منظومة الفساد تجعل إيقافه كارثة لا تقل عن استمراره
تُظهر دراسات متخصصة أن حجم الفساد في الوطن العربي ازداد في المعاملات اليومية، وتشابكت حلقاته وتنامى إلى دوائر كثيرة في الحياة والإدارة إلى درجة لم يسبق لها مثيل، مما يهدد مستقبل المجتمع العربي في الصميم ويدعو إلى القلق والفزع! ويكتشف تقرير منظمة الشفافية العالمية أن الشركات الدولية وعلى رأسها الأميركية قدمت رشاوى في الدول النامية ومارست ضغوطاً سياسية ودبلوماسية
- 19 مايو 2010
- مصدر الوثيقة:
- الحوار نت
تُظهر دراسات متخصصة أن حجم الفساد في الوطن العربي ازداد في المعاملات اليومية، وتشابكت حلقاته وتنامى إلى دوائر كثيرة في الحياة والإدارة إلى درجة لم يسبق لها مثيل، مما يهدد مستقبل المجتمع العربي في الصميم ويدعو إلى القلق والفزع!
ويكتشف تقرير منظمة الشفافية العالمية أن الشركات الدولية وعلى رأسها الأميركية قدمت رشاوى في الدول النامية ومارست ضغوطاً سياسية ودبلوماسية لتمرير أعمالها وخدمة مصالحها. وتتقاضى أعداد كبيرة جداً من الموظفين الحكوميين في أنحاء العالم رواتب منتظمة من الشركات الأجنبية ومن بين هؤلاء سياسيون كبار، وقال وزير التجارة الأميركي الأسبق وليم ديلي إنه تم اكتشاف رشاوى قدمتها شركات أميركية خارج الحدود في الفترة الممتدة من مايو 1997 إلى أبريل 1998 (سنة واحدة) تصل قيمتها إلى حوالي 30 بليون دولار. ويعرض أستاذ الاقتصاد د.محمود عبدالفضيل أشكالاً وصيغاً من الفساد طبقت في الدول العربية، مثل: التهريب الضريبي، وتخصيص الأراضي من خلال قرارات إدارية علوية تأخذ شكل العطايا لتستخدم فيما بعد في المضاربات العقارية، والمحاباة والمحسوبية في التعيينات الوظيفية الكبرى، وإعادة تدوير المعونات الأجنبية للجيوب الخاصة، حيث يُقدر أن %30 منها لا تدخل خزينة الدولة وتذهب إلى جيوب مسؤولين، وقروض المجاملة التي تمنحها المصارف دون ضمانات جدية وغالباً لا تُسدد، وعمولات عقود البنية التحتية وصفقات السلاح، والعمولات والإتاوات التي تحصل بحكم المنصب أو الاتجار بالوظيفة العامة، ورشوة رجال الصحافة والنيابة والقضاء والأمن لتسهيل مصالح غير مشروعة.
وفي خطابه إلى مواطنيه قال الرئيس الجزائري بوتفليقة إن الجزائر بلد مريض بالفساد، ولا تخلو خطابات التكليف الملكي في الأردن للحكومات التي تشكل من ضرورة مكافحة الفساد والمحسوبية والترهل، ولكن المراقب والمتابع لما يدور يلمس بوضوح حجم المحسوبية واستغلال النفوذ والتحالف بين الحكومة ورجال الأعمال لمواجهة حقوق المواطنين والمشروعات الصغيرة.
ربما لا تكون أخطر نتائج الفساد هي هدر المال العام والخاص، ولكنه الخلل الذي يصيب أخلاقيات العمل وقيم المجتمع، فتضعف المؤسسات الحكومية ويتراجع أداؤها، ويكاد يكون مفروغاً منه في الأردن أن المؤسسات الصحية والتعليمية الرسمية لم تعد قادرة على أداء مهماتها، وهي في العاصمة عمّان أضعف بكثير من القطاع الخاص، وإذا واصلت عملها في هذا المسار فإنها ستتجه إلى الانهيار.
وربما تكون الكارثة الكبرى الناتجة عن الفساد أنه تشكل مع الزمن منظومة من الموارد والعلاقات والترتيبات والالتزامات التي تجعل مكافحة الفساد كارثة لا تقل عن الفساد نفسه، فقد ارتبطت حياة قطاع كبير من المجتمعات بالدخول السرية التي مصدرها الفساد، وأصبحت دخلاً أساسياً تقوم عليه ترتيبات في الحياة لا يمكن الاستغناء عنها كالسكن والتعليم والعلاج أو أخرى إضافية كالسيارات الخاصة، وسيكون صعباً أو مستحيلاً على هؤلاء إعادة ترتيب حياتهم والتزاماتهم على أساس دخولهم الشرعية الحقيقية، وهكذا فقد تشكلت دورة حياة ودخول وعلاقات اقتصادية واجتماعية قائمة على الفساد.
وفي النتائج المباشرة فإن الفساد والتهرب الضريبي يزيدان عجز الموازنة العامة، ويُضعفان مستوى الإنفاق العام على السلع والخدمات الضرورية، فترتفع تكاليف الخدمات والتكوين الرأسمالي، وقدرت الزيادة في هذه التكاليف بنسبة %20 إلى %50 فوق التكلفة الأصلية المفترضة.
وقد نشرت جامعة كاليفورنيا عام 1988 دراسة مهمة لروبرت كليتجارد بعنوان (السيطرة على الفساد) وترجمت الدراسة في عمان عام 1994، ويلاحظ كليتجارد أن الفساد كموضوع لم يُدرس إلا قليلاً، وأنه موضوع يتحاشى الناس ذكره، ويتجنبون الخوض فيه، ويعتقدون أنه لا يمكن عمل شيء تجاهه، أو كما وصفه الزميل حافظ الشيخ الحاضر الأكبر والغائب الأكبر.
ويرتبط الفساد بثقافة وممارسات أخذت طابع الاعتياد والقبول، بل إنها تُعد أمراً طبيعياً مثل المحسوبية، ومعاونة الأقارب والأصدقاء في الحصول على امتيازات ومصالح غير مشروعة.
ويلاحظ صموئيل هيننجتون في كتابه عن التطور السياسي أن ثمة ظروفاً وحالات ينتعش فيها الفساد الحكومي مثل النمو السريع، والتحديث الذي تتعرض له بعض الدول وذلك بسبب تغير القيم ومصادر الدخل والقوة والتوسع الحكومي، ويزيد الفساد أيضاً في الدول التي تغلب فيها المصالح التجارية الأجنبية. ويُقدر الخبراء أن الفساد يرتبط بالبيئة المشجعة، والمخاطر المترتبة عليه، ولذلك يمكن دون معلومات ميدانية تقدير حجم الفساد إذا أمكن الإجابة على أسئلة، مثل:
إلى أي حد تلتزم الإدارة بنظام قوي للمراقبة الداخلية؟ هل هناك نظام مناسب لكتابة التقارير بين الوحدات التنظيمية؟ ما درجة الأمانة والكفاءة لدى الموظفين؟ هل السياسات والإجراءات واضحة؟ هل السلطات محددة وموزعة بطريقة صحيحة؟ وهل إجراءات الميزانية وإعداد التقارير تُطبق على نحو سليم وفعّال؟ هل يترتب على المخالفات والفساد مخاطر وعقوبات معقولة؟