من ماضٍ مظلم إلى مستقبل منيـر
عادةً، عندما تنفجر انتفاضة شعبية في بلدٍ ما، ينفجر معها تصادماً عنيفاً بين القوى القديـمة بـموروثـها السياسي، الفكري، الاجتماعي والعسكري، وبين القوى الـجديدة المنتفضة، الـهادفة إلى إخراج الشعب من ماضٍ مظلم إلى مستقبل منيـر، من الإذلال إلى الـحرية، ومن التفكيـر العتيق إلى التفكيـر الـجديد. وما من انتفاضة حدثت في التاريـخ الإنساني، إلا وتقدمها فكر واضح لانتفاضة ثقافية واسعة، وإن دور النخب العلميّة ـ المتـخصصة كقوة اجتماعية، يصبح أكـثر فعالية ومضاء، حين تـمتلك سلامة الفكر الواعي لتـجديد المهام بوضو
- 25 فبراير 2011
- مصدر الوثيقة:
- الحوار نت
عادةً، عندما تنفجر انتفاضة شعبية في بلدٍ ما، ينفجر معها تصادماً عنيفاً بين القوى القديـمة بـموروثـها السياسي، الفكري، الاجتماعي والعسكري، وبين القوى الـجديدة المنتفضة، الـهادفة إلى إخراج الشعب من ماضٍ مظلم إلى مستقبل منيـر، من الإذلال إلى الـحرية، ومن التفكيـر العتيق إلى التفكيـر الـجديد.
وما من انتفاضة حدثت في التاريـخ الإنساني، إلا وتقدمها فكر واضح لانتفاضة ثقافية واسعة، وإن دور النخب العلميّة ـ المتـخصصة كقوة اجتماعية، يصبح أكـثر فعالية ومضاء، حين تـمتلك سلامة الفكر الواعي لتـجديد المهام بوضوح أكـثر ودقة أكبـر.
ثـمة سؤال هام، وهو: هل ثـمة مشروع فكري بين الـحكومة الـحالية في تونس وبين مفكّري الانتفاضة؟...
لا شك بأن الـجواب في ظل الواقع يأتي بالنفي، فبنية الـحكومة الـحالية، من حيث تكوينها السياسي والاقتصادي والفكري، هي بنية مأزومة، بـما تستجمع حولـها من أشباه المفكرين، ليقوموا بأداء مشوه للوظائف الفكرية، وبالتالي، لا يـمكن لـهؤلاء أن يعطوا حلولاً واقـعية للمسائل الوطنية الـجوهرية.
اليوم، توجد فرصة عظيمة أمام مفكّري الانتفاضة التونسية بـجـميع اتـجاهاتـهم السياسية والفلسفية، لشحذ الذاكرة، ولأعمال الفكر.
إنـها لـحظة تاريـخية للإنتاج الفكري الذي يقوم على أساس من الثقة والاقتدار، بأوسع صيغه وأعمق تلك الصيغ وأشـملها، ولا أرى في قوقعة مفكري الانتفاضة أي خيـر لتونس الغد، أنا من المؤمنين بأن الـخلاص الوطني، فكرياً، سياسياً، اقتصادياً واجـتماعياً، يكون تونسياً أو لا يكون.
وإن جهود مفكّري الانتفاضة يـجب أن تنصب على إعلاء شأن القيّم التونسية، وأن حكمنا على أعمالـهم يتم في ضوء انسجام ذلك التوجه مع المصلحة الوطنية، التي تعلو، معيارياً وعلمياً وأخلاقياً، على المصلحة الفئوية ذات الفكر الضيّق.
حتى كتابة هذه السطور، تشيـر الدرجة التي عليها الفعل الثقافي في تونس بعد الانتفاضة، إلى حالة من الـحضور المتواضع والباهت لـهذا الفعل، ويعود ذلك لأسباب متعددة، لعل أهمها سنوات الاستبداد التي عرفتها تونس ، والتي كان من نتائـجها المباشرة انـحسار الفعل الثقافي عن مـجاله، وانكفاء المثقفين التونسيين وتراجعهم إلى مواقع خلفية بعيدة، وهجرة بعضهم إلى الـخارج والتـحاقهم بـمؤسسات لـها وظيفة إعلامية غالباً.
لن أذكّر المنتفضين بأن ثقافتنا التونسية كانت المنارة، رغم أن المقولة يقين الـحقيقة، لن أقول ذلك، لأننا سنبدو بوضع ثقافتنا الراهن حفدة عاقين، وحـملة لإرث حضاري لم نـحافظ على سويته وقدسيته، ولم نكن أمناء عليه.
إنـما أود أن اقترح ما يلي:
1. دعوة كل المفكرين و المثقفين والكتّاب والصحافيين التونسيين إلى مؤتـمر توضع من خلاله خطة واضحة ومبرمـجة لدعم الانتفاضة، وبالتالي النظر بـمستقبل تونس على جـميع الصعد.
2. مدّ الـجسور بين المثقف التونسي والمنابر الثقافية والفكرية في العالم العربي، والعالم الغربي، وفتـح باب الصراع الفكري بين المبدعين، كلً في مـجال اخـتصاصه.
3. إقامة مـهرجانات وندوات دورية يرعاها ممثلو الانتفاضة في جـميع المدن والقرى التونسية يقدم من خلالـها الأدب والفكر الداعم للانتفاضة.
4. تأسيس أندية وجـمعيات ثقافية تتوزع في كل أرجاء تونس، وفي المهاجر، تضم تونسيين وأصدقاء لـهم لتحريك العمل الثقافي شعبياً وعالمياً.
5. العمل على تـحقيق " جائزة أبوالقاسم الشابي " للإبداع، وجعلـها جائزة سنوية . "كونه الأكـثر حضوراً في الانتفاضة".
6. إيلاء المواقع الإلكترونية الاهتمام الأكبـر، كونـها منابر ثقافية وإعلامية في متناول جـميع العباد.
7. تشجيع طبع الكتب والمؤلفات الفكرية والأدبية للمشاركين الفعليين بالانتفاضة.
8. تعميم فكرة " مكتبة الـحي" على كافة المناطق، خاصة تلك التي تعاني من صعوبات مالية.
هذا الاقتراح لا يكلف كثيـراً، ويـمكن انـجازه بسرعة لـجعل مستقبلنا الفكري والثقافي أكـثر تـحسناً وأقل إيلاماً.
تيسيـر العبيدي ـ باريس