من الذاكرة الوطنية
خلخلة العادات الموروثة وطقوس ليلة الزفاف لى اواسط الستينات ظل المجتمع التونسي محكوما بثنائية الانفتاح على العصر والتمسك بالعادات والتقاليد. وكان الزعيم الحبيب بورقيبة يخصص الحيز الاكبر من بياناته لمواصلة انضاج العقليات وفضح السلوكيات الفردية والجماعية الموروثة من غابر الازمان وكان يتعمد الاحراج والتطرق الى ادق التفاصيل الحميمية ليكون لبياناته مفعول الرجة
- 13 يونيو 2010
- مصدر الوثيقة:
- الحوار نت
خلخلة العادات الموروثة وطقوس ليلة الزفاف
لى اواسط الستينات ظل المجتمع التونسي محكوما بثنائية الانفتاح على العصر والتمسك بالعادات والتقاليد. وكان الزعيم الحبيب بورقيبة يخصص الحيز الاكبر من بياناته لمواصلة انضاج العقليات وفضح السلوكيات الفردية والجماعية الموروثة من غابر الازمان وكان يتعمد الاحراج والتطرق الى ادق التفاصيل الحميمية ليكون لبياناته مفعول الرجة من وقت الى اخر مثلما حدث ذات مساء، في خطاب تلفزي تحدث فيه عن البكارة وتفاهة الطقوس الاجتماعية المحفة بها واصفا اياها بأنها من «بقايا الوحشية» بينما كان يدرك ما لهذه المسألة من قدسية في المجتمع التونسي. وهذه مقتطفات من خطاب 13 أوت 1965.
امتحان مهين
«هناك مسألة هامة يجب ان اتحدث عنها لانها موجودة، وهي مسألة يؤسف لها، تتسبب للفتاة في انكسار نفساني وألم كبيرين. وكانت هذه المسألة او المأساة على الاصح، موجودة في كل القرى والمدن وقد اخذت تزول شيئا فشيئا، لكن في بطء. فعندما يحل يوم العرس تشتد الهموم بعائلة الفتاة ويصير والدها، ليلة زفافها، منشغل البال، في حالة يرثى لها. اما الام فتغيّم عليها حالة جزع في انتظار النتيجة، نتيجة الامتحان الذي تكرم فيه الفتاة او تهان وما افظعه من امتحان واجلبه للهوان. وقد شاهدت في عرس احد اصدقائي بالمكنين منذ 35 سنة جميع الناس في احتفال وارتياح الا واحدا كان واجما وعلى وجهه مسحة من الكآبة فسألت عنه فقيل لي انه والد العروس.
وسألت لماذا يخيم عليه الحزن والوجوم، فقيل لي انه ينتظر نتيجــــة دخول العريس على العروس، فاذا اعلن العريس انه افتض بكارة زوجته انتهى الامر وحق لعائلة الفتاة المشاركة في الفرح. وهذا أمر فظيع جدا، فالفتاة المسكينة التي لم تشاهد رجلا مطلقا، تجبر على ان تكون ضحية، يرتمي عليها الزوج ـ مثل البقر ـ لان والديها يترقبان نتيجة ذلك الدخول. والمصيبة انه عندما تكون النتيجة سلبية ـ ولا يجري دم ـ يتحول العرس الى فضيحة ومأتم ونواح، ويلطخ شرف العائلة والفتاة. واريد ان اقول للشعب قاطبة اني تباحثت في هذا الموضوع مع الاطباء والجراحين فأكدوا لي انه لا اساس لهذه المزاعم وان مسألة الدم ليست قاعدة عامة. فهناك عوامل اخرى جسمانية وعضوية تناسلية لها تأثيرها على هذه المسألة، مثال ذلك ان كثيرا من الفتيات الطاهرات البريئات لا يسمح تكوين اعضائهن التناسلية بنزول الدم، فتتهم المسكينات ليلة زواجهن بأنهن غير أبكار.
ويحدث هذا الاتهام بليلة تؤدي دائما الى ما لا تحمد عقباه. والاطباء يؤكدون ان هذا الاتهام لا يقوم على اساس. واذا لم تكن هناك شهادات تؤكد ان الزوجة عاشرت رجلا اخر فلا يعقل ابدا ان يحكم عليها ـ اعتمادا على امور لا يقرها الطبيب ولا يعترف بها حكم فيه اهانة لشرف الفتاة وعائلتها وفضيحة كبرى يهدر بسببها حقها بصورة كاملة فظيعة.
مثال من الكاف
وحدثني الدكتور الضاوي حنابلية انه اوشك ان ينشب نزاع مسلح بين قبيلتين من الكاف بسبب قضية من هذا النوع. فقد كان حفل الزفاف شيقا، واثر اختلاء الزوجين بقي الجميع في انتظار قميص العروس الى ان جيء به خاليا من اثار الدم، فثارت ثائرة الطرفين وآل الامر الى معركة حامية بينهما. واخيرا اهتدى احدهم الى استدعاء طبيب فحص العروس واعلن انها بكر فأخذ بعضهم يقبل بعضا وعلت زغاريد النسوة.
مثال من القيروان
وقد جاءتني اخيرا فتاة من القيروان لتسلمني رسالة تتضمن قضية من هذا النوع. فقد تزوجت عونا من الحرس الوطني، وكان مزواجا لا يريد الوقوف عند حد. وبعدما قضى معها ليلة الزفاف بدا له ان يدعي انها غير بكر، فذهبت الى الفحص الطبي الذي شهد لها انها لم تعاشر رجلا قبله واتى هو من جهته بطبيب ليكذب اقوال المرأة، واصبحت تطوف على الاطباء. فهذه العادة من بقايا الوحشية ولا توجد بالبلدان الراقية. لذلك امرت باحالة هذا الزوج على المحاكم ليسجن اذا لم يثبت التهمة التي وجهها الى فتاة صغيرة بريئة وهو غير قادر على الاثبات لان الشهادات الطبية في مثل هذه الامور لا معنى لها، خاصة انها تفرض على الفتاة حالة مزرية بالتعرض للفحص المرات العديدة. فاما ان تثبت التهمة او يسجن باعتباره تناول بالثلب شرف امرأة. وهذا يستوجب منه جبر الضرر، ولابد ان يكون المبلغ مرتفعا كي يرتدع امثاله ويقلعوا عن هذه العادة الفاسدة وتطمئن الفتيات على اعراضهن، على انهن اخذن في الاحتياط لهذا الامر فأصبحن يسعين للحصول على الشهادة الطبية قبيل الزواج كي لا يتركن لامثال هذا الزوج سبيلا للنيل من شرفهن».