موعد آخر على الحساب
هل يكون التاريخ المعلن هو اليوم الموعود ؟ و هل تزول المسببات الحقيقية للتأجيل ليتم تحقيق الانتقال الديمقراطي و إنجاز أهداف الثورة و إتاحة الفرصة للشعب ليحكم نفسه بنفسه و يقطع مع العهد البائد نهائيا؟ يحق لنا أن نطرح هذه التساؤلات و نحن نشاهد نفس الأساليب و نفس الخطاب الذي لا يرتقي إلى مستوى الأفعال منذ أشهر. و تبدو الأهداف المنشودة للثورة صعبة المنال إذا لم يتم وضع حد لمجموعة العراقيل و الإشكاليات التي تميز الوضع الحالي و التي تعوق بناء المجتمع الديمقراطي المتحرر و المتفتح. فالإنفلات الأمني المتو
- 10 يونيو 2011
- مصدر الوثيقة:
- الحوار نت
هل يكون التاريخ المعلن هو اليوم الموعود ؟ و هل تزول المسببات الحقيقية للتأجيل ليتم تحقيق الانتقال الديمقراطي و إنجاز أهداف الثورة و إتاحة الفرصة للشعب ليحكم نفسه بنفسه و يقطع مع العهد البائد نهائيا؟
يحق لنا أن نطرح هذه التساؤلات و نحن نشاهد نفس الأساليب و نفس الخطاب الذي لا يرتقي إلى مستوى الأفعال منذ أشهر.
و تبدو الأهداف المنشودة للثورة صعبة المنال إذا لم يتم وضع حد لمجموعة العراقيل و الإشكاليات التي تميز الوضع الحالي و التي تعوق بناء المجتمع الديمقراطي المتحرر و المتفتح. فالإنفلات الأمني المتواصل و الإحتقان المتزايد بأشكاله المختلفة، سياسية و اجتماعية و عقائدية و حتى عروشية و قبلية، و التوتر الدائم في العلاقات بين مختلف الأطراف تمثل خطرا متفاقما على فرص تجسيم طموحات ثورة الحرية و الكرامة في ظل التجاذبات المتناقضة و تردد الحكومة المؤقتة و تلكؤها في فرض القانون و النظام باتخاذ اجراءات حاسمة و ضرورية و لكنها لن تحظى برضا الجميع، و في إطار الهنات التي اتسم بها القانون الانتخابي الذي صاغته ما تسمى بالهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة بلا حسيب و لا رقيب.
إذ يصعب أن نتصور تنظيم انتخابات ديمقراطية تعكس إرادة الشعب في مناخ من الاحتجاجات و الإعتصامات و قطع الطرق و التخريب و الإعتداءات المختلفة. و قد يؤدي انخرام الأمن إلى منع بعض الأحزاب من عقد إجتماعاتها و الإلتفاء بأنصارها و التعريف ببرامجها و لا أستغرب، إذا ما تواصل هذا الوضع أن يمنع بعض الناخبين من الوصول إلى مراكز الإقتراع و الإدلاء بأصواتهم و أن يتزايد الترويع و التهديد.
أما الاحتقان الذي أذكاه تقلص هيبة الدولة وفقدانها لمصداقيتها بعد أن تبين أنها كانت من بين الأجهزة التي استخدمت في الفساد، بالإضافة إلى ما تتميز به الحكومة الحالية من غموض و تناقضات فهي تدعي أنها انتقالية و لكنها تتخذ أحيانا قرارات ذات صبغة مستقبلية أوليست من مشمولاتها كإلغاء عقوبة الإعدام أو تغيير القوانين الأساسية لبعض المؤسسات أو الهياكل و الهيئات دون أن ننسى ما يعمد إليه بعض المسؤولين من تسميات و ترقيات تحوم حولها الشبهات، فقد نتج عنه اللجوء لمرجعيات أخرى كالقبلية و العروشية و التعويل على البطش و الترهيب. و قد ساعده انعدام الضوابط القانونية و الأخلاقية، و غذته بعض السلوكيات غير المسؤولة مثل الإعتداء على شخصيات لأسباب عقائدية أو تمكين البعض من استغلال منابر تلفزية للتبجح بإلالحاد و معاداة الدين في تحد واضح لمشاعر ملايين المشاهدين، أو التخطيط لحملات إعلامية ضخمة بتمويل داخلي و خارجي لتشويه خصوم مذهبيين، بالإضافة إلى ما تنشره بعض المنتديات الإلكترونية بدون رادع من إساءات للأشخاص و الهيئات و المعتقدات و من هتك لأعراض الناس، ومحاولة بعض وسائل الإعلام التأثير على الرأي العام بالإدعاء بأن الشخص الفلاني هو "رجل المرحلة" مما يذكرنا بحملات الرئيس المخلوع.
و قد تفضي هذه السلوكيات إلى ردود فعل عنيفة و نتائج وخيمة لعل ما يحدث بين حركة النهضة و الحزب الديمقراطي التقدمي حول ما سمي بحادثة صفاقس مؤشرا لها.
أما القانون الانتخابي المنبثق عن الهيئة العليا فلا أظن أنه سوف يساعد على إنجاح موعد 23 جويلية سواء في ما يتعلق بفصله الخامس عشر الذي يهدف إلى إجتثاث التجمع و الذي يخشى أن يؤدي إلى فتنة مجهولة العواقب، اللهم الا إذا توصلت الهيئة إلى وضع مقاييس موضوعية و عادلة تفصل بين المتورط في الفساد و البريء منه، بعيدا عن تصفية الحسابات و الرغبة في الانتقام. أو ما يهم موضوع التناصف و في الحالتين تنازلت الحكومة عن موقفها أمام الهيئة مما أفقدها المزيد من المصداقية. و قد كان لتنازلها الأخير أمام التاريخ الذي حددته الهيئة "المستقلة" للإنتخابات بصفة آحادية بل و المزايدة عليه وقع كارثي بين أن الهيئة و اللجنة التي انبثقت عنها أصبحتا تتحكمان في مصير البلاد و العباد.
أما نظام توزيع المقاعد في المجلس فقد أشار العديد من المختصين إلى أنه يمنح الأفضلية لرؤساء القوائم و في أفضل الحالات لمن يليهم فهو مستنبط لمنع أي حزب من السيطرة على المجلس حيث لا يمكن منطقيا لأي حزب أن يحصل على أكثر من 20 بالمائة من المقاعد في أحسن الحالات، كما أنه يتيح الفرصة للأحزاب الصغيرة و القائمات المستقلة للتواجد بالمجلس. و لهذا النظام العديد من المساوئ مثل:
ـ تحكم الأحزاب الصغيرة في ترجيح كفة طرف أو آخر مما يمنحها أحيانا حق الفيتو و إمكانية المتاجرة بدعمها مثل ما يحدث في بعض الأنظمة البرلمانية.
ـ صعوبة الوصول إلى وفاق بسبب التشرذم و تعدد الأحزاب و التوجهات و قد يؤدي ذلك إلى عدم التوصل إلى صياغة الدستور في آجال معقولة و إلى نفاذ صبر المواطن.
ـ قد يتسبب انتخاب رؤساء القوائم بالأساس في عدم تمثيلية بعض الجهات (المعتمديات و العروش) و تمتع غيرها بتمثيلية متعددة و من المحتمل أن تكون بعض المعتمديات التي ساهمت بشكل كبير في الثورة مقصاة من المجلس مما قد يتسبب في توترات أخرى.
ـ كما أن بعض الأطراف قد تحصل على نسبة كبيرة من الأصوات دون أن تكون تمثيليتها مطابقة لشعبيتها مما قد يتسبب في تحريك الشارع في صورة إقرار قوانين تتعارض مع رؤيتها و قناعاتها.
فنحن إذن إزاء وضع شائك أشبه بالحلقة المفرغة.فالإنتخابات النزيهة والديمقراطية لا يمكن أن تتم إلا في مناخ سليم و آمن تتنفي منه التوترات و الأحقاد و هذا المناخ لا يمكن أن يتوفر إلا في ظل حكومة شرعية ، قوية، قادرة على فرض نفسها على الأشخاص و الهيئات.
و للخروج من هذه الدائرة لا بد من تركيز أمن دائم و تخفيف الإحتقان و منح الشعب وحده صلاحيات القرار و ينبغي، حسب رأينا:
أولا: أن لا تبقى المسألة الأمنية حكرا على وزارة الداخلية بل أن يتم تكوين هيئة عليا تسهر على متابعة الوضع الأمني و تحليله و اقتراح الحلول المناسبة لاستتباب الأمن و ضمان الطمأنينة للمواطن و السائح و المستثمر، حيث أن وجود هذه الهيئة قد يساعد على اتخاذ قرارات "صعبة" تتجنبها الحكومة الآن خشية اتهامها بالقمع و يقترح أن تضم أيضا ممثلين عن الأحزاب و إتحاد الشغل و ممثلين عن المنظمات الحقوقية .
ثانيا: التخفيف من الاحتقان بوضع ميثاق شرف بين الأحزاب و المنظمات للتعامل الحضاري بينها و عدم تعطيل اجتماعات منافسيها ، بالإضافة إلى منع الدعاية السياسية بالمساجد و استفزاز المشاعر الدينية ، و وضع تراتيب منظمة لمنابر الحوار على الانترنات ، و من الضروري أيضا بعث لجان حكماء في المدن التي تشهد صراعات قبلية.
ثالثا: لا مناص حسب رأينا من إعادة النظر في الهيئة العليا سواء من حيث التمثيلية المناسبة لحجم الأحزاب و شعبيتها أو من حيث صلاحياتها حتى لا تصبح أقوى سلطة في البلاد.ولا داعي لتواجد من يسمون بالشخصيات الوطنية.