نصوص

منجزات الكيانات السياسية العربية بعد انتهاء الانتصاب الأجنبي: الجمهوريات نموذجا (5)

مُنْجزاتُ الكياناتِ السياسيةِ العربيةِ بعد انتهاءِ الانتصابِ الأجنبيِ : الجمهورياتُ نموذجًا –الجزء(5) عبد الله التونسي تبدو الورقات السابقة مجحفة في رؤيتها للواقع العربي المدروس ويظن الدارس والقارئ إجحافنا وتجنينا على هذا الواقع ويعزو هذا لتمترس لجهة ماّ أو تحزب لجهة أخرى والحال أن هذا لم يحصل منه شيء بل الأساس أن هذا الواقع مأزوم ولعل عيب هذه الورقات أنها لم تأت على عيوبه في بساطتها وتركيبها كلها. قد يقول المتفائلون أين النصف الثاني من الكأس فمن عادة مرددي خطاب السلط أن يقولوا إن الرافضين لمشرو

0
16 مارس 2010
مصدر الوثيقة:
الحوار نت
مشاركة

مُنْجزاتُ الكياناتِ السياسيةِ العربيةِ بعد انتهاءِ الانتصابِ الأجنبيِ : الجمهورياتُ نموذجًا –الجزء(5) عبد الله التونسي
تبدو الورقات السابقة مجحفة في رؤيتها للواقع العربي المدروس ويظن الدارس والقارئ إجحافنا وتجنينا على هذا الواقع ويعزو هذا لتمترس لجهة ماّ أو تحزب لجهة أخرى والحال أن هذا لم يحصل منه شيء بل الأساس أن هذا الواقع مأزوم ولعل عيب هذه الورقات أنها لم تأت على عيوبه في بساطتها وتركيبها كلها. قد يقول المتفائلون أين النصف الثاني من الكأس فمن عادة مرددي خطاب السلط أن يقولوا إن الرافضين لمشروع التحديث في"الدولة الوطنية" لا ينظرون إلا للنصف الفارغ من الكأس فهم من أزلام النخب ويحبون الأنخاب أقول في هذا المضمار لا يوجد في الرقعة العربية برمتها من يرفض التحديث من العامة والبسطاء إذا كان سينال هو أو ذريته قبسا من نِعَمِ هذا التحديث ولا يمكن لعاقل أن يرفض الخير والرفاه فالمفكر يسعد إذا صارت الثقافة والعلم في المتناول وكثرت عتبات هذين المجالين والطبيب يفخر بعلمه إذا ما توفرت له المراكز المتقدمة وأتيحت له الفرصة لإبراز مهاراته والميكانيكي يسعد إذا ما رأى ورشته تتقدم والراعي يطمئن إذا ما وجد شويهاته صباحا بأمان والأب يرتاح إذا ما رأى المدرسة تلقن ابنه شيئا صالحا والسجين يقبل الأحكام وإن كانت ثقيلة إن لم ير ظلما سلِّط عليه وبما أني من أبناء هذه الرقعة لم ألمس خيرا عميما بمثل ما ينعم به أبناء جيلي ممن هم في مدارات شمس السلطة وليس هذا نابعا من حرمان شخصي بل هي حرمان شرائح بعينها في مجتمعاتنا بل أجيال وربوع لأن هذه الأنظمة رسمت منذ البداية خارطة شملتها برعايتها وبقيت المناطق الأخرى بؤر فقر ولا زالت وحتى لا نغفل حق هذه السلط إذ أنها بين الفينة والأخرى تتنعم على مناطق الظل هذه بمواد تجووزت صلاحياتها وإعانات تورث في من يتمتعون بها الذل والهوان والجلوس أمام أبواب المتنعمين بها وهذا يفقدهم إنسانيتهم وما تبقى من محض كرامة فهل نحن أمام أنظمة إقطاعية؟ أم أن مرحلة القن اندثرت في كل أرجاء المعمورة ومازال متحف السياسة العربية يعتز بامتلاكها؟ ثم ألا يمثل هذا نكوص الورقة على أعقابها فمن البداية أسمت هذه الأنظمة جمهوريات أقول مجددا إن مؤشرات كثيرة تبين سفه ما تدعيه هذه الأنظمة انطلاقا من التسمية فهي لا تستأهل أن تكون أنظمة جمهورية من حيث التسمية فما بالنا بشأنها الاقتصادي فما الذي حققته هذه الكيانات اقتصاديا منذ تشكلها إلى اليوم؟؟
مثّل سقوط الاتحاد السوفياتي نكبة كبيرة لهذه الأنظمة إذ تعرّت عراء شديدا وانكشفت عيوبها جميعا فالشعوب كانت تطمئن ولو ظاهريا للتصنيف القديم الذي قسم العالم إلى ثلاثة وإن كنا مقتنعين بثالثيتنا تبيّن اليوم أننا أبعد بكثير من هذه المرتبة فكيف نقارن اليوم بين أرياف فرنسا أو أمريكا اللذين ينتميان للعالم الأول وبين أريافنا التي لا تفصلنا عما سبق إلا مرتبة واحدة هي مرتبة المعسكر الشرقي الذي عانت شعوبه في بداية العشرية الأخيرة من القرن المنصرم جوعا وغلاء ومصاعب جمة لكنه اليوم تعافى واستثمر وبد ّل أركانه لصالح شعوبه رغم نير القيود الديماغوجية التي كانت تحكمه وتلجمه فلِمِ تتغير الأمم وبسرعة للأحسن ونُساق نحن للهاوية والمصير البائس!!؟لن أبرر ذلك بالسياسة لأن هذا الأمر فصّلته في ما سبق بل أرجع المسألة إضافة إلى ما طُرح إلى سبب أساسي تناوله المرحوم مالك بن نبي حينما انتبه مبكرا إلى أن الشاغل السياسي إبان الانتصاب ضيّع كل الشؤون الأخرى وهمّشها فهذه المجتمعات الريعية والخراجية بمنظور سمير أمين مازالت تتحكم فيها ميكانيزمات القبيلة والحمية والعصبية الأولى فهذه الكيانات أثبت بالدليل القاطع انحيازها لمناطق دون أخرى و ولاءات مشبوهة إذ قسّمت الرقع الجغرافية التي بسطت عليها نفوذها إلى جنوب وشمال وساحل وداخل وريف ومدينة واحتكر الثروة فيها فصيل محدود في حين تدفع بقية شرائح الشعوب ضرائب اختيارات هذه الكيانات الخاطئة اقتصاديا. فالتصنيع الموهوم الذي سلكته هذه الأنظمة في السبعينات باء بالفشل فهواري بومدين راهن على الدعم السوفياتي واستورد بقوت الشعب مولدات عملاقة ومصانع تبين له في وقت وجيز أن المواد الأولية التي تشتغل بها بيد أوروبا التي رفضت أن تسلمه إياها فتحولت هذه المنشآت إلى ملاعب للهو الأطفال أو أماكن لقيلولة الرعاة أو أوكار لعصابات جرائم المدن وبيّنت أمثلة التهيئة اليوم أن هذه المدن الصناعية التي أقيمت لم تُدرس جدواها البيئية بالمرة ناهيك عن إدارتها وإنتاجيتها فهي متروكة للصدف لأن إدارتها موكولة لعناصر الأسر الحاكمة بالوجاهة والقرابة لا بالأهلية والاختصاص فنهب هؤلاء رساميلها وقضوا على كل تحرك نقابي ودمروا البنى الأساسية لكل وعي عمالي ثمّ حولوا هذه الأموال الضخمة إلى بنوك الدول الغربية أين سينجزون صفقاتهم الخاصة ومضاربات أسهمهم فالمصيبة هنا مضاعفة إذ يقع تحويل الحسابات بما يتوفر في خزينة الدولة من عملة صعبة وأصبحت الصناعة عبئا بدل أن تكون رافدا للتنمية واستمرّ هذا الحال إلى أن تمّ تسريح العمال دون حقوق تُذكر وتمت خصخصة هذه المنشآت لهؤلاء الأشخاص الفاسدين إدارة وتصرفا في المال العام وبيعت صوريا وتحولت مع هذا الانتقال إلى مؤسسات منتجة وظهرت الآن مرابيحها العملاقة علما وأن إعادة تهيئتها وإصلاح أعطابها وتجديد مكننتها تمّ من المال العام قُبيل خوصصتها بقليل بوعي من أولي الأمر وبإيعاز منهم لذلك إن كانت الصناعة رافدا ايجابيا لغيرنا فهي عندنا مضاعفة الضريبة ولا تدفعها إلا الشعوب المسحوقة كما تركت هذه التنمية مخلفات بليغة على البيئة حيث أضرت بها أيما إضرار والملاحظ لجغرافيا هذه الجمهوريات يرى أنها كانت تمتلك أراضي خصبة لكنها اليوم من أشد الدول فقرا وأكثرها توريدا للحبوب والمنتوجات الزراعية وما زالت بعض المضاعفات الأخرى تظهر تباعا من أمراض مستعصية وآفات صحية تلحق البنية السكانية وتلوث للمياه الجوفية وفقر الشواطئ لان المخلفات الصناعية كانت تلقى مباشرة في البحر وللحقيقة إن الاقتصاد في هذه الكيانات لا يمتلك أية رؤية واضحة بل لا يمكن احتسابه أصلا من جملة اقتصاديات العالم التي تقود السوق وينفذها مهندسون جهابذة فلدينا تقودها الصدف رغم أن إعلامنا ينسب هذه النجاحات الوهمية للسيد الرئيس الذي يفهم الأمور كلها و لا تفوته لا شاردة ولا واردة ولعل الأزمة المالية العالمية الأخيرة تؤكد هذا الرأي فلا اقتصاد من هذه الاقتصاديات أصيب بالكساد لان هذه الاقتصاديات خارجة عن التصنيف الدولي وهي تقوم على القروض والتداين ومن المؤسف حقا أن هذه الكيانات تجدول كلّ سنة فوائض ديونها علما وان الديون نفسها لا يعلمها إلا القائمون على الأنظمة فالأرقام التي يطلق سراحها بكفالة بين الفينة والأخرى مزيفة ويراد بها التضليل والمغالطة ويصرّح بها لقضاء مأرب أو غاية مّا وما يحسب حقا لهذه الاقتصاديات أنها تنهب كل لحظة ومع ذلك لم يعلن عن انهيارها وهذه هي قدرتها السحرية. إجمالا إن الحديث في هذا الشأن يحتاج لأكثر من ورقة رغم أنني لم أعتمد على أي رقم يؤكد ما ذهبت إليه إلا أن الواقع العربي يكشف كثافة أعداد العاطلين والمحرومين والخريجين الذين يفتقدون للمحسوبية والواسطات في حين تُساق الوظائف والهبات على غير هُدى وهذا لا يكشف أزمة الراهن فقط بل يفتح الهول على استشراف المستقبل رغم أن بعض النتائج الكارثية بدأت تظهر فاليمن مهدد بالانقسام في وحدة لا زالت طازجة والسودان مقسم مع تأجيل التنفيذ لأكثر من كيان والجزائر مهددة بالإفلاس والمسألة الأمازيغية والعراق تورط في مشاكل أكثر من حجمه وسوريا نراها اليوم في نقاهة الاحتضار أما تونس فديونها أكثر من حجمها الطبيعي دون احتساب الفوائض ولا حديث عن موريتانيا فالعسكر يحل الأمور بإعادة انتشاره في كل مرة ولبنان يعيش على فتات الشرق والغرب ومعونات الشتاء كلما تلبدت الغيوم وطُرحت ملفات المنطقة وتكاشف الخصوم ولعلّ المستقبل يكشف الهول الأكثر مع رجائنا بالأفضل للجميع وخصوصا الشعوب المسكينة التي سكنت في رقابها سكاكين السلط الجائرة وغارت للوريد.وفي النهاية إن الحديث عن هذه الكيانات لايُعفي بقية الأنماط السياسية العربية الأخرى من المسؤولية وتخلف الرقعة العربية بل لعل أعطابها أكثر وجروحها أنكى وأشد.


و إلى أن نلتقي في ورقات أخرى أستودعكم الله ودمتم في رعايته هو نعم المولى ونعم النصير.

جميع الحقوق محفوظة لمنصة الذاكرة 2026 ©