نصوص

مقاصد السنة عند البخاري

Normal 0 21 false false false FR X-NONE AR-SA /* Style Definitions */ table.MsoNormalTable {mso-style-name:"Normale Tabelle"; mso-tstyle-rowband-size:0; mso-tstyle-colband-size:0; mso-style-noshow:yes; mso-style-priority:99; mso-style-parent:""; mso-padding-alt:0cm 5.4pt 0cm 5.4pt; mso-para-margin-top:0cm; mso-para-margin-right:0cm; mso-para-margin-bottom:10.0pt; mso-para-margin-left:0cm; line-height:115%; mso-pagination:widow-orphan; font-size:11.0pt; font-family:"Calibri",sans-serif; mso-ascii

0
25 مايو 2016
مصدر الوثيقة:
الحوار نت
مشاركة

يثير تكرار الأحاديث في صحيح البخاري الانتباه. و يظن بادئ الرأي أن ذلك التكرار من أجل أن يبرهن به البخاري على معرفة الرجال و الأسانيد ، و يرى البعض بأنه كان بالأحرى للبخاري أن يتجنبه لما يؤدى إليه من التكرار الذي يبعث على السآمة و التعب. إلا أن ما يجب أن يتنبه إليه هو أن البخاري لم يكرر حديثا واحدا. ذلك أن كل ذكر للحديث هو حديث جديد، لأنه يعبر ويكشف عن معنى وعن مقصود معين، وكتاب البخاري هو محاولة لقراءة الأحاديث انطلاقا من مقاصدها ومعانيها. لقد توخي منه منهجا علميا يبحث في مقاصد السنة و دلالات الأحاديث، وهو منهج وإن كان متأثرا جدا بمدرسة الحديث في الحجاز وامتدادا لها، [[1]] إلا أنه مع الأسف لم يتم متابعته وكشفه ومواصلته، و اكتفي الناس باقتناء ما في الكتاب من الأحاديث على أن صحتها هي الغاية منها.

وقد دشن البخاري في هذا الكتاب منهجا مقاصديا لا غبار عليه، يقوم على استغلال الحديث باستخراج ما يسمح به من المعاني ولو كان ذلك بطريقة يقول من لا يعرف انها متعسفة. إلا أن البخاري لا يكرر الحديث إلا ليشير إلى مقاصده التي تتفاوت ظهورا و خفاء. و إن كان  المقصد لا يظهر في الحديث إلا بالكاد إلا أنه بين أن نأخذ بالمقصد بدليل و مناسبة خفية أفضل من أن نأخذه بدون دليل و بدون مناسبة.

بل الأدهى من ذلك و الأمر أن منهجية البخاري نظر إليها كنقيصة و عائق، بدل أن ينظر إليها كاستكشاف و تطور. و مرد ذلك أن منهجية غيره تقوم على ما يسبق إلى الفهم أي على الألفاظ المباشرة في حين يذهب البخاري إلى ما وراء الألفاظ من المقاصد. يقول النووي في مأخذه الشكلي علي البخاري: «وقد انفرد مسلم بفائدة حسنة، وهي كونه أسهل متناولا من حيث انه جعل لكل حديث موضعا واحدا، يليق به، جمع فيه طرقه التي ارتضاها و اختار ذكرها، و أورد فيه أسانيده المتعددة و ألفاظه المختلفة، فسهل على الطالب النظر في وجود استثمارها و تحصل له الثقة بجميع ما أورده مسلم من طرقه. بخلاف البخاري فإنه يذكر تلك الوجوه المختلفة في أبواب متفرقة متباعدة، و كثير منه يذكره في غير بابه الذي سبق إلى الفهم أنه أولى به، وذلك لدقيقة يفهمها البخاري منه. فتصعب على الطالب جمع طرقه وحصول الثقة بجميع ما ذكره البخاري من طرق هذا الحديث. وقد رأيت جماعة من الحفاظ المتأخرين غلطوا في مثل هذا فنفوا رواية البخاري أحاديث هي موجودة في غير مظانها السابقة إلى الفهم»[[2]]. و يفهم من كلام النووي أن هناك منهجيتين واحدة منهما يمثلها البخاري، و تتمثل قي البحث عن دقائق الحديث و معانيه ومقاصده، ولو كلف ذلك التكرار. وهناك منهجية غايتها هي الحفظ فقط وما يتبادر إلى الفهم و هي التي يمثلها الحفاظ الذين اعتمدوا على الأشكال و الألفاظ، فحاولوا بذلك رفض أحاديث صحيحة لأنهم لم يستوعبوها حسب مناهجهم اللامقاصدية. 

وهكذا فما جعل صحيح البخاري يأخذ مكانته فوق صحيح مسلم هو بحثه عن مقاصد الأحاديث، ومحاولته استغلال معانيها، لتكون تلك المعاني أحكاما شرعية أو موصلة للأحكام الشرعية. لذلك قال النووي رغم ملاحظته السابقة: «وكتاب البخاري أصحها و أكثرها فوائد ومعارف ظاهرة و باطنة» وسأعرض لبعض مقاصد الحديث عند البخاري ، ورغم أن خطاب المعني لم يكن غائبا على مسلم لكنه استخدمه بأقصى التحفظ فقال في منهجيته في رواية الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه و سلم فنقسمها على ثلاثة أقسام و ثلاث طبقات على غير تكرار، إلا أن يأتي موضع لا يستغني فيه عن ترداد حديث فيه زيادة معنى، أو إسناد لعلة تكون هناك لأن الزائد في الحديث المحتاج إليه يقوم مقام الحديث التام»[[3]]

إن تناول البخاري للسنة يوجهه هاجس البحث في الأحكام كما تبدو وتستخرج من معاني الحديث ومقاصده، وحتى أنه يبحث في معاني المعاني العامة. كما يقول في كتاب الإيمان: باب إطعام الطعام من الإسلام، باب من الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه ، باب حب الرسول من الإيمان باب حلاوة الإيمان ، باب علامة الإيمان حب الأنصار ، باب الحياء من الإيمان، باب إفشاء السلام من الإيمان ، باب قيام ليلة القدر من الإيمان، باب الجهاد من الإيمان، باب تطوع قيام رمضان من الإيمان،  باب صوم رمضان احتسابا من الإيمان، باب الصلاة من الإيمان، باب الزكاة من الإيمان، باب إتباع الجنائز من الإيمان، باب أداء الخمس من الإيمان. وما يلاحظ هنا هو أن البخاري يجعل المعنى العام يتناول أشياء كثيرة وهو اجتهاد يوسع من معناه و يعمقه ويشرحه أكثر.

وهذا ما فعله مع الأحاديث فيحاول أن يستخرج من الحديث كل معانيه واحتمالاته الممكنة و ذلك ليوسع من أحكامه ومن ماصدقاته حسب عبارة المنطق وهذه أمثلة يسيرة من ذلك.

المثال الأول في الغسل من الجنابة، فقد روى مسلم عن ابن عباس قال: حدثتني خالتي ميمونة قالت: أدنيت لرسول الله صلى الله عليه وسلم غسله من الجنابة، فغسل كفيه مرتين أو ثلاثا ثم أدخل يده في الإناء ثم أفرغ على فرجه، و غسله بشماله ثم ضرب بشماله الأرض فدلكها دلكا شديدا، ثم توضأ وضوءه للصلاة، ثم أفرغ على رأسه ثلاث حفنات ملء كفيه، ثم غسل سائر جسده ثم تنحى عن مقامه ذلك، فغسل رجليه ثم أتيته بالمنديل فرده.

ذكر البخاري هذا الحديث ثماني مرات. ففي المرة الأولى باب الوضوء قبل الغسل، و في الثانية باب الغسل مرة، وهو عن ابن عباس قال قالت ميمونة وضعت للنبي صلى الله عليه و سلم ماء للغسل فغسل يديه مرتين أو ثلاثا ثم أفرغ على شماله فغسل مذاكيره ثم مسح يده بالأرض ثم مضمض و استنشق وغسل وجهه و يديه  ثم أفاض على جسده ثم تحول من مكانه فغسل قدميه [[4]]

وفي الثالثة باب المضمضة والاستنشاق في الجنابة، و في الرابعة باب مسح اليد بالتراب لتكون أنقى. و في الخامسة باب من أفرغ بيمينه على شماله في الغسل، وفي السادسة باب من توضأ في الجنابة ثم غسل سائر جسده ولم يعد غسل مواضع الوضوء مرة أخرى و في السابعة باب نفض اليدين من الغسل من الجنابة و في الثامنة باب الستر من الغسل من الناس. ويكون البخاري قد جاء بأحكام مستندة على هذا الحديث أبرزها الوضوء قبل الغسل و أن الغسل مرة واحدة بمعنى أنه يكفى لجنابات متعددة غسل واحد ومنها مسح اليد بالتراب لتكون أنقى و منها الستر عن الناس في الجنابة, ولاستخراج الأحكام بهذه الطريقة تحدث الناس عن فقه البخاري.

و الحديث إنما الأعمال بالنيات ذكره مسلم في آخر كتاب الجهاد. أما البخاري فذكره سبع مرات في كتاب الإيمان. وقد افتتح به كتابه الصحيح، و ذكره في المرة الثانية في باب ما جاء بأن الأعمال بالنية و الحسبة و لكل امرئ ما نوى، فدخل فيه الإيمان والوضوء و الصلاة والزكاة و الحج والصوم والأحكام [[5]] وفي الثالثة في قوله باب الخطأ و النسيان في العتاقة و الطلاق ونحوه ...و لا نية للناسي و المخطئ و في الرابعة في باب هجرة الرسول صلى الله عليه و سلم و أصحابه إلى المدينة وفي الخامسة باب من هاجر أو عمل خيرا لتزويج امرأة فله ما نوى [[6]] و في السادسة باب النية في الإيمان، و في السابعة باب في ترك الحيل، و أن لكل امرئ ما نوى في الأيمان و غيرها.

وما نلاحظ هو أن البخاري يحسم في أحكام انطلاقا من الحديث كانت و ما تزال مصدر خلاف بين العلماء. كاشتراط النية في الصوم و في الوضوء حيث يستخرج البخاري من الحديث أن الأعمال كلها لا بد فيها من النية. و يخصص بعض الأحكام في عدم التنفيذ لافتقادها للنية كالناسي و المخطئ. كما يدعو إلى ترك الحيل وهي أن تكون النية لا تتماشى مع ظاهر العمل، إلى غير ذلك من الأحكام التي يستنطقها البخاري من الحديث وقد ذكر مسلم هذا الحديث مرة واحدة في آخر كتاب الجهاد حيث روى عن عمر ابن الخطاب قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: {إنما الأعمال بالنيات و إنما لكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته لدنتا يصيبها أو لامرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه}

وإذا أخذنا الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الصيام: {جنة فلا يرفث و لا يجهل وإن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل إني امرؤ صائم ـ مرتين ـ و الذي نفسي بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، يترك طعامه و شرابه وشهوته من أجلي. الصيام لي و أنا أجزئ به و الحسنة بعشر أمثالها}[[7]]

وإذا كانت السنة هي في أول مقاصدها بيان القرآن الكريم، و الحديث جملة هو بيان للقرآن الكريم. فإن الأحاديث عن الصلاة و الزكاة و الصوم وما إلى ذلك هي بيان لما جاء عنها  مجملا، فإن البخاري قد قطع شوطا في هذا المعنى عندما أفرد كتابا من الصحيح حول تفسير القرآن الكريم انطلاقا من السنة. و هو بذلك يستدل على مقاصد السنة في بيان القرآن بطريقة مباشرة و علمية، حيث يذكر الآية و يذكر معانيها انطلاقا من السنة فيجمع بين البيان و المبين. من ذلك مثلا باب (وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ)[[8]] قال: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: {من آتاه الله مالا فلم يؤد زكاته، مثل له ماله شجاعا أقرع، له زبيبتان يطوقه يوم القيامة يأخذ بلهزمته يعني بشدقيه، يقول أنا مالك أنا كنزك ثم تلا (وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ)

و في قوله تعالى:( الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)[[9]] يورد البخاري حديثا عن تفصيل السنة و بيانها لهذه الآية. فيذكر الحديث عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال بت عند خالتي ميمونة، فقلت: لأنظرن إلى صلاة رسول الله صلى الله عليه و سلم، فطرحت لرسول الله صلى الله عليه و سلم وسادة فنام رسول الله صلى الله عليه و سلم في طولها، فجعل يمسح النوم عن وجهه، ثم قرأ الآيات العشر من آل عمران حتى ختمها، ثم أتى سقاء معلقا فأخذه فتوضأ ثم قام يصلي، فقمت فصنعت مثلما صنع، ثم جئت فقمت على جنبه فوضع يده على رأسي ثم أخذ بأذني فجعل يفتلها ثم صلى ركعتين، ثم صلى ركعتين، ثم صلى ركعتين، ثم صلى ركعتين، ثم صلى ركعتين، ثم صلى ركعتين، ثم صلى ركعتين، ثم أوتر] [[10]]

كما نلاحظ أن البخاري يقدم الحديث بصيغة تجعل الحديث موجه لكل الناس، و أن الأمر يتعلق بخطاب موجه إلى الناس جميعا، ولا يتعلق بشخص الرسول صلى الله عليه و سلم وحده . فبدلا من أن يقول باب تعليم الرسول أمته أهله، يقول باب تعليم الرجل أهله و ما إلى ذلك من الألفاظ العمومية كالبناء للمجهول، أو لفظة الرجل التي تفيد العموم إذا لم يقصد بها تعريف المعهود، وكل عبارة  تفيد بأن الحكم عام لجميع الناس. مثل باب من جعل لأهل العلم أياما معلومة. و باب عظة الإمام النساء و تعليمهن. و كذلك في الأحاديث المتعلقة بالنساء فإنه لا يذكر المرأة المعنية إلا في سياق الحديث، أما الترجمة فهي بصيغة عمومية فبدلا من أن يقول: باب صفية تحيض بعد الإفاضة، يقول باب المرأة تحيض بعد الإفاضة و العبارات المماثلة، كقوله نوم المرأة في المسجد، وقوله دلك المرأة نفسها و قوله نوم المرأة في المسجد و ما إلى ذلك .

الشيخ أحمد بيبني الشنقيطي

انواكشوط موريتانيا

 



[1]  هذا يؤكده البخاري نفسه قال لوراقه لا أعلم شيئا يحتاج إليه إلا وهو في الكتاب و السنة قال وراقه: فقلت له يمكن معرفة ذلك ( أي فلا يحتاج إلى القياس و الرأي) قال: نعم.

[2] النووي: صحيح مسلم بشرح النووي ص 34مؤسسة قرطبة 1414 هـ 1994 م الطبعة الثانية

[3]  مسلم صحيح مسلم المقدمة

[4]  البخاري صحيح البخاري ص 120

[5]  البخاري صحيح البخاري ص 35 ج 1

[6]  المرجع السابق ص 356 ج 3

[7]  البخاري صحيح البخاري ص 29 ج 2

[8]  آل عمران 180

[9]  آل عمران 191

[10]  المرجع السابق ص 24 ج 3

 

جميع الحقوق محفوظة لمنصة الذاكرة 2026 ©