من أساليب التربية النبوية التنافس على تبوؤ المكانة العالية
Normal 0 21 false false false MicrosoftInternetExplorer4 /* Style Definitions */ table.MsoNormalTable {mso-style-name:"Normale Tabelle"; mso-tstyle-rowband-size:0; mso-tstyle-colband-size:0; mso-style-noshow:yes; mso-style-parent:""; mso-padding-alt:0cm 5.4pt 0cm 5.4pt; mso-para-margin:0cm; mso-para-margin-bottom:.0001pt; mso-pagination:widow-orphan; font-size:10.0pt; font-family:"Times New Roman"; mso-ansi-language:#0400; mso-fareast-language:#0400; mso-bidi-language:#0400;} من أساليب التربية ا
- 25 مارس 2010
- مصدر الوثيقة:
- الحوار نت
من أساليب التربية النبوية
التطبيق الفعلي للأمر( 9 )
حين يأمر الأب أولاده ، والمدرس تلاميذه بحسن الخلق ، من صدق ، واستقامة ، وتسامح ، ويكونان مثالاً لما يأمران به ، يجدان تجاوباً من الأولاد سريعاً . فالأمر النظري حين يساوقه عمل يناسبه ، يدل على صدق الآمر فيما أمر به واقتناعه بما يقول ، فهو عندما يطبق على نفسه ، يكون قدوةً يتأسّى خطاه الآخرون فيتبعونه ، والعكس صحيح كذلك . . هذا أولاً .
أما ثانياً : فتأمل معي قول الشاعر :
وتتابع القطرات ينزل بعده غيث يليه تدفق الطوفان
فالقدوة يأمر ، ثم يبدأ بنفسه ويتبعه أكثرهم حباً وأشدهم التزاماً ، ثم الأمثل فالأمثل .
وهذا ما رأينا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يفعله في صلح الحديبية ، كان قد أمر المسلمين أن يحلقوا أو يقصروا فتمهلوا . . فأشارت عليه أم سلمة أن يحلق خارج خيمته ، فإن رآه المسلمون فعلوا مثله . . وهكذا كان . . حلق رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ونحر ، فتواثب المسلمون ينحرون ويحلقون(1) .
فقد كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يفعل الشيء ، فيكون عمله تربية وعظة عملية . وقد جاء في ( الإصابة ) أنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان يداعب الحسن والحسين ـ رضي الله عنهما ـ فيمشي على يديه وركبتيه ويتعلقان به من الجانبين ، وكان يقول : (( نعم الجمل جملكما ، ونعم العدلان أنتما ))(2) .
وقد سن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ للمسلمين أن يداعبوا أولادهم ، فيدخلوا إلى قلوبهم ، ويأنسوا بهم ، وليس صحيحاً ما يدعيه بعضهم أن هذا اللعب قد يُذهب من هيبة الآباء أمام الأبناء .
وكان ـ صلى الله عليه وسلم ـ يكرم الكبار والصغار على حد سواء ، ولم يكن يتعالى على خدمه ، إنما عاملهم معاملة الأبناء ، وحفظ لهم كرامتهم ، فذكروه بكل محبة وإجلال . هذا خادمه أنس ـ رضي الله عنه ـ يحدثنا عن سيد البشرية قائلاً :
(( فخدمته في السفر والحضر ، مقدمَه المدينة ، حتى توفي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، ما قال لي عن شيء صنعته : لِمَ صنعت هذا وهكذا(3) . وكان يأمر الناس باللطف وهو ألطفهم ، فلا يرى منه مَنْ حوله سوى الأبوّة والسماحة . . فكان قدوة لمن بعده بمسلكه التطبيقي الرائع .
وانظر معي إلى جميل فطنته مع أصحابه إذ يعلمهم من الحياة اليومية ، يمارسها أحدهم فيقرها ـ صلى الله عليه وسلم ـ وينبه أصحابه إلى فضلها ، ويحثهم ـ بطريقة غير مباشرة ـ عليها.
فعن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال :
(( قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : من أصبح اليوم منكم صائماً ؟
قال أبو بكر : أنا .
قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : من عاد منكم اليوم مريضاً ؟
قال أبو بكر : أنا .
قال : من شهد منكم اليوم جنازة ؟
قال أبو بكر : أنا .
قال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ : ما اجتمعت هذه الخصال في رجل في يوم إلا دخل الجنة ))(4) .
درسٌ عملي فيه من الفضائل :
ـ صوم نافلة . ـ وعيادة مريض .
ـ وشهادة جنازة . ـ وإطعام مسكين .
في يوم واحد يفعل المسلم هذا كله !!. فلذلك فليعمل العاملون . . إنه والله الطريق إلى الجنة والفوز بمرضاة الله سبحانه وتعالى .
وكان أنس ـ رضي الله عنه ـ مر على صبيان ، فسلم عليهم وقال : كان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يفعله(5) .
فما فعل أنس ذلك إلا حين انطبع في قلبه ، وارتسم في عقله ، وثبت في وجدانه واختلط بعاداته ، ما رآه من رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، فالتطبيق العملي أدعى إلى التنبيه والإقبال على العمل .
ولم يكن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يكتفي بالكلام موعظة فقط ، ولا بالعمل موعظة فقط ، إنما كان يشرك حواس الناس في الانتباه والفهم ، فقد روى علي بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ قال :
(( أخذ رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ حريراً بشماله ، وذهباً بيمينه ، ثم رفع بهما يديه فقال : إن هذا حرام على ذكور أمتي ، حل لإناثهم ))(6) .
إنها عظة اشترك فيها الصوت والحركة ، فكانت العظة حين تنبض بها العروق ، ملونة تشترك فيها الحواس .
وعن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ قال :
(( قال لي رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ غداة العقبة ( يوم النحر ، بعد النزول من مزدلفة ) : هات ، القط لي . ( أي اجمع لي حصيات لرمي الجمار في العقبة ) ، فلقطْتُ حُصيـّات من حصى الحذف ( حصيات صغار ) ، فلما وضعتهن في يده قال :
بأمثال هؤلاء ، ( أي ارموا بحصيات صغيرة كهذه الحصيات ) وإياكم والغلو في الدين ( خوفاً من أن يرمي الناس بحجارة كبيرة ظانين أنهم يحسنون صنعاً ، وليس بشيء ) ، فإنما هلك من كان قبلكم بالغلوّ في الدين ))(7) .
1ـ أمر عبد الله بن عباس فجمع له حصيات ، وأمره أن تكون صغيرة ففعل ، فكان هذا درساً يعلمه عبدَ الله خاصة ، والناس عامة .
2ـ يمسكها ـ صلى الله عليه وسلم ـ بيده الشريفة ، ويشير بها إلى الناس ( باستخدام اسم الإشارة : هؤلاء ) ليرَوْها .
3ـ يردف الفعل بالكلام لتشترك حاستا السمع والبصر في تمثل الفكرة التي أمر رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بها .
وإنها ـ والله ـ الطريقة القديمة الجديدة في تربية النشء الإسلامي ، والوسيلة الناجعة في تعليم الكبار والصغار على حد سواء .
(1) السيرة النبوية لابن هشام ، مطبعة الرياض الحديثة ج /3/ ، ص /204/ .
(2) عن تربية الأولاد في الإسلام ، ج /2/ ، ص/684/ .
(3) رواه الشيخان ، وكرره البخاري في الأدب المفرد ، الحديث /164/ .
(4) الأدب المفرد الحديث /602/ .
(5) رياض الصالحين الحديث /602/ ، متفق عليه .
(6) رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه في سننهم .
(7) أخرجه النسائي في باب التقاط الحصى ، وإسناده صحيح .
من أساليب التربية النبوية
التنافس على تبوؤ المكانة العالية (10)
الدكتور عثمان قدري مكانسي
لا بد للكلمة الطيبة أن تؤثر في النفس السوية وتتفاعل معها ، فإذا تخير صاحبها مكانها وزمانها فوعظ بها السامعين كان الأثر أكبر وأعم وأنفع ، وسعى السامع ـ بعد التأثر بها وتمثيلها ـ إلى العمل بها . .
ويزداد رغبة في التسامي ، ونيل المرتبة العليا إذا كان هناك تنافس أخوي يرجو به صاحبه الوصول إلى رضوان الله وكرامته ، وقد كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يعظ أصحابه أحياناً بما يجعلهم يتطلعون إلى تبوؤ المكانة العليا عند الله ورسوله .
ومما كان يفعله رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ :ما رواه سهل بن سعد ـ رضي الله عنه ـ أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال يوم خيبر : لأعطين الراية غداً رجلاً يحب الله ورسوله ، ويحبه الله ورسوله ، يفتح الله على يديه .
( إذاً ؛ من سمات القائد المقبل الذي يختاره ـ صلى الله عليه وسلم ـ :
أولاً : أنه سيستلم راية رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، وأعظم بها من راية ! لن يقلده إياها رجل من الرجال مهما كان عظيماً ، إنما الذي يقلده اياها حبيب الله ورسوله .
ثانياً : أنه رجل يتحلى بصفات الرجولة الكاملة ، وهذا وصف أغدقه الرسول عليه .
ثالثاً : أنه مؤمن يحب الله ورسوله ، ويحبه الله ورسوله . وهو وصف صادر عن أكثر الناس إيماناً ، إنه الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام .
رابعاً : أنَّ النصر على اليهود كائن على يديه ، وهي بشرى عظيمة لأن من يفتح خيبر مجاهد في سبيل الله ، أما من يسالم اليهود ـ مهما كان السبب ـ فهو عديم الإيمان . . ( نقولها ونحن مطمئنون إلى صحة ما نقول ) .
فبات الناس يدوكون(1) ليلتهم ، أيهم يُعطاها ، فلما أصبحوا غدَوا على رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، وكلهم يرجو أن يُعطاها .
كلمة قالها النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فبات الناس يقلبون الوجوه ويتساءلون : من هذا الذي عناه رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، وكلهم يرجو أن يكون هذا الرجل . أرأيت إلى التنافس الإيجابي ؟!! .
وعند الصباح ، وفي صلاة الفجر ، ذهب الجميع إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ تشرئب أعناقُهم إليه ويتطاولون ، عسى أن ينتبه إلى المحظوظ رسولُ الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فيختاره ، فيعود بربح الدنيا والآخرة .
قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ : أين علي بن أبي طالب ؟
فقيل : هو يشتكي عينيه . ( فيهما رمد يضعف الرؤية ) .
فأرسلوا إليه ، فأتي به ، فبصق في عينه ، ودعا له ، فبرئ كأن لم يكن به وجع . فأعطاه الراية .
فقال علي : يا رسول الله ، أقاتلتهم حتى يكونوا مثلنا ؟
فقال ـ صلى الله عليه وسلم ـ : انفذ على رسلك ، حتى تنزل بساحتهم ، ثم ادعهم إلى الإسلام وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله تعالى . فوالله لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم (2) .
ومن الأحاديث التي حث فيها رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ المسلمين أن يتنافسوا على فعل الخيرات وإحراز المبرات ، ما رواه أبو هريرة ـ رضي الله عنه ـ أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال :
إن لله تسعة وتسعين اسماً من حفظها دخل الجنة(3) .
وفي رواية للبخاري : من أحصاها دخل الجنة .
فرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يريد من المسلمين :
1ـ أن يحصوا أسماء الله تعالى .
2ـ أن يحفظوها .
3ـ أن يتخلقوا ـ ما استطاعوا ـ بهذه الصفات ليحبهم الله تعالى ، لأن التخلق بها تقرّبٌ إلى الله وتعبيرٌ عن حبه ، والتزام دينه واتباع شريعته . ولا بد للمسلم أن يحوز ذلك لينال رضوان الله وفضله .
ومن الأحاديث التي تحض ـ كذلك ـ على التنافس لتبوؤ المكانة العالية : ما رواه أبو سعيد الخدري ـ رضي الله عنه ـ عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال : إذا رأيتم الرجل يعتاد المساجد فاشهدوا له بالإيمان(4). وقال تعالى : ( إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّـهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّـهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ )(5) .
فالمسلم يرتاد المساجد ، ويحرص على ذلك ليُشهَد له بالإيمان في الدنيا وفي الآخرة .
اللهم اجعلنا من هؤلاء ، وتقبل منا إنك أنت السميع العليم .
(1) يدوكون : يخوضون ويتداولون الرأي .
(2) حمر النعم : إبل أصيلة لونها يضرب إلى الحمرة . والحديث رواه بخاري ومسلم .
(3) رواه البخاري ومسلم .
(4) رواه الترمذي ، وقال : حديث حسن .
(5) سورة التوبة : الآية 18 .