من الذاكرة الوطنية التونسية
الطاهر بن عاشور يحذر من الاجهاز على الزيتونة في حفل مشهود يوم 3 جويلية 1957 اختتمت السنة الدراسية بالجامعة الزيتونية بحضور الرئيس الحبيب بورقيبة، وزاد الحفل مهابة الدكتور طه حسين. كانت الجامعة الزيتونية تصارع من اجل البقاء، وهو ما اصدع به الشيخ الطاهر بن عاشور، عميد الزيتونة في كلمة نبّه فيها الى مكانة هذه الجامعة العريقة التي هي «مستودع الروح القومية ومقر
- 19 مايو 2010
- مصدر الوثيقة:
- الحوار نت
الطاهر بن عاشور يحذر من الاجهاز على الزيتونة
في حفل مشهود يوم 3 جويلية 1957 اختتمت السنة الدراسية بالجامعة الزيتونية بحضور الرئيس الحبيب بورقيبة، وزاد الحفل مهابة الدكتور طه حسين. كانت الجامعة الزيتونية تصارع من اجل البقاء، وهو ما اصدع به الشيخ الطاهر بن عاشور، عميد الزيتونة في كلمة نبّه فيها الى مكانة هذه الجامعة العريقة التي هي «مستودع الروح القومية ومقرّ الحياة العقلية لكيان وطنيتنا العربية الاسلامية».
وهذه مقتطفات مطوّلة من كلمة سماحة الشيخ العلاّمة الطاهر بن عاشور...
اما بعد، فهذا مضى حول كامل قد حال على اليوم الذي كنّا فيه بهذا المقام نتوجه الى اللّه باستمداد العون، والتأييد لتحقيق آمال الخير والصلاح المعلقة على استهلال الاستقلال التام للبلاد التونسية واقامة دولتها على اصول الحرية الكاملة والصبغة القومية الخالصة في اسلامها وعروبتها ومستنزلين النصر والتوفيق لقائد الامة ورئيس حكومتها.
وها نحن في يومنا هذا نشاهد ذلك القائد مظفّرا قد حلّ بيننا تتمثل في ذاته جميع مقومات الاستقلال التي جاهد في سبيلها متفانيا مستبسلا فالأمة التونسية تنعم اليوم بما لم يكن يخطر في الآمال في حياتها السياسية والقضائية والعلمية والاجتماعية وشوكتها الدفاعية لولا ثقتها في سداد حركتها القومية وصدق قادتها المخلصين وفي صدرهم هذا المجاهد الاكبر الرئيس الجليل الحبيب بورقيبة، فكما استمدّت الامة من ذاته في الامس القريب معاني الثبات والعزم والتضحية والحكمة، تستمدّ اليوم عزّ النصر ونخوة السيادة والاطمئنان الى مستقبل السعادة كاستمداد الانوار من شمس النهار.
صوت الجامعة الزيتونية
ان صوت الجامعة الزيتونية تحقيق بأن يرتفع صادعا بهذه المفاخر، فما هذه الجامعة الا مستودع الروح القومية ومقرّ الحياة العقلية لكيان وطنيتنا العربية الاسلامية، فهي التي أسست من اول يوم لتغذّي حياة المجتمع الاسلامي بهذه الديار من المعنويات المقوية والمثل الروحانية العليا التي يربط بها على القلوب عند الشدائد وتثبت بها الاقدام حين الزلازل، وبقيت كذلك مرابطة مصابرة تقاوم العواصف وتنازل العوادي يجد فيها كل حزب من الاحزاب القومية سلواه، وكل كلم من كلومها اساه.
الزيتونة: الملجأ والمأوى
وكانت في الزمن العصيب الذي منيت فيه البلاد التونسية بكارثة الاستعمار انجى ملجاء للثقافة القومية ومأوى لروح التصميم على التعلق بمقومات الكيان الوطني، تجمعت حولها آمال الامة وعزائمها، فأبقت على الرمق حين دافعت في وجه عوامل الانسلاخ عن النفس والاندماج في الغير، وأيقظت الهمم الى ان ما يراد بالامة في السياسة التعليمية الاستعمارية، هو غير ما ينبغي ان يسير بها تطور التعليم القومي العصري في حدود الارتباط بالجامعة العربية الاسلامية والحفاظ على استمداد حاضر الامة من ماضيها وارتكاز وجودها المادي على اساس شخصيتها الادبية (...).
التحصيل والعالمية
ان السنة الدراسية التي نحتفل بختمها هي اول سنة قضتها الجامعة الزيتونية في وضعها الجديد الذي اتى به الامر العلي الصادر في رمضان 1375 وهو الوضع الجامعي الثابت لصبغة المكتمل النصاب المعترف به رسميا في قوانين المملكة اعترافا شاملا لصبغة المعهد ودرجة تعليمه العالي ومنزلة شهاداته العليا في اصول الدين والقضاء واللغة العربية والقراءات والآداب. وقد ظهر اقبال عظيم من حملة شهادة التحصيل التي هي نهاية التعليم الثانوي الزيتوني على الانخراط في سلك طلبة الجامعة فبلغ عدد الطلبة الذين انخرطوا في كلية الشريعة ثلاثة وثمانين والذين انخرطوا في كلية العربية والاداب ثلاثمائة واثنين واربعين وذلك جرّ الينا مضايقة في تسديد ما يقتضيه من الدروس ساعات واساتذة وقاعات، على ان انفتاح منافذ جديدة في عديد الوظائف بالسلك القضائي والسلك الاداري والسلك التعليمي وانفتاح منافذ اخرى في المعاهد المحدثة للتعليم العالي مثل دار المعلمين العليا والمدرسة العليا للحقوق قد حملت كثيرا من حملة التحصيل على ان يتنافسوها فيهجروا دروس الجامعة فتناقص عدد طلبة الجامعة في اثناء السنة الدراسية وان لهم فيما ارتكبوا لعذرا من جهة انهم قد وجدوا في الوظائف من المرتبات وفي المعاهد العليا من المنح والقروض الشرفية ما يسدّ الحاجة المادية التي هم عليها نزارة العدد اليسير الذين يتمتعون بالمنح الجامعية على زهادة مقدار ما يتقاضاه كل واحد منهم، فان ضيق الاعتماد المخصص في ميزانية السنة الدراسية المنتهية لم يسمح الا بمنح عشرين طالبا بمقدار خمسة آلاف فرنك لكل واحد في الشهر. نأمل ان يتوفّر لطلبة الجامعة في السنة الدراسية المقبلة ما يشجعهم على الانقطاع الى الدراسة الجامعية ويضمن راحتهم فيها».