من أنفاق الموت تولد الحياة
لم يستطع الفتى محمود الفقعاوي (16 عاما) من مدينة خان يونس أن يخفي قصته التي بات معظم "شباب الحارة" يعرفونها، بسبب غيابه الدائم عن السهر معهم، وعدم قدرته على الذهاب إلى مدرسته مبكراً كعادته. الفقعاوي الذي يدرس في مدرسة كمال ناصر الثانوية يحاول إخفاء حقيقة عمله في الأنفاق عن أصدقائه، نظراً لمواقفه السابقة الرافضة لهذا العمل، بعد أن أجبرته مرارة العيش وقلة موارد
- 8 فبراير 2010
- مصدر الوثيقة:
- الحوار نت
لم يستطع الفتى محمود الفقعاوي (16 عاما) من مدينة خان يونس أن يخفي قصته التي بات معظم "شباب الحارة" يعرفونها، بسبب غيابه الدائم عن السهر معهم، وعدم قدرته على الذهاب إلى مدرسته مبكرًا كعادته.
الفقعاوي الذي يدرس في مدرسة كمال ناصر الثانوية يحاول إخفاء حقيقة عمله في الأنفاق عن أصدقائه، نظرًا لمواقفه السابقة الرافضة لهذا العمل، بعد أن أجبرته مرارة العيش وقلة موارد أسرته على تجاوز كل ذلك، والعمل في الأنفاق.
الفقعاوي من أسرة مكونة من 10 أفراد، هو أكبرهم سنًّا، أما والده فلم يجد عملا منذ بداية الانتفاضة، وكانوا خلال هذه الفترة يلتقطون رزقهم من هنا وهناك، كما يقول.
يقر محمود بأنّ العمل في الأنفاق من أخطر الأعمال، خاصة على فتى مثله، لكن قسوة الحياة أجبرته على هذا الاختيار، الذي لم يتصور يومًا أن يلجأ إليه، مؤكدًا أنّ أحدًا لم يجبره على شيء لا يريده.
ويضيف أنه أصبح الآن معيل الأسرة، وهذا مدعاة فخر له، بالرغم من أنّه قد يموت في أي لحظة، وهذا ما يقلقه على أسرته.
يلملم الفقعاوي كتبه المتناثرة كل صباح، ويتوجه إلى مدرسته التي يصلها متأخرًا، وعند الانتهاء من يومه الدراسي يظهر على غير عادته بلباسه المرقع في طريقه إلى رحلة الموت، كما يقول.
يمسك بقطعة خشبية صغيرة وينظف بها أظافره التي صبغت بسواد آلات سحب البضائع ويقول: "أحلم بذلك اليوم الذي أرى فيه نفسي طالبًا جامعيًا".
استطاع الفقعاوي أن يحصل على امتياز في تحصيله الدراسي العام السابق، لكنه الآن يخشى أن يؤثر عمله على دراسته، بالرغم من أنه حاول أثناء عمله مراجعة دروسه في بعض الكتب والكراريس التي اصطحبها معه، بالانزواء بعيدا عن العمال، لكن من دون جدوى، لافتا إلى أنه تمكن من ذلك في المرة الأولى، لكن سرعان ما اكتشف العمال أمره وهدده صاحب العمل بطرده، فكف عن أخذ ما يتعلق بحياته الدراسية إلى الأنفاق.
وحين يمر الفقعاوي بأصدقائه أحيانًا بعد انتهاء العمل ويخبرهم بما يحدث معه داخل النفق تنهار قلوبهم خوفًا عليه، لكنه يعود ويطمئنهم على نفسه.
وعن تجربة تعرضه للموت يقول والدمع يترقرق في عينيه إنه تعرض للموت مرتين، إذ لم يمنع حذره الشديد سقوط التراب بكميات هائلة سريعة ومتدافعة على جسده، لولا أنّ العمال القريبين منه استطاعوا إنقاذه لينجوا يومها بأعجوبة.
أما المرة الثانية، فلم يقبل الفقعاوي الحديث عنها، وبعد إلحاح ومناورة معه تلفت يمنة ويسرة ثم انفجر باكيًا، لكن بكاءه كان هذه المرة غير عادي، كان بكاءً صامتًا، محاولا حجبه عن أنظار الأصدقاء، وإبقاء تنهداته وآهاته داخل صدره.
بعد فترة من البكاء على حافة الطريق تحدث محمود عن ذلك اليوم قائلًا: "عملت لمدة 3 ساعات، وبعدها فوجئت بصوت قريب مني، فتحركت باتجاه مصدر الصوت، كان سريعا كالبرق".
رأى الفقعاوي العامل الذي أنقذه في المرة الأولى على حافة الموت جراء انهيار النفق عليه، فأمسك به محاولا إنقاذه، وإذا بانهيار آخر يلي فلم يستطع فعل شيء، وهرول في الاتجاه المعاكس لإبلاغ صاحب النفق.
تحدث محمود وكأنه السبب في موت زميله لأنه لم يقدر على رد المعروف الذي أرجع له بسببه الحياة، ونجا من تدوين اسمه كرقم جديد في عداد ضحايا الأنفاق.
وحول تأثير هذه الحادثة على مستقبل عمله، أطلق الفتى ابتسامة ساخرة لقتل أجواء الحزن الذي رافقه منذ نعومة أظافره قائلًا: لست عاملًا في الأنفاق، هذه مجرد "شغلة اضطرارية"، مضيفا أنّ حلمه أكبر بكثير من بضع أموال يتصدق بها أصحاب الأنفاق عليه وعلى غيره، مضيفًا: "صحيح أنّ أجورنا مرتفعة لمن ينظر لها من بعيد، لكنها مقابل حياتنا".
ومهما ابتعد الفقعاوي عن الحياة، فإنّ مواقفه السياسية تجاه الواقع حاضرة، فهو يأمل بأن يتحد الفلسطينيون كي ينفك هذا الحصار وتعود غزة كما عرفها في صغره.