نصوص

من الذاكرة الوطنية : تونس تهتز لوفاة عبد الناصر..

«إنه ليس بالامكان أن نشارك بعد اليوم في أعمال الجامعة العربية والمؤتمرات العربية، إلا إذا توفر الشرط الأساسي الذي هو الاحترام المتبادل، وإن الشعارات الرنانة مآلها تصفية قضية فلسطين ودعم كيان اسرائيل». ذلك ما أعلنه الزعيم الحبيب بورقيبة لدى افتتاحه أشغال المجلس الملّي للحزب الاشتراكي الدستوري يوم 21 ماي 1965. وفعلا قاطعت تونس القمة العربية الثالثة التي

0
28 يناير 2010
مصدر الوثيقة:
الحوار نت
مشاركة

 

«إنه ليس بالامكان أن نشارك بعد اليوم في أعمال الجامعة العربية والمؤتمرات العربية، إلا إذا توفر الشرط الأساسي الذي هو الاحترام المتبادل، وإن الشعارات الرنانة مآلها تصفية قضية فلسطين ودعم كيان اسرائيل».

 

 

 

 

    ذلك ما أعلنه الزعيم الحبيب بورقيبة لدى افتتاحه أشغال المجلس الملّي للحزب الاشتراكي الدستوري يوم 21 ماي 1965. وفعلا قاطعت تونس القمة العربية الثالثة التي انعقدت بالدار البيضاء يوم 13 سبتمبر 1965، وشرح الرئيس بورقيبة أسباب المقاطعة في رسالة بعث بها الى مؤتمر القمة «لا تستتبّ الأخوة بين العرب إلا إذا تخلت القاهرة عن اعتبار البلاد العربية تابعة لها وحكوماتها وقتية، وحل احترام السيادة والإرادة الشعبية محل السيطرة والتوسع».

 

قطع العلاقات

    وفي خطوة لاحقة قرر مجلس الجمهورية يوم 3 أكتوبر 1966 قطع العلاقات الديبلوماسية مع مصر، لكن أمام التطورات التي شهدتها منطقة الشرق الأوسط لاحقا، والتي انتهت الى حرب جوان 1967، لم تتخلف تونس عن تأكيد تضامنها مع مصر، وأعلن الرئيس بورقيبة يوم 30 ماي 1967 أنه «على جميع الدول العربية أن تساند كفاح الشعب الفلسطيني مساندة جدية وفعالة، وإن موقف تونس واضح وأن الخلافات تصبح ثانوية أمام خطورة الوضع».

    وما كاد نبأ العدوان الاسرائيلي على مصر وسوريا والأردن ينتشر يوم 5 جوان 1967 حتى انتظمت في تونس مظاهرات تضامن تخللتها حوادث وتجاوزات، وتوجه الرئيس بورقيبة ببيان الى الشعب عبر الاذاعة والتلفزة جاء فيه «نحن مع أشقائنا العرب في كفاحهم ضد اسرائيل التي تمثل الاستعمار، لكن تونس مسؤولة عن أمن الأجانب، فلا ينبغي أن يمسوا بسوء لأن في ذلك مسا بهيبة دولتنا».

    وفي برقية الى الرئيس جمال عبد الناصر، أكد الرئيس بورقيبة «إن تونس تسخّر امكانياتها المادية والمعنوية لتساند جهودكم وتؤازر كفاحكم»، واتصل الرئيس جمال عبد الناصر يوم 6 جوان 1967 بالزعيم الحبيب بورقيبة شاكرا له موقفه.

    وفي الأثناء قررت الحكومة التونسية فتح باب التطوع، وفي يوم 7 جوان ولدى استعراضه أولى وحدات الجيش الوطني التي تقرر ارسالها الى الشرق الأوسط، خاطب الرئيس بورقيبة الجنود قائلا: «العرب اليوم قلب واحد، واحساس واحد، وعليكم أن تبذلوا من أجل خلاص فلسطين نفس التضحيات التي بذلتموها ببسالة في معارك التحرير والسيادة بتونس».

    وأعرب الرئيس بورقيبة يوم 11 جوان عن ارتياحه لتراجع الرئيس عبد الناصر في قرار استقالته، وفي اليوم الموالي أعلن عن استئناف العلاقات الديبلوماسية وقبول تونس المشاركة في ندوة وزراء خارجية الدول العربية بالكويت.

الفاجعة الكبرى

    كانت نكسة جوان 67 فاجعة كبرى اهتز لها كيان الأمة العربية التي جُرحت أيما جرح في كبريائها، كانت صدمة قوية، ولم يلبث قلب الرئيس جمال عبد الناصر أن توقف عن الخفقان الى الأبد يوم 29 سبتمبر 1970. وأعلنت تونس الحداد الوطني لمدة ثلاثة أيام والحداد العام أربعين يوما، كما تقرر تعطيل العمل بالادارات والمؤسسات العمومية والمدرسية والجامعية يوم تشييع الجنازة.

    وتوجه الرئيس الحبيب بورقيبة بكلمة الى الشعب التونسي عبر الاذاعة والتلفزة فيما يلي نصها:

    «أيها المواطنون، علمت بمزيد الأسى والحسرة نبأ وفاة أخي في الكفاح الرئيس جمال عبد الناصر، لقد كانت فاجعتنا عظيمة بهذا المصاب الجلل الذي هز أركان العالم العربي بأسره في ظرف نحن أشد ما نكون فيه الى خصال هذا الرجل العظيم الذي اقترن اسمه بمعاني الجهاد والكفاح، وأراد الخير لشعوبنا جميعا. ولقد باغته الأجل المحتوم وهو يكلل جهودنا المشتركة في انقاذ العالم العربي من المحنة الكبرى التي كادت أن تؤدي به الى الهاوية والتي صمد لها الفقيد العظيم الى آخر نفس من حياته.

    ولكم كنت أود أن أشيعه بنفسي الى مثواه الأخير، وأؤدي نحوه واجبات الرفيق نحو رفيقه، والصديق نحو صديقه، وقد قررت بالفعل السفر الى القاهرة لأقف الى جانب الشعب المصري في مصابه الأكبر، ولكن الأطباء منعوني من ذلك منعا باتا لأسباب تعرفونها منذ أكثر من سنة، فأنبت عني للقيام بهذا الواجب وفدا يتألف من أقرب أعضادي ليمثلوني ويمثلوا الشعب التونسي في موكب توديع الراحل العظيم.

    إن العزاء الأوحد الذي نلمسه لأنفسنا في هذه اللحظة الرهيبة هو إيماننا بأن المثل العليا التي عاش من أجلها المغفور له وأفنى طاقاته في خدمتها ستظل حية في ضمائرنا وفي ضمائر المؤمنين بمصير أفضل للأمة العربية.  رحم الله جمال عبد الناصر وإنا لله وإنا اليه راجعون».

    وأصدرت الحكومة التونسية البيان التالي:

«تلقت الحكومة التونسية ببالغ التأثر والأسى نعي المجاهد الأكبر  الرئيس جمال عبد الناصر، وقد حل هذا المصاب الجلل بالأمة العربية في ظرف هي أحوج ما تكون فيه الى تبصّر القيادة وسداد الرأي وعمق التجربة، وبعد أزمة لم تشهد البلاد العربية مثيلا لها حتى في أحلك أيام حرب عام 1937.

    وكان الفقيد الكبير يجسم فعلا عزيمة الكفاح من أجل النهوض بالأمة العربية من كبوتها، فقاد مصر في ثورتها عام 1952 ضد الطغيان الملكي، وأقام بها النظام الجمهوري، وأعاد لها مكانتها العريقة في التاريخ، وأحلها منزلة كبرى في البلاد العربية، حتى صارت المرجع الأصلي في كل ما يتعلق بمصير المشرق العربي. ووفاة الفقيد تمثل حدثا في تاريخ العرب المعاصر ليس من الهين تحديد أبعاده أو تقدير عواقبه الآن، فالفقيد بدوره الشخصي كان العنصر الأساسي الذي تتأثر بمبادراته كل القضايا التي تتعلق بالمشرق العربي، بقدر ما يرتبط بموقفه مصير تيارات عديدة ظهرت في العالم الثالث وخاصة في افريقيا وآسيا. وأمام هذا الحدث الأليم، لا يسع الدولة التونسية التي تعلن عن أسى تونس بأجمعها إلا أن تسأل الله أن يرزق البلاد العربية أحسن العزاء وأن يسدّد خطى شعب الجمهورية العربية المتحدة وقادته لما فيه خير بلاد الكنانة، ونجاح الكفاح الدائب الذي عاش من أجله جمال عبد الناصر، وبذل في سبيله كل جهده الى آخر لحظة من حياته».

 

جميع الحقوق محفوظة لمنصة الذاكرة 2026 ©