نصوص

نحن والغرب ( 1 ) سجال السياسة والثقافة .. التاريخ والجغرافيا

نحن والغرب ( 1 ) سجال السياسة والثقافة .. التاريخ والجغرافيا عبدالباقي خليفة * نحن في حاجة لبحث المنابع الأصيلة للأفكار ، وعلاقتها بالبيئة التي نشأت فيها ، وبالإرث التاريخي لجذورها المتشعبة ، وعلاقتها بالدين والميتافيزيقا ، وطلاسم العقل البشري بتناقضاته المختلفة والمعقدة . فالعقل البشري ليس آلة ، وإنما آلية ، قادرة على النمو ، وقابلة للضمور، لدى كل فرد . وهناك العقل الفرد والعقل الجمعي ، والعقل الغالب ، والعقل المنبت ، والعقل المستنبط ، والعقل المستهلك ، والعقل المبدع ، والعقل المستنسخ ، والعقل

0
12 مارس 2010
مصدر الوثيقة:
الحوار نت
مشاركة

 

نحن والغرب ( 1 ) سجال السياسة والثقافة .. التاريخ والجغرافيا   عبدالباقي خليفة *
نحن في حاجة لبحث المنابع الأصيلة للأفكار ، وعلاقتها بالبيئة التي نشأت فيها ، وبالإرث التاريخي لجذورها المتشعبة ، وعلاقتها بالدين والميتافيزيقا ، وطلاسم العقل البشري بتناقضاته المختلفة والمعقدة . فالعقل البشري ليس آلة ، وإنما آلية ، قادرة على النمو ، وقابلة للضمور، لدى كل فرد . وهناك العقل الفرد والعقل الجمعي ، والعقل الغالب ، والعقل المنبت ، والعقل المستنبط ، والعقل المستهلك ، والعقل المبدع ، والعقل المستنسخ ، والعقل الممتد ، والعقل المنقطع ، والعقل السائل ، والعقل المتحول ، والعقل الراسخ .. وكما العقل ، لا يستقر الكثير ممن يأخذ طابع المعقول على إطلاقاته ، أو معقولياته . والمعقوليات ليست واحدة لدى جميع العقول ، فهي متعددة ، ولا توجد وحدة للعقل البشري حول الكثير من "المعقوليات ". وتاريخ الفلسفة والعلوم جميعا تؤكد هذه الحقيقة ، ولا تزال المدارس الفكرية تستدرك الواحدة على الأخرى ، والاساتذة على أساتذتهم وطلابهم ، والطلاب على أساتذتهم ، والطروحات على الطروحات الأخرى ، وستظل كذلك حتى يوم القيامة . وهكذا كان الأمر مع هيغل وماركس ، وسارتر وكامي ، وأرسطو وابن رشد ، ودوركايم وابن خلدون ، والفرابي والغزالي . فليس للبحث نهاية ، ويمكن إعادة قراءة مسلمات التاريخ في ضوء المعارف وطرق البحث المعاصرة للوصول لبعض الحقيقة ، فالحقيقة الكاملة الجامعة الشافية ، تبقى غيبا ، وحتى يوم القيامة . والعقل المسلم في تجلياته المختلفة يتمحورفي مختلف التصنيفات السابقة . وربما محاولات حجره قسرا في قوالب معينة هي التي جعلته يعتكف في الذاكرة ، أو ينطلق في المجهول ، أو يتكور في الانبتات ويذوب في الاستهلاك ، ويغرق في المحاكاة والاستنساخ . وربما كان ذلك جوابا للسؤال المطروح ، ما الذي جرى ، لتتوقف أرض المسلمين عن الدوران ، وتتسطح بيضة الاسلام العلمية في العالم . يعيد البعض  ذلك إلى وقف باب الاجتهاد لمدة 800 عام ، ولكن ذلك على وجاهته ، ليس السبب الوحيد لتأخر المسلمين ، وتقدم غيرهم . فقد مرضت السياسة ، وفقدت روح التحفيز على الابداع والاجتهاد ، فتجمد التفكير ، وتوقف البحث ، وانحصر التأمل . وكانت المقولة التي لا تزال سائدة اليوم في بلاد المسلمين ، ليس بالامكان أحسن مما هو كائن . وعندما تستمع للبعض وهو يعدد الانجازات ، تحسب أن بلده هو القوة العظمى الوحيدة في العالم . توقف البحث والابداع واكتفى الجميع بالتقليد ، وهنا تقليد الآخر ، بعد ما تجاوزنا تقليد الماضي ، فلا أحد يتحدث عن تقليد الماضي ، بمفهوم العيش فيه ، سوى العقل المعتل بتقليد الآخر والمريض به . فالقضية أكبر من وقف عملية الاجتهاد ، لأن الاجتهاد أوقف أكثر منه توقف . في موضوع الدين ترك الأمر للأموات الأحياء بعلمهم ، وفي موضوع الدنيا ترك الأمر للساسة الأحياء الأموات بأنانيتهم ، وتقديم ذواتهم وشهواتهم على مسؤلية السلطة ، وعلوية النص ، وشرعية اليمين ، أوالأمة . وإذا نظرنا إلى التراث الفقهي في مجال العبادات نجده بحورمن الحبر ، وجبال من الورق . وهذا ليس استنقاصا من أهميته بل إشادة بجهود المحبرين والكاتبين . لكننا لا نجده كذلك فيما يتعلق بالاقتصاد والسياسة ، مما يعني أن الاجتهاد لم يوقفه الفقهاء وإنما السلاطين . والسياسة كان لها دور أيضا في ظهور الفرق ، وانزواء الكثيرين إلى زوايا ، في بناء الاسلام الفسيح ، هربا من الحياة ومن تبعات تحمل المسؤولية والشهادة على الناس . وربما مثل الأئمة الأربعة ، وعدد قليل من العلماء عبر العصور كالعز بن عبدالسلام ، وبعض المجددين في القرون الأخيرة ، الأفغاني وعبده ورشيد رضا . ثم المودودي ، والندوي ، والبنا ، وقطب . ثم الغزالي والقرضاوي والترابي والغنوشي .  وتاريخنا يختلف عن التاريخ الغربي ، فعلاقة الدين بالسلطة في الغرب كانت تحالف . أما في التاريخ الاسلامي فهي هيمنة السياسة على الدين ، منذ الانقلاب الأموي ، وهي حالة لا تزال قائمة حتى اليوم . لقد كان للسياسة دور في تخلف المسلمين منذ عصور الانحطاط .. وفي الوقت الراهن ؟  فالسياسة مارست دور التخدير ، وتفجير الخلافات داخل الأمة ، وتقديم أهل الثقة على أهل الخبرة ، وتحويل الأمة إلى قطعان ، وثرواتها إلى ممتلكات خاصة . والفرق التي ظهرت في التاريخ الاسلامي كالقدرية والجبرية وغيرها نتاج سياسي بامتياز بشكل مباشر أو غير مباشر. ولكن للانصاف كانت هناك ، فترات ذهبية في التاريخ الاسلامي أدى فيها الحكام دورا ايجابيا شجعوا العلماء ، وحثوهم على البذل والعطاء . أما اليوم فحال المسلمين لا يسر ، إذ أن البحث العلمي والتكنولوجي بالأخص لا يحظى بالأهمية التي تليق به . لا سيما ونحن في عصر القوة والأقوياء ، وليس الأدب والشعراء . فقد بلغ الأدب والشعر أوجهما عندما سقطت الأندلس . وبعض بلاد المسلمين تعيش ارهاصات أندلسات أخرى . من خلال تشجيع التيارات المعادية لقيم الأمة بأسماء تخفى الكثير من حقائقها على مردديها . ويرى الكثير من العلماء والمفكرين المسلمين ، مثل مالك بن نبي ، والشيخ محمد الغزالي ، والشيخ راشد الغنوشي ، ومحمد عمارة ، وعلي عزت بيجوفيتش ، وغيرهم أن من أسباب تخلف المسلمين ، ما يصفه العلامة يوسف القرضاوي ب الجمود والجحود ، أو بتعبير الشيخ راشد الغنوشي ، مع التصرف ، بطش الحجاج وسكرة الحلاج .  إن البحث عن الحلول السهلة ، لا يمكن أن يخرج الأمة من التخلف . سواء باستساخ النموذج الغربي ، تحت أسماء ومصطلحات تؤخذ من بيئتها الخاصة ، لتزرع في البيئة الاسلامية بشكل متعسف ، وأحيانا مجرد استجابة للضغوط ،أو إرضاءا للغرب ، مع دعاية الضرورة . أو باستنساخ الحلول من الماضي دون مراعاة لطبيعة العصر الذي نعيش فيه ، وتطور الحياة في مختلف المجالات . والحل الصحيح هو توظيف الطاقات والامكانات من أجل ايجاد حلول لمشاكلنا ، بالاستفادة من الماضي ، ومن تجارب الآخرين بدون ببغائية أو نسخة طبق الأصل . الحل الاسلامي على مستوى المصارف ، وعلى مستوى القيم الاجتماعية ، وعلى مستوى البيئة ، وفي مجال التسامح والتعدد الثقافي والاثني وغيره أثبت جدارته ، وإن كانت بعض جوانبه في حاجة لتوضيح أكبر . وأنا أنصح المشتغلين بقضية التطوير أن يقوموا بحوارات واسعة مع العلماء والمفكرين والمثقفين وتبادل الأفكار معهم قبل إعلان أي آراء أو اطلاقات معينة ، هي مجرد تأثير بشكل ما بالغرب ، أو انقطاع عن الجذور . وحتى لا يعتبر أحد نفسه ، أو ينظر إليه على أنه قيم على الشعب والأمة يفكر نيابة عنهم ، ويقرر باسمهم بأن الثقافة الوافدة والثقافة الأخرى يجب أن تحل محل ثقافتنا ، بعد أن يوصف الثقافتين كما يراها هو أو مجموعته . والتأثر طبيعة انسانية ، وأنا هنا لا أنكرها ولا أتجاهلها ، ولكن على المشتغلين بالتطوير أن يكونوا فاهمين لتاريخهم وللثقافة الاسلامية ، حتى تكون أفكارهم تجديدية حقيقة وليس استنساخا . ولينتجوا أفكارا جديدة تحافظ على المبادئ الأساسية للاسلام ، لأنه لا نهضة لأمتنا بدون ذلك . ونفي هذه المبادئ أو الدعوة للقطع مع التاريخ والثقافة الاسلامية دعوة للانتحار الثقافي وللتلاشي ، فالذاتية مطلوبة لا سيما وأن الآخر لن يعطيك هويته مهما تتيمت بها . وستظل الآخر التابع ، أو الآخر النسخة غير الأصلية . بل الآخر المغلوب وحتى القرد الذي يحاول تقليد ( العالم الحر ) دون أن يملك جميع خصائصه وذاتيته .. روح الاسلام هي الطاقة التي نحتاجها للفعل الحضاري والتميز الثقافي . لا يمكن أن نضيف شيئا للعالم ، إن لم نكن مسلمين . لأنه بدون الاسلام لن نكون نحن ، وفي نفس الوقت لن نكون الآخر . بدون الاسلام سنكون مسخا ليس له هوية ، وفي نفس الوقت لا يمكنه الحصول على هوية بديلة .. إذن الاسلام قدرنا ، ونحن في حاجة إليه أكثر من حاجته لنا . العالم يريد أن يسمع آراءنا لعلها تضيف شيئا ، وليس أن نكرر على مسامعه آراءه هو ، فهو عندما يسمع البعض ممن يكررون آراءه يشعر بأنه يتقيأ .   * كاتب وصحفي تونسي  

 

في الموسوعة

جميع الحقوق محفوظة لمنصة الذاكرة 2026 ©