منجزات الكيانات السياسية العربية بعد انتهاء الانتصاب الأجنبي: الجمهوريات نموذجا الجزء 3
قد أكون في الورقتين السابقتين ولجت إلى منجزات هذه الكيانات في المجال السياسي بقصد ودون قصد ذلك أنني استعجلت جمع ما أنجزته هذه الكيانات لتكون المحصلة سالبة في كل الاتجاهات والذي لم أذكره أنها نجحت في تصحر الساحة السياسية التي عرفت ثراء وحراكا ونماء جيدا إبان الانتصاب رغم عدم تبلور الرؤى بسبب الأمية وتفشي الجهل وسيطرة الجانب المعيشي و اليومي على السواد الأعظم من شعوب هذه الأقاليم بل لعلنا نكون عل غير هدى إذا قلنا إن هذه المجتمعات طالبت بالاستقلال منذ بواكير الانتصاب وهذا لم يحدث في أي إقليم عربي أ
- 5 مارس 2010
- مصدر الوثيقة:
- الحوار نت
قد أكون في الورقتين السابقتين ولجت إلى منجزات هذه الكيانات في المجال السياسي بقصد ودون قصد ذلك أنني استعجلت جمع ما أنجزته هذه الكيانات لتكون المحصلة سالبة في كل الاتجاهات والذي لم أذكره أنها نجحت في تصحر الساحة السياسية التي عرفت ثراء وحراكا ونماء جيدا إبان الانتصاب رغم عدم تبلور الرؤى بسبب الأمية وتفشي الجهل وسيطرة الجانب المعيشي و اليومي على السواد الأعظم من شعوب هذه الأقاليم بل لعلنا نكون عل غير هدى إذا قلنا إن هذه المجتمعات طالبت بالاستقلال منذ بواكير الانتصاب وهذا لم يحدث في أي إقليم عربي أصلا ففي البداية كانت الدعوات مختلفة من المطالبة بالحقوق المعيشية إلى المطالبة بالحقوق النقابية العمالية كما الحال مع تونس والجزائر وما قام به محمد علي الحامي بعد سفره واطلاعه على أوضاع الشغيلة في فرنسا بل لعل هذه المطالبات كانت من داخل المنظمات الفرنسية التي كانت تشتغل في أقاليمنا وتطورت دعوات هذه المنظمات الأجنبية خصوصا بعد صعود البلاشفة في روسيا بعد ثورة اكتوبر1917 وإيمانهم بدكتاتورية البروليتاريا وبعد هذا الوعي الجديد انطلقت دعوات أخرى على استحياء تطالب بالدساتير والمساواة التامة دون الحديث عن الانفصال التام عن المنتصب الأجنبي بل ثمة فئات من هذه المجتمعات استمرأت الأجنبي وكانت تحارب دعوات الانفصال وترفضها بالكامل ولعلها من عجيب الصدف أن هذه الفئة هي التي شكلت العصبية الأولى والقاعدة الأهم لقادة هذه الأقاليم بعد الانفصال وإن القادة هم أبناء هذه الشريحة دون غيرها من الشرائح الأخرى وكانت هذه الفئة هي المستفيدة من الانتصاب منذ مجيئه إن لم يكن قبل مجيئه (انظر قائمة العائلات التونسية المنتمية للحكومة الموقعة لعهد الأمان وكذلك في سوريا ولبنان والجزائر قبل دخول الأجنبي) فسلالاتها حافظت على حظوظها مع بورقيبة وكل الحكام الذين حكموا ما أسموه بالدولة الوطنية ولعلها اليوم أكثر تواجدا في كل المناصب الحساسة بالدولة وهذا راجع لأمرين الأول فهمها لدواليب السياسة وتحالفاتها والثانية أن هذه الشريحة آمنت بقيمة التعليم مبكرا فأدخلت أبناءها لأفضل المدارس ولم تكن غير مدارس الأجنبي وللعلاقات الجيدة بين الطرفين كافأ الأجنبي هؤلاء الأصدقاء برعاية أبنائهم ومتابعة دراساتهم العليا بأفضل جامعاته في وقت كانت فيه كتاتيب الأقاليم العربية تكتب آي القرآن بالفحم النباتي للعوز وقلة ذات اليد وتقهقر الفكر وغياب مقومات التنمية البشرية بالكامل وإيمانها هذا ما كان وعيا ذاتيا بل بسبب عمق العلاقة مع الأجنبي وحبا في تقليده وبإيعاز منه حيث كانت هذه العائلات الراقية ترتاد صالونات الأدب ومعارض الفنون التشكيلية التكعيبية والسريالية والرمزية والانطباعية في وقت كان فيه المناضلون الصادقون عاجزين عن وجود ثمن خرطوشة أو بندقية صيد صدئة ليدافعوا بها عن حرمة الوطن وإنني لأعجب اليوم ممن ينتقد السلطة الفلسطينية لقبولها لنهج المفاوضات دون غيره فنخب البلدان المذكورة كانت قبل نصف قرن أو ينيف أكثر تواطؤا بل جرمت المقاومة أكثر من الحد الذي تجرم فيه اليوم لكنها استدركت بعد خروج الأجنبي لتلمع صورتها وهنا لابد أن نستثني شقا يسيرا من نخبة الجزائر التي تغافلت عما يفعله الثوار ليكتسب المقاومون هذا الشرف الذي سرعان ما سحب منهم بعد خروج الغريب فالذين مسكوا زمام الأمور بعد خروج الأجنبي أوجدوا لأنفسهم مساحة في العمل الوطني وحولوا بعض الأماكن إلى سجون ومناف ادعوا أنهم كانوا من مرتاديها على يد الأجنبي وحبكوا سلسلة من التواريخ تدعم سيرهم المصنوعة وأسقطوا عمدا كل من سواهم وإلا لمَ ما زال الاطلاع على حقيقة هذه الفترة من الممنوعات؟؟؟ وبذلك كسبوا الثروة والمجد والسلطة وهنا لعلني أقحمت نفسي في المنجزات الثقافية لهذه الكيانات إذ يعود الفضل لها في انجاز المؤسسات التعليمية الأولى التي حاولوا أن يقضوا بها على المؤسسات الدينية كالكتاتيب والجامعات الإسلامية المعروفة واستمرت الحرب والسجال معها كل بحسب ظروفه ففي تونس وجد بورقيبة عنتا شديدا في البداية لكنه اختصر الطريق بمجلة الأحوال الشخصية التي جعلت العامة والمثقفين كل في فلك يسبحون وبهذا كفى نفسه كلفة حرب ضروس أما الأزهر فإلى الآن ما زالت الجولات متعادلة بين الطرفين وأخيرا سجل النظام فوزه بالضربة القاضية بمواقف كثيرة كالنقاب وإرضاع الموظفة لزميلها العازب أو المتزوج ليحل الاجتماع والتواصل ومثل هذه الدعاوى ليست بريئة بل مخطط لها بإحكام والغاية منها أن ينفر الناس من هذه المؤسسات التي لطالما كانت أصوات الحق ولسان الدفاع عن المجتمعات ومصالح الأمة بل لعل الصورة النمطية التي رسمتها هذه الأنظمة لرجال الدين من حيث الهيأة واللباس في كل هذه الجمهوريات والهالة الفولكلورية لها زاد من نفور الناس منها وجعلوا الأئمة لا يتحدثون إلا عن أخبار الموت أو الفواجع وهنا لا بأس أن نُذكّر بما قاله فوكو في ميكرو فيزيا السلطة بأن الألوان قد تجسد السلطة فلباس رجال الدين انحصر في الأبيض والأحمر والرأس المعمم بعشرين لفة لا خطأ فيها وكذا ميدعة المدرس فهذه الألوان تذكر الصغار بحقنة الطبيب والممرض وتشعره بالفزع وترهب الاطمئنان لديه وتكرِّهه في الفصول والدراسة في حين تكون ملابس الفرق النحاسية جميلة جمالا خلابا تحبب المتفرجين فيهم وهم يتبخترون ليبرزوا منتوجهم الوطني وهنا
لابدّ أن نبين قيمة كتاب الأيام لطه حسين الذي اتخذته هذه الأنظمة مانيفستو أساسي لتربح حربها والتي ما زالت تواصلها رغم اندثار العدو وكانت الكتب المدرسية مصنوعة صنعة جيدة فهي مزيج من أخبار الغانيات والحمقى والنوكى في تاريخنا الإسلامي وتدعم في كل مرحلة بنصوص تضم خصومات الصحابة وعدم اتفاقهم وتلح على تفرقهم وتحاربهم وتهتم في مرحلة المراهقة بالخمريات وعمر بن أبي ربيعة يغازل الجميلات أثناء الطواف بالحج وأبي الفتح الإسكندري الذي يتحايل على المصلين الذين يؤدون صلاة العصر ويفر ويتركهم راكعين إلى اليوم فيستبطن التلميذ "غباء المسلمين" الذي يجد معاكسه في نفس الكتاب فلويس الثاني عشر فنان ورقيق ويحب الورود ويحث على الخير والحب ونابليون مثقف وطُلعة ويحمل الكتاب أينما ذهب ودي فنشي رسم الموناليزا في حين أن أشعب يبحث عن الأكل والموائد وإذا رأيناه رأينا وجها كريها أو شخصية مضحكة أو مجنونة كجحا أو الخزاف أو أبي العبر ومثل هذه الصورة عجز الأجنبي على تحقيقها رغم انه سعى إليها إذ أقام في كل قطر بنية ثقافية تكاد تكون متشابهة شارع أساسي في العواصم ركز فيه مبنى الترانزيستور والذي صار فيما بعد مبنى للإذاعة وركز دور السينما والسينما المتحولة وأكثر من الكافيشانتيات والبارات ورغم ذلك عجز عما توصل له"الوطنيون" في أقل من عشرية في كل الأقطار والاهتمام بالجانب التربوي أكثر من غيره لأنه كان عتبة التغيير الثقافي الموعود كما ادعوا رغم انه لم يحصل أي تغيير بل سعت النخب الحاكمة إلى المحافظة على الموجود بكل قواها فتحولت لغة الأجنبي إلى لغة أساسية في التمدرس بتعلّة الأخذ بناصية العلوم رغم وعيهم بالخسران خصوصا للدول المنضوية تحت ائتلاف الفرانكفونية إذ ما فائدة اللغة الفرنسية التي لا يتحدث بها غير الفرنسيين وتوابعهم ؟ ومثل هذه النتائج ليست وحدها ما تحقق في المجال الثقافي والتربوي وبما أن المجالين يصوغان البنية المجتمعية المرتقبة ويحددان سمات إنتاجها فما المنجزات الاجتماعية والاقتصادية لهذه الكيانات؟؟
وللموضوع بقية بإذن الله فأرجو صبركم.