من يختار المتنافسين ، وهو من يحدد نسبة الفوز، من خلال تنظيم العملية من أولها وإلى آخرها ، فهو المنظم والمشرف والذي يفرز الأصوات ويعلن أسماء الفائزين ، دون السماح لأحد من خارج دوائره بالاشتراك في عملية المراقبة ، والفرز . وكان من المضحك أن يرفض الاشراف الاوروبي ، بحكم أن " تونس عريقة في الديمقراطية " ( حتى " أنصار" النظام يضحكون من هذه الميكافيلية المكوشفة ) مفضلا عليه الاشراف ( العربي ) وهو النظام الذي طالما عبر سدنته عن رغبتهم في الالتحاق بركب التقدم ( الغرب ) لكنه يتنكب الطريق عندما يتعلق الأمر بالديمقراطية وحقوق الانسان ، والقيم الانسانية الحقيقية المشتركة ، التي يحتكرها الغرب في مجتمعاته . ويتذكرنظام بن علي في هذه المحطة ( فقط ) أن لديه ثقافة مختلفة . فالنظام الحاكم بقوة الحديد والنار في تونس ، يريد أن يقلد الضفة الشمالية في كل شئ ما عدا ما نحتاج إليه فعلا للتقدم ، وهي إطلاق الحريات ، وإرساء الديمقراطية وحكم الشعب . ولأن المستفيدين من الديكتاتورية يفلسفون الاستبداد ،على زعم أن الديمقراطية تحتاج لظهور فلاسفة ( ... ) فإنهم يعملون على عدم ظهورهم مطلقا ، من خلال إلهاء الشعب بعالمه السفلي . مقابل استمرار قمع وسجن الأحرار من أمثال الدكتور الصادق شورو، وأبناء الصحوة الاسلامية الجديدة في تونس ، وغيرهم من المناضلين التاريخيين من جميع الطيف التونسي . والذين يناضلون من أجل مجتمع لا وصاية فيه لأحد على أحد ، بوقف خطيئة تبادل مواقع الاستبداد .
وصاية النظام الحاكم على المجتمع التونسي تجاوزت كل الحدود ، ومنها على سبيل الذكر لا الحصر الضغط على المواطنين الذين يملكون محلات للايجار من تأجير محلاتهم للمحامين المعارضين ، مثل عبد الرؤوف العيادي ، ومحمد عبو، والعياشي الهمامي ، وغيرهم . ووصل إلى حد خلع أبواب مكاتب المعارضين وسرقة محتوياتها كما حصل مع راضية النصراوي ومن ذلك الوحدة المركزية للحاسوب . ويستمر النظام ونحن في شهر مايو من عام 2010 م في اعتقال الطلبة بتهم الارهاب مثل حسين المرزوقي ولطفي قريرة ، وتزامن ذلك مع احياء اليوم العالمي للصحافة ، يوم 3 مايو من نفس العام حيث أصدرت النقابة الوطنية للصحافيين بيانا تحدثت فيه عن " سياسة الانغلاق " التي تمارسها السلطة ، و" مصادرة الحريات العامة ومحاصرة الاعلام المستقل " وتحدث البيان عن حملات التنكيل التي تعرض لها الصحافيون سنة 2009 م واستمرت في 2010 م بنفس الوتيرة وأشد . ففي 2009 م تمت مصادرة النقابة الوطنية للصحافيين . وفي نفس السنة عبرت ثلاث صحف تونسية عن رفضها لواقع الاخصاء الذي يفرضه النظام على معارضيه بوقف الصدور وهي ، الموقف ، و، مواطنون ، و، الطريق الجديد . وفي سنة 2009 م أصدرت 100 شخصية وطنية نداءا بمناسبة اليوم العالمي لحقوق الانسان ، طالبت فيه بوقف تدهور الحريات ووصل التوقيعات إلى 300 شخصية ، ولم تلق دعواتها أي صدى لدى السلطة الحاكمة . إذ واصل النظام الحاكم سياسته القمعية حيال المناضلين الاحرار ، وعدوانه على على عدد من الناشطين منهم عضو أحد المكاتب التنفيذية للاتحاد الجهوي للشغل بالقيروان صلاح الدين السالمي ، والنقابي فتحي اللطيف . ولم يكتف النظام بالعربدة في الداخل فانتقل للخارج ، حيث لديه مؤسسة أمنية كاملة هدفها العناصر المعارضة في الخارج ، أين تمت قرصنة معطيات تهم المنظمة الدولية للمهجرين التونسيين .
وعلى الصعيد الثقافي ، لا يزال النظام ينشر ويبث التلوث السمعي والبصري مما يعكس الاهتمامات الحقيقية لنظام بن علي والذي يعشق الشطح والردح بأنواعه المختلفة . ولم يقف الشطح والردح عند مستوى الممارسة فتجاوزه للاعتقاد من خلال الأغاني كالتي طفح بها الفنان ظافر يوسف ،ومن ذلك قوله " كفرت بدين الله ، والكفر عند المسلمين حرام " في استفزاز لمشاعر الشعب التونسي المسلم ومليار ونصف المليار من المسلمين في العالم . وفي ظل نظام بن علي تجرأ الشواذ لنشر شذوذهم بين الناس عندما يقول أحدهم عن عشيقه " ليست جميلة بل إنه رجل وسيم " وفي ظل نظام بن علي تعرض ملابس داخلية على الجمهور في " صالون متوسطي للملابس الداخلية النسوية " .
وفي ظل نظام بن علي هناك الميآت بل ربما الآلاف من المحرومين من جوازات السفر في العشرات من الدول ، يتعرضون للابتزاز ، ولمحاولات الاختراق من قبل النظام ، ونشر الضغينة والتحارب فيما بينهم . من خلال منح بعضهم جوازات سفر بشكل كيدي ، لتفريق صفوفهم . وقد عبرت الكثير من المنظمات الحقوقية عن وقوفها معهم ومن ذلك الرابطة الجزائرية لحقوق الانسان ، وجمعية حقوق الانسان أولا بالسعودية ، واللجنة العربية لحقوق الانسان ، والجمعية الفلسطينية لحقوق الانسان ، والجمعية الانسانية لحقوق الانسان بالعراق ، والمركز المصري لحقوق الانسان ، والمعهد الوطني المصري لحقوق الانسان . كما أصدرت منظمات وطنية تونسية عريضة تساند حق المهجرين في العودة الآمنة والكريمة ، ومنها منظمة حرية وانصاف ، والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الانسان ، والمجلس الوطني للحريات ، والجمعية التونسية لمقاومة التعذيب ، والمرصد التونسي للحقوق النقابية ، والجمعية الدولية لمساندة المساجين التونسيين ، ومرصد حرية الصحافة والنشر والابداع والودادية الوطنية لقدماء المقاومين ، ومنظمة صوت حر ، واللجنة من أجل احترام الحريات وحقوق الانسان في تونس ، ومنظمة التضامن التونسي ، وجمعية الزيتونة بسويسرا ، وجمعية المتوسط للذاكرة والمصالحة ، ومنتدى التونسيين بجنيف ، والمنظمة الدولية للمهجرين التونسيين . هذا تاريخ من العار يلحق نظام بن علي وبن علي شخصيا . والذين يدافعون عنه اليوم ، سيكونون أول من يكشف ما كان خافيا غدا . وهناك شهادات حية مسجلة ، تؤكد بأن قضية المهجرين التونسيين سياسية ، وليست قضائية كما يزعم النظام ، وعودة البعض من ( المتهمين ) إلى تونس بصفقة مع النظام ، أو في إطار مساعي النظام لصنع جو من التحارب الداخلي بين المعارضين ، ولا سيما أبناء النهضة ، دون أن يحاكموا ، أكبر دليل على ذلك . وليس صحيحا أن كل من طلب جواز سفره ، منح له . والبعض منح جواز سفر لمدة عامين ، ولأنه لم يقدم خدمات أمنية ولم يتحول إلى مخبر ( قواد ) لم يجدد له ، فأين إذن البعد القانوني في هذه الحالات ؟!!!
وبما أننا على مشارف محطة جديدة من التزوير ، ( الانتخابات البلدية ) فقد زعم بن علي أن الذين يشككون في ( نزاهة ) الانتخابات " يخشون المنافسة " . والحقيقة هي أنه هو من يخشى المنافسة من خلال حرمان الشعب من الاطلاع على المعلومة من مصادر غير مصادره ، ومن خلال تكميم الأفواه ، ومنع قيام أحزاب سياسية يمكنها أن تطيح به في انتخابات حرة ونزيهة وشفافة . وليس هناك شك في أن الانتخابات مزورة ، فالذي يزور شهاداته ، ويزور هويته ، ويزور المسميات فيصبح الانقلاب تغييرا ، والديكتاتورية ديمقراطية ، والقمع حقوق الانسان ، ويبقي على الدكتور الصادق شورو في السجن لمجرد تصريح ، ويساوم المناضلين بوقف النضال مقابل فتح أبواب جنته له ( التوزير وما شابه ) لا يمكن أن يجري انتخابات حقيقية .