نصوص

من مفارقات مشروع قانون الارهاب الجديد ان تهديده لغير الارهابيين اكبر وان انحيازه للبطش دون العدل اقوى واظهر.

محقون الاعلاميين لا ريب حين فزعوا من الماده ٣٣ التي قررت حبس كل من نشر اخبارا او بيانات عن العمليات الارهابية مخالفه للبيانات الرسميه. ذلك انها كانت ماده فاضحه اساءت الي الذين وضعوا المشروع او اقروه بقدر قمعها للعاملين في مجال الاعلام. وقد انعكس ذلك الفزع علي انتفاضه نقابه الصحفيين التي اصرت علي الغائها (خصوصا ان هناك عقوبات اخري علي اشاعه المعلومات الكاذبه)، كما عبر عنه سيل الكتابات التي استهجنت مضمون الماده، الامر الذي حول الموضوع الي قضيه شغلت الرأي العام وعباته ضد فكره احتكار السلطه للحقيقه.

0
15 يوليو 2015
مصدر الوثيقة:
الحوار نت
مشاركة

محقون الاعلاميين لا ريب حين فزعوا من الماده ٣٣ التي قررت حبس كل من نشر اخبارا او بيانات عن العمليات الارهابية مخالفه للبيانات الرسميه. ذلك انها كانت ماده فاضحه اساءت الي الذين وضعوا المشروع او اقروه بقدر قمعها للعاملين في مجال الاعلام. وقد انعكس ذلك الفزع علي انتفاضه نقابه الصحفيين التي اصرت علي الغائها (خصوصا ان هناك عقوبات اخري علي اشاعه المعلومات الكاذبه)، كما عبر عنه سيل الكتابات التي استهجنت مضمون الماده، الامر الذي حول الموضوع الي قضيه شغلت الرأي العام وعباته ضد فكره احتكار السلطه للحقيقه. واذا كان ذلك شيئا جيدا الا ان اسوا ما فيه انه صرف الانتباه عن مواد اخري كارثيه في المشروع. تذرعت بحجه الارهاب واهدرت قيم العداله والحريه التي هي الاصل والاهم.
يعزز هذا الراي انه حين تعرضت مصر في اوائل التسعينيات الي موجه من العمليات الارهابيه فان الاله التشريعيه عمدت الي تعديل الباب الثاني من الكتاب الثاني في قانون العقوبات بحيث خصص للجرائم الارهابيه بموجب القانون ٩٧ لسنه ١٩٩٢. وفي دراسه حول الموضع اعدها المستشار سمير حافظ، ذكر ان التعديل «عصف بكل القواعد الجنائيه»، حيث تضمن بعض المواد المنقوله من القانون الجنائي الايطالي الذي وضعه الديكتاتور الفاشي موسوليني في ثلاثينيات القرن الماضي للبطش بمعارضيه، واضاف اليها مواد اخري كان اهمها التوسع في تعريف الإرهاب علي نحو فضفاض شمل الاخلال بالنظام العام او تعريض سلامه المجتمع وامنه للخطر او الحاق الضرر بالبيئه او بالاتصالات او ا لمواصلات... الخ. وخلال السنوات اللاحقه اجريت تعديلات عده علي الكتاب الثاني من قانون العقوبات بحيث اوفت الموضوع حقه وزياده، الامر الذي بدا مستغربا معه ان يعد مشروع جديد لقانون الارهاب. ولم يكن لذلك من تفسير سوي ان المقصود به ردع الارهابيين وانما تهديد غير الارهابيين وتخويفهم. رجح ذلك الاحتمال ان تعريف العمل الارهابي في المشروع جاء اوسع من التعريف الاصلي الفضفاض الذي جاء في قانون ١٩٩٢. ذلك ان المشروع الجديد اضاف الي استخدام القوه او العنف في تعريف الارهاب مجرد «التهديد او الترويع» الذي يعد ارهابا اذا ادي الي الاضرار بالوحده الوطنيه او السلام الاجتماعي او الامن القومي، او الحاق الضرر بالبيئه او بالموارد الطبيعيه.. الي اخر العناوين التي شملت جميع انشطه المجال العام ويمكن ان يدرج تحتها اي فعل. بالتالي فان اي مظاهره سلميه من عشره اشخاص ايا كان تواضع اهدافها يمكن ان تعد من قبيل التهديد او الترويع لانها قد تصبح سببا في تعطيل المواصلات او تهديد الامن القومي. ومن ثم تصنف عملا ارهابيا والمشاركون فيها يصبحون ارهابيين، والباقي بعد ذلك معروف.
لقد تم تجاوز التعريف الكلاسيكي للارهاب الذي تمثل في انه كل فعل مادي توسل بالعنف والاكراه لفرض الراي علي الاخرين. واصبح مجرد التفكير في شيء من ذلك او التحضير له جريمه ارهابيه حتي اذا تم العدول عن الفكره ولم تقع الجريمه (الماده ٣ من المشروع). وهو ما يسري ايضا علي ما يمكن ان يعد تحريضا باي وسيله من الخطابه الي الكتابه الي مواقع التواصل الاجتماعي، حتي اذا كان منصبا علي البيئه او تعطيل المواصلات العامه والخاصه، الامر الذي يحول هذا النوع من التعبير عملا ارهابيا (الماده الرابعه). الي غير ذلك من النصوص التي ينتهك بعضها الدستور الذي اعتبر التظاهر السلمي حقا مشروعا مثلا، في حين انه عمل ارهابي في المشروع ناهيه عن ان قانون التظاهر يجرمه. وهناك مواد اخري محكوم ببطلانها من المحكمه الدستوريه، وهي تلك التي استخدمت في التجريم مصطلحات فضفاضه لتوسيع دائره الاتهام، او التي عاقبت علي النوايا والشروع الذي لم يترجم الي فعل مادي. وهو ما درجت عليه احكام المحكمه الدستوريه العليا في قضايا عده. اخص بالذكر منها الحكم الذي اصدرته في القضيه رقم ١١٤ لسنه ٢١ قضائيه، في شهر يونيو عام ٢٠٠١، وابطلت فيه الماده ٤٨ من قانون العقوبات استنادا الي انه «لا يجوز للمشرع الجنائي ان يعاقب علي مجرد الافكار والنوايا، باعتبار ان اوامر القانون ونواهيه لا تنتهك بالنيه وحدها. وانما بالافعال التي تصدر عن اراده اثمه. فضلا عن ان النص جاءت صياغته واسعه يمكن تحميلها باكثر من معني وتتعدد تاويلاتها. اذ ترك تحديد الاعمال المجهزه والمسهله للجريمه لاجتهادات مختلفه، مما يفقده خاصيه اليقين التي يجب توافرها في النصوص الجزائيه.
في حكم اخر ذكرت المحكمه الدستوريه ان القوانين الجزائيه يجب «ان تصاغ احكامها بما يقطع كل جدل في شان حقيقه محتواها، ليبلغ اليقين بها حدا يعصمها من الجدل، وبما يحول بين رجال السلطه العامه وتطبيقها بصوره انتقائيه وفق معايير شخصيه تنال من الابرياء» ــ دستوريه عليا في ٢/١/١٩٩٣ في اكتوبر ١٩٩٤. كما اشترطت المحكمه الدستوريه علي المشرع ضبط النصوص العقابيه بما يحدد مقاصده منها بصوره، ينحسم بها كل جدل حول حقيقتها، حتي لا تفقد هذه النصوص وضوحها ويقينها. وهما مطلبان فيها حتي يعرف المخاطبون بها حدود ما نهاهم المشروع عنه او امرهم به. (دستوريه عليا في ٣/٢/١٩٦٦ وفي ٥/٧/١٩٩٧).
مثل هذه الاحكام تعني بطلان كل ما ورد في المشروع من اشارات بخصوص العمل الارهابي او الكيانات الارهابيه، وكونه ينصرف الي الاخلال بالنظام العام او الامن العام او تعريض سلامه المجتمع للخطر او الاضرار بالوحده الوطنيه او بالبيئه وغير ذلك. الامر الذي يؤكد ان تلك العناوين اقحمت علي القانون ما ليس فيه.
ان من يقدم علي عمل ارهابي حقيقي في مجتمعاتنا كائن يتصور انه يقوم بعمليه استشهاديه. الامر الذي يعني انه ذاهب الي الموت بارادته، والمتمنطق بالحزام الناسف علي راس هؤلاء. لذلك فان تغليظ العقوبه والتوسع في احكام الاعدام لن يخيفه او يردعه. لذلك قلت ان مواد مشروع قانون الارهاب تهدد غير الارهابيين. وهو تحليل اذا صح فان المخاطب به هو النشطاء السياسيون الذين يعارضون السلطه او كل من لا ترضي عنه السلطه وان لم يعارضها. مثل منظمات المجتمع المدني التي تدافع عن الحريات والحقوق الشخصيه والمظاهرات التي ترفع شعارات المطالب الفئويه، وبهذا المفهوم يصطف قانون مكافحة الإرهاب الي قانون تنظيم التظاهر. اذ يصبح الاول وسيله لقمع غير الارهابيين في حين يستهدف الثاني منع التظاهر واراحه السلطه من الصداع الذي يسببه لها

جميع الحقوق محفوظة لمنصة الذاكرة 2026 ©